‏إظهار الرسائل ذات التسميات ارتفاع الضغط وأمراض الشرايين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ارتفاع الضغط وأمراض الشرايين. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 26 يوليو 2020

السعداء لا يكتبون



مررتُ على اقتباسٍ يقولُ إنّ السعداء لا يكتبون. وعندي مشكلة، أو مشكلتان، أو أكثر مع الفكرة!

أوّل ما استدعته ذاكرتي مقابلةً أجراها بلال فضل مع هشام مطر؛ لا أتذكّر تفاصيلها حرفيًّا، وأنا بصراحة أكسلُ من أن أعودَ إليها (ولكنّني لستُ أكسل من أن أُحضر رابطيْ المقابلة! رابط الجزء الأوّل، رابط الجزء الثاني). بعيدًا عن كسلي، وبالالتفات إلى ذاكرتي التي قد تكون أنشط من كسلي (بطبيعة الحال!)، فإنّني أتذكّر أنّ هشام مطر تحدّث عن اكتئابٍ يُصيبه حين لا يكتب، عن تناقصٍ في متعة الحياة وقيمة الوقت، وعن أنّه ليس مُحصّنًا ضدّ المشاعر السوداء. علّق بلال فضل قائلًا إن هذا أمرٌ مفهوم ومتوقّع نسبةً إلى الحياة التي عاشها هشام! ضحك الاثنان، ثم روى هشام قصةً طريفة عن شخصٍ التقى به. كان الشخص مُعجبًا بأعمال هشام وراغبًا في لقائه، ولكنهما حين التقيا أخيرًا وتحدّثا لفترةٍ من الزمن، كان في هيئة الشخص تشنّجٌ يشي بعلامة استفهام، كما يصفه هشام. فجأةً انفلت الشخص وقال له بصراحة إنّه توقّع أن يكون هشام شخصًا جادًّا ومتحفّظًا، فإذا به يلتقي بإنسانٍ طبيعيّ، رجلٍ يتحدّث بأريحية ويضحك!

هل لنا أن نلومَه على توقّعه ذاك؟ إن كان قد قرأ روايتي هشام "في بلاد الرجال" و"تشريح اختفاء"، فلا يُلام أبدًا على ما تشكّل في ذهنه من صورة كئيبةٍ وسوداويّة لمؤلّف تلك الروايتين المؤلمتين!

أمرٌ آخر خطر ببالي، يتعلّق بكاتبٍ آخر، شيخي تولستوي (كما توقعتم بالضبط!). لم أقابله شخصيًّا بالطبع، (أرجو من المشتغلين على ابتكار آلة للسفر عبر الزمن أن يُسرعوا قليلًا)، ولكنني تعرّفت على الشيخ بتدرّجٍ اعتيادي. بدأ شغفي به بقراءةٍ في أعماله الأدبيّة، ثم ما لبثتُ أن شُغفت بالأعمال الفكريّة أيضًا. كنتُ قد وقعتُ في الحب، ولكن صورة تولستوي عندي كانت صورةً افتراضية نمطيّة، كوّنتها كما كوّن ذلك الشخص صورته عن هشام مطر: تخيلتُ تولستوي شيخًا جليلًا جادًّا وكئيبًا. مُبدع هذه الأعمال العميقة، المُفكّر الجادّ الملتزم الناشط في قضاياه الفكريّة والاجتماعيّة، المُصلح الاجتماعي والواعظ الدينيي، كيف كان لي أن أتخيّله إلا وقورًا؟ الوقار بالمعنى المنقوص المعتاد، المعنى الذي يسلب من الرجال والنساء بعض صفاتهم الإنسانية (الضعف، الفكاهة، المتعة، السعادة، إلخ) مقابل صفات مُترفّعة. بعد ذلك، بعد وقوعي في الحبّ جدًّا، شرعتُ أقرأ أكثر في سيرة الشيخ. وصُدمت! نعم، لقد كان شيخًا وقورًا، مُصلحًا ملتزمًا بقضاياه، بل حتى مُفكّرًا وأديبًا مكتئبًا وحزينًا ويزعم أنّه لم يعرف السعادة يومًا في حياته (وهو زعمٌ رفض تشيخوف تصديقه، ربّما لرِقة قلبه ورِقة صداقته بتولستوي، بينما صدّقه غوركي المتشائم دون تشكيك). ولكنّني وجدتُ شيئًا آخر، بل أشياء أخرى، وجدتُ إنسانية تولستوي الكاملة: الأب الذي يلعب مع أطفاله، بل والذي يتآمر مع أطفاله في إعداد مقالب لضيوف المنزل؛ الزوج الذي يعاني مشاكل حادّة مع زوجته؛ الأب المُقرّب روحانيًا وفكريًّا من بناته؛ الشخصية الشهيرة الخجولة التي لا تحب المحافل والاحتفاء؛ الصديق الذي يتحدّث بأريحية وبألفاظٍ سوقية (يقول غوركي: حين كان تولستوي يتلفّظ بها، كانت تكتسب جمالًا عجيبًا!)؛ الصديق الذي يُمازح أصدقاءه وضيوفه ويحرجهم (غوركي راح ضحيّة مشاغبات وأسئلة مُحرجة!)؛ الناقد الساخر الذي يمزّق كتابًا رديئًا بجملةٍ واحدة؛ الشيخ الذي يُحبّ المشي والتجوال والذي يُصفّر مع الطيور في جولاته، أو يقفز ويلاحق أرنبًا بريًّا بمتعةٍ طفولية، أو يتوقّف ليتحدّث مع سحليةٍ تتشمّس في الطريق!

الصور التي نُكوّنها عادةً ما تكون محكومةً بمفاهيم تقليديّة لا شيء يُبرّرها سوى الجهل؛ وأعني هنا الجهل بالآخرين. هذا الجهلُ قد ينتجُ عن تقدير، مثل حال ذاك الشخص المعجب بهشام مطر، وحالي أنا مع تولستوي. وهذا التقدير قد يؤدي إلى صناعة صورة رومانسية مثاليّة (أي رمسنة أو رمنسة، مش مهم)، تغفلُ عن كثيرٍ من الصفات بينما تضخّم أخرى تتّسق مع الصورة النمطيّة تلك، مثل الجديّة والحزن والكآبة. وهكذا تصير السعادة والفكاهة والمتعة أشياء عابرة وتافهة، والأدهى من ذلك أنّها تصير أشياء غير معينةٍ على الخلق والإبداع؛ فالسعداء لا يكتبون!

وجودُ تجربة واحدة لا ينفي وجود تجارب أخرى، مثلما أنّ وجود صفة إنسانيّة واحدة لا ينفي وجود صفات إنسانيّة أخرى (وقار تولستوي لا ينفي فكاهته، وأسى كتابات هشام مطر لا ينفي المرح في شخصيّته). المشكلة في خلقِ صورٍ مُطلقة: صورة الكاتبة السوداوية المنعزلة، صورة الشاعر المتهوّر المكتئب، صورة الشيخ الوقور حدّ الملل، صورة الكاتب المُعذّب بماضيه أبد الدهر. الرمسنة تأليهٌ لصورٍ معيّنة تُلغي إمكانية وجود تجارب مختلفة.

تجربتي مختلفة (نعم، سأتحدّث عن نفسي). ثمة كُتاب وكاتبات وشاعرات وشعراء يكتبون ألمًا وحزنًا. تجربتي لا تنفي تجربة غيري، ولكنها قد تكشفُ اختزاليّة الرمسنة. أول خطوة لمواجهة التنميط هي الاعتراف باختلاف تجارب المكتئبين والمكتئبات. فلعلّنا نُميّز بين طريقتين في التعامل مع الاكتئاب: الخوض في الألم، أو الهروب من الألم. قد أكون ممن يهربون ويهربن بالكتابة. بعض تدويناتي على هذه المدوّنة تبدأ بالحديث عن الكآبة ومحاولاتي للهروب منها. وأعرف أنّ بعض التدوينات الأخرى كُتبت في أوقاتٍ صعبةٍ جدًّا من حياتي، فحتى إن لم أذكر فيها أنّني أفرّ فزعًا من الكآبة، فأنا أعرف أن هذا ما كنتُ أفعله. الفرار من الكآبة يجعلها "مكانًا"، يعني أنني كنتُ أفرّ إلى مكانٍ آخر، فما هو هذا المكان؟ لا بدّ أنّه السّعادة، أو ربّما النسيان المؤقّت. حجبٌ مؤقّتٌ للكآبة، لكنّه يسمح برؤية السّعادة التي كانت قبل ذلك محجوبة؛ ولكنّ الهاربين والهاربات إلى السّعادة لا يكتبون؟

الصور النمطيّة لا تتوقف عند تجاهل اختلاف التجارب، ولا عند التشكيك في تجاربنا الشخصية التي لا تطابق تلك الصور. مشاكلي كما ذكرتُ في البداية كثيرة! الصور النمطيّة لا بدّ أن يكون فيها تجاهلٌ للحالات النفسيّة التي نعيشها. إنّها تنتقي تجارب معيّنة وترمي بأخرى حتى تصل إلى نتيجة نمطيّة؛ نتيجة خاطئة في أغلب الأحيان، ولكنّها خفيفة ظريفة وسهلة الهضم: السعداء لا يكتبون.

فمن الذي يكتب؟ من ليس سعيدًا.
لماذا تكتب التي تكتب؟ لأنّها ليست سعيدة.
متى يكتب الرجال والنساء؟ حين لا يكونون ولا يكنّ سعداء وسعيدات.

هل تتضمّن هذه الإجابات الثلاث كلّ الاحتمالات الممكنة؟ لا، بالطبع. وكذلك إجابة أو قاعدة السعداء لا يكتبون لا تتضمّن كلّ الاحتمالات الممكنة. وهذا ما قد يدفعنا إلى قلب هذه القاعدة إلى سؤال، مثلما نفعل (أو يجدر بنا أن نفعل) مع كل المسلّمات التي نرمسنها ونتداولها دون تشكيك.

السعداء لا يكتبون؟
يمكننا الردّ على السؤال بطرح أسئلة أخرى: ماذا نفعل بكلّ النصوص التي كُتبت بسبب تجارب سعيدة؟ ماذا نفعل بكلّ الكُتّاب والكاتبات الذين يقولون إنّهم لا يشعرون بالسعادة إلّا حين يكتبون؟ لستُ مبدعًا أو كاتبًا على سنّ ورمح، ورغم أنّني أعاني من الكآبة، إلّا إنّني كتبتُ وأكتب وأنا سعيد. حين رحمني الله بالحبّ وأنقذني من الظلمات بنور حبيبتي، حين صرتُ سعيدًا حقًّا لأوّل مرّةٍ في حياتي؛ صرتُ أنشط، أكتب وأقرأ وأعمل أكثر. فكيف حدث هذا إن كان السعداء لا يكتبون؟

السعداء لا يكتبون؟
طريقةٌ أخرى للإجابة عن السؤال، ليس بطرح أسئلة، ولكن بإجابة طويلة فيها عشرون كلمة متشابهة: السعداء لا يكتبون ويكتبون، والسعيدات لا يكتبن ويكتبن، والمكتئبات يكتبن ولا يكتبن، والمكتئبون يكتبون ولا يكتبون. هذه ليست إجابة، صح؟ يعني، قلتُ فيها كلّ شيء، الجميع يفعلون ويفعلن ولا يفعلون ولا يفعلن في ذات الوقت! كيف؟! ببساطة لأن هذه إجابة تُوضّح عبثية السؤال، فنحن إن أردنا التحدّث عن "الجميع" فلا بدّ أن نتحدّث حقًّا عن الجميع، وهذا يعني أن نرمي في القمامة تلك الصور الرومانسية النمطيّة، التي تحاول اختزال "الجميع" في اقتباسٍ شاعريّ يتحدّث عن تجربةٍ واحدة.

صياغة أخرى للقاعدة: الجميع يعيشون ويعشن تجاربَ متنوّعة.

تحدٍّ أخير للسؤال العبثي: أنا سعيد، في قمّة السعادة، وكتبتُ هذا التدوينة. علّل!

26 -7- 2020

الاثنين، 30 ديسمبر 2019

ترجمة "وليمة متنقلة" لهيمنغواي: هل أشبعت القراء حقاً؟


في الفترة الماضية بدأت إحدى الصديقات قراءة كتاب "وليمة متنقلة – A Moveable Feast" لإرنست هيمنغواي. هذا الكتاب الصغير لديه مكانة خاصة في قلبي، وقصتي معه طويلة.. القراءة الأولى، القراءات اللاحقة، تطور أهمية الكتاب عندي، اختلاف تجارب القراءة، كمية الناس الذين أهديتهم الكتاب وصدعتهم به... إنه كتاب عزيزٌ غالٍ، ولذلك سعدتُ بقراءة الصديقة له، رغم أنها كانت – كما سيتضح – قراءةً تشوبها خيبة الأمل. ورغم ما أحاط بقراءة الصديقة من مشاكل، فقد كتبتْ عنه بعض الملاحظات التي تشير لجوانب مهمة في الكتاب، ويمكن الاطلاع عليها في هذه التغريدات على تويتر.


غلاف الطبعة الأولى من الكتاب

وبالعودة إلى موضوعنا، فأنا شخصياً قرأتُ الكتاب وأعدتُ قراءته بالإنجليزية. الصديقة قرأته بترجمة الدكتور علي القاسمي العربية. وأثناء قراءتها شاركتني – بطبيعة الحال! - إحدى فقرات الكتاب التي يتحدث فيها هيمنغواي مع صديقه إيفان شيبمان عن الأدب الروسي ودوستويفسكي وتولستوي (تاج راسي وراسكم!) – لهذا قلتُ سابقاً "بطبيعة الحال"، 90% من الرسائل التي تصلني من الأصدقاء عبر تويتر رسائل عن تولستوي!

الفقرة التي شاركتني إياها الصديقة من الترجمة العربية هي التالية:

وقلت: "كنت أفكر بدوستويفسكي. كيف يستطيع رجل أن يكتب بذلك الأسلوب السيئ، سيئ لدرجة لا تُصدَّق، ومع ذلك فإنه يحرك مشاعرك بعمق؟"
فقال إيفان: "قد يكمن السبب في الترجمة، فالترجمة هي التي أظهرت تولستوي بصورة جيدة."
"أعرف ذلك. أتذكر كيف حاولت أن أقرأ تولستوي عدة مرات فلم أفلح حتى عثرت على ترجمة كونستانس غارنيت".
وقال إيفان: "يقولون إن بوسع الترجمة تحسين الأصل. وأنا متأكد من ذلك على الرغم من أنني لا أعرف الروسية. ولكننا – كلينا – نعرف الترجمات. بيد أن الحرب والسلام جاءت مترجمةً، روايةً رائعة حقاً، بل أفترض أنها الأعظم، وبإمكانك أن تقرأها مرةً تلو أخرى."

وقد بدأت الصديقة تتساءل عن أثر الترجمات على الأعمال الأصلية وعن فكرة أن الترجمة ربما بوسعها "تحسين الأصل"، ولكن قبل أن نتعمق في ذلك أكثر كانت حاستي العنكبوتية (نكتة عن سبايدرمان) قد أنذرتني بأن شيئاً ما غير سليم هنا... صحتُ في ذهني "إلى سيارة الوطواط!" (نكتة عن باتمان) وانطلقتُ إلى النسخة الإنجليزية لمراجعة الأصل.

الأربعاء، 31 يوليو 2019

ثلاث دقائق مع جوردان بيترسون


في الأيام الماضية كالعادة وجدتُ نفسي في نقاشٍ ندمت عليه وإلخ. مواقع التواصل الاجتماعي يا رجل أو يا امرأة، مشكلة والله. المهم، النقاش كان يدور حول السيد جوردان بيترسون. دكتور علم النفس، المفكر، الفيلسوف، المؤلف، المحاضر، المؤثر، الجهبذ، العبقري، الشهبندر، الفرزدق، الكل شيء. ولأني أحب الصداع، لكن لا أحبه كثيراً، قررت أن أجلس مع جوردان بيترسون لمدة ثلاث دقائق فقط. ليس حرفياً طبعاً، ولكن أن أُحلل له مقطعاً مدته ثلاث دقائق.




ترجمتي للكلام في المقطع:

"قرأتُ اقتباساً مرةً، لا أذكر من القائل. ربما كان روبرت هينلاند بحق السماء، مؤلف خيال علمي، ذلك يخطر ببالي، لكن في الأغلب لم يكن هو. الفرضية تقول أن الرجال اختبروا الأفكار وأن النساء اختبرن الرجال. يعجبني ذلك إلى حدٍّ ما. [الفرضية] فيها شيءٌ ما، أتعلمون. بالطبع هذا تعميم مبالغٌ فيه، ولكننا أيضاً لا نعلم إلى أي مدى اختبرت النساء الرجال عن طريق الاستفزاز المحض، يحدث ذلك كثيراً! لأنك إذا كنت تريد أن تختبر شخصاً ما، فأنت لن تخوض معه حواراً صغيراً، أنت سوف توكزه بشدة! سوف تقول، أوكي أنا سوف أهاجمك وأرى أين نقاط ضعفك. ويبدو لي، في وسط هذا الاحتجاج الدائم واستغلال العار [ربما يقصد التشهير أو إثارة الخجل]، وكل ذلك مما يرافق هذا النوع من الحراك الراديكالي تجاه المساواة، بأن هناك كميةٌ ضخمة من الاستفزاز. يا إلهي سوف أقول أيضاً، رغم أنني لا يجدر بي ذلك، ولكن، أنا لا أؤمن بذلك ولكني أحاول فهمه. لقد شعرتُ أنه كان مضحكاً تماماً عند صدور [رواية] 50 درجة [من الرمادي]، شعرت أنه مضحكٌ لدرجة مجنونة أنه في نفس الوقت الذي تعلو فيه مطالب سياسية هائلة بالمساواة الراديكالية، وفيما يخص السلوكيات الجنسية، أن تكون الرواية الأسرع مبيعاً التي رآها العالم يوماً هي عن السادومازوخية والخضوع [في الجنس]، لقد كان الأمر مثل: أوه واو، حسناً، نحن نعلم أين يذهب اللاوعي بهذا أليس كذلك! وأحياناً أفكر، لأن أحد الأشياء التي أحاول فك غموضها، الأمر ليس كأنني أؤمن بذلك، أنا فقط أقول لكم إلى أين وصلت حدود تفكيري، هو أنه لدينا هذا التحالف المجنون بين النسويات والإسلاميين المتطرفين، الذي لا أفهمه. أعني أن عدم تظاهر النسويات بشكل لا ينقطع حول السعودية هو شيء يتجاوزني، لا أستطيع فهمه مطلقاً. وأتساءل أيضاً، أتساءل، كما هو الحال، وهذا الفرويدي في داخلي، هل هناك انجذاب أتعلمون، هل هناك انجذاب ينشأ بين أولئك الإناث الراديكاليات تجاه تلك الهيمنة الذكورية الشمولية التي نجحن في طردها من الغرب. هذا شيء عجيبٌ التفكير فيه، ولكنني في نهاية المطاف لدي عقلية تحليل نفسي، وأفكر بالفعل في أشياء مثل هذه، لأنني لا أستطيع أن أرى أي سبب عقلاني لذلك، السبب العقلاني الوحيد لذلك قد يكون أن الغرب يجب أن يسقط وبالتالي فإن عدو عدوي هو... [مداخلة من محاورته: صديقي]، بالضبط، آه، أظن أنني أخطأت في ذلك [يقصد عبارة "عدو عدوي صديقي"] [محاورته: عدو عدوي صديقي] نعم بالضبط [محاورته: ولهذا فإن الإسلاميين يميلون للتصويت لليبراليين أيضاً]، نعم كذلك، ذلك قد يكون الحال. ولكنني لن أتخلص من توجسي تجاه هذا التوازن اللاواعي لأنه بينما تتزايد هذه المطالبة بالمساواة وبالقضاء على الذكورية سيتكون هناك شوق في اللاوعي للنقيض التام لذلك. كلما صرخت أكثر مطالباً بالمساواة كلما ازداد إعجاب لاوعيك بالهيمنة."

حسناً، هذه كلام جوردان بيترسون. حاولت نقل المعنى بأكبر قدر ممكن من الأمانة ومن الوضوح في الترجمة، وعلى كل حال رابط الفيديو موجود في الأعلى لمن يرغب في التأكد من صحة الترجمة، مع ملاحظة أني تفاديت في الترجمة بعض الأمور العادية التي تظهر عند الكلام، مثل تكرار كلمة بسبب لعثمة أو نطق غير سليم، أو مثل كلمة like التي تعتبر من الكلمات الزائدة في الكلام (حذفتها فقط حين كانت زائدة). باستثناء ذلك أظنني نقلت كلامه ومعانيه بأفضل ما في استطاعتي. والآن، أريد الجلوس قليلاً ومحاولة تحليل هذا الكلام... بسم الله نبدأ.

الخميس، 4 يوليو 2019

كتاب صنعة الشعر لبورخيس: الخيانة الأدبية والترجمة المأساوية



1

كنتُ أُقلِّب كتب الشعر عندي لاختار ديواناً جديداً أقرأه. في مثل هذه الكآبة ومع كل القلق والهواجس قد تستعصي علي القراءة أحياناً، ولكن كتب الشعر خفيفة ومليئة بالعاطفة، وأنا أحتاج الآن للخِفة والعاطفة. وجدتُ كتاب This Craft of Verse للأرجنتيني العظيم بورخيس (أقول "الأرجنتيني" لأنني بصراحة لا أعرف وصفاً أدبياً يوفيه حقه! أشعر بأن كاتب وشاعر لا تعبران عن سحره). طالما أقرأ الكثير من الشعر في هذه الفترة فلعل قراءة كتاب عن الشعر ستكون مفيدة، لعل هذا الكتاب سيساعدني على فهم الشعر والإحساس به أكثر، كما أن بورخيس هو أحد كُتابي المفضلين جداً والذين أستطيع أن أقرأ لهم في أي وقت وفي أي مزاج.



بدأتُ قراءة الكتاب. هو عبارة عن ست محاضرات ألقاها بورخيس عن مواضيع متعلقة بالشعر (والأدب بصفة عامة). لقد كان هذا الكتاب شعاع نور يخترق ظلمات كآبتي كل يوم. كل يوم أجلس لقراءة محاضرة واحدة مستمتعاً إلى أقصى حد بعبقرية بورخيس وشاعريته وجماله وشخصيته، لقد أتعبني وراءه بالتخطيط في هذا الكتاب! وكم هو تعبٌ جميلٌ طبعاً! وكعادة كل الكتب العظيمة كنت كل يوم أتحسر على إكمال المحاضرة، وأعد المحاضرات المتبقية بأسى، ولكن أُعزي نفسي بأني ما زالت أمامي عدة كتبٍ لبورخيس لم أقرأها بعد!

إنه كتابٌ عظيمٌ بالفعل، وأظن أنني سأصنفه مرجعاً في النقد والنظريات الأدبية وسأعود له كثيراً (كما هو حالي مع غالبية كتب بورخيس! لا جديد!)، ولكنني لا أريد الحديث عن الكتاب في هذه التدوينة، أريد الحديث عن شيء آخر...

بعد أن أكملتُ الكتاب، وحين كنتُ ما زلتُ مغموراً بنشوة روعته، راودني فضولٌ لمعرفة إذا ما كان بعض الأصدقاء والمعارف في تويتر قد قرأوه وتحدثوا عنه. دخلتُ لأبحث عن الكتاب، وجدتُ بعض التعليقات عنه واكتشفتُ أنه تُرجم للعربية. بحثتُ عن ترجمة الكتاب وحين وجدتها استغربت: الكتاب ترجمه صالح علماني.

لماذا استغربت؟ سؤال منطقي يا عزيزي القارئ؛ ففي النهاية الأستاذ صالح علماني أشهر مترجم عن الإسبانية إلى اللغة العربية واسمه في عالم العربية بشهرة أسماء ماركيز ويوسا! فلماذا أستغرب ترجمته لكتاب مؤلفه أرجنتيني لغته الأم الإسبانية مثل بورخيس؟ حسناً، سبب استغرابي هو أن بورخيس ألقى تلك المحاضرات بالإنجليزية. قد تقول لي أيها القارئ العزيز: لحظة لو سمحت، كيف عرفت ذلك؟ حسناً، عرفته لأنني قرأت الكتاب بالإنجليزية، الكتاب الذي أصدرته جامعة هارفرد التي ألقى فيها بورخيس محاضراته هذه سنة 1967 (سأشير له باسم: كتاب هارفرد). ربما ستسألني: لعله ألقاها بالإسبانية والكتاب مترجم إلى الإنجليزية؟ كلا، بورخيس كان يُتقن الإنجليزية أفضل من أهلها! ولا داعي للمزيد من الجدال هنا، فالمحاضرات بصوت بورخيس نفسه موجودة على الإنترنت! هذا رابط المحاضرات الست كاملة على يوتيوب، ويمكن البحث عن المحاضرات منفصلة فهي موجودة كذلك.

ولكن، عادي، أليس كذلك؟ يمكن للمرء أن يُترجم من أكثر من لغة، خاصةً إن كانت لغة عالمية مشهورة ومتداولة مثل الإنجليزية. ولكنني استغربت، بذرة الفضول زُرعت ولم يكن لي بدٌّ من ملاحقتها أو زراعتها؟ سقايتها؟ مهما كان التشبيه المناسب، المهم أنني لم أرتح وقررت أن أتفحص ترجمة صالح علماني أكثر.

وهنا انهالت علي الصدمات...

الخميس، 17 أغسطس 2017

نوفيلا "السند المزيف" لتولستوي والدعاية المزيفة.



في الأيام الماضية أرسل لي بعض الأصدقاء الذين يعرفون حبي لتولستوي (بعبارات أخرى: الذين صدعتهم بهوسي بتولستوي!) خبراً حول نشر ترجمة جديدة لنوفيلا "السند المزيف" لتولستوي (السند المزيف. ليف تولستوي. ترجمة: نبيل يوسف. مراجعة: أنور إبراهيم. سلسلة الجوائز التابعة للهيئة المصرية العامة للكتاب. 2017).

سعدتُ قليلاً بهذا الخبر (قليلاً لأن الحذر دائماً واجب!) وطفقتُ أقرأ المزيد عن هذه الترجمة الجديدة.

دينا مندور، رئيسة تحرير سلسلة الجوائز الناشرة لهذه الترجمة الجديدة، ذكرت في تصريحات منشورة على موقع "مبتدا" بتاريخ 19 أبريل 2017 أن "السند المزيف" رواية "لم يسبق نقلها من قبل إلى العربية".

وفي صحيفة "الدستور"، بتاريخ 10 مايو 2017، يُنسب لدينا مندور أنها "أكدت... اكتشاف نص أدبي للأديب الروسي ليو تولستوي، لم ينشر من قبل، مشيرةً إلى أنها وفريق عمل سلسلة الجوائز، قاموا ببحث متواصل للتأكد من ذلك، ولم يعثروا على معلومة تؤكد نشره مسبقاً، باستثناء أنه قد يكون نُشر في المدارس الكاثوليكية". كما أضافت دينا مندور بحسب الصحيفة أن النص "كتبه تولستوي قبل وفاته بوقت قصير، وربما يرجع عدم نشره إلى أنه تسبب له في مشاكل مع عائلته، لأنه يضم جزء من حياته".

أما هيئة تحرير سلسلة الجوائز، فقد نشرت مقالةً في "أخبار الأدب"، بتاريخ 17 يونيو 2017، جاء فيها أن هيئة تحرير سلسلة الجوائز قد عثروا "على درة تولستوي "السند المزيف" التي كتبها كآخر أعماله ونشرت بعد وفاته ولم تنشر باللغة العربية قبل اليوم". كما تضيف هيئة التحرير أن "السند المزيف" هي "بمثابة وصية تولستوي الأخيرة، التي نفذها هو نفسه في نهاية حياته، وكأنما كانت الرواية هي التجلي الروائي لتلك الوصية، أو هي مذكرة إيضاح فنية تقدم رؤيته للحياة والعالم".

وفي تصريحات خاصة لصحيفة "اليوم السابع"، بتاريخ 23 يوليو 2017، نُسب إلى دينا مندور قولها عن "السند المزيف" بأنها "صدرت في روسيا بعد وفاة تولستوي، وذلك لأنها تسببت في مشاكل كثيرة له مع أهل بيته، لأن أحداثها كانت تدور من داخل منزله".

كل ما سبق كلام جميل... لولا أنه مليء بالمعلومات الكاذبة!

الأحد، 16 أبريل 2017

لنا جحيمنا ولكم جحيمكم!


ليس لدي شيء أتحدث عنه، فقط الكثير من الغضب والكثير من الحقد والكثير من اليأس. وأطنان من الملل (أنا الآن في العمل، شششش لا أريد أن يعرف أحد ماذا أفعل!). وفي هذا السياق، فقد وجدتُ بضعة أغصان يابسة من القهر لأرميها على نار غضبي الملولة وأقرر كتابة شيء ما. 

الموضوع ببساطة هو الكُتَّاب والشعراء والمبدأ. والمبدأ هنا هو الالتزام الحقيقي بكل الهراء الذي يتظاهر الكُتاب بأنهم يعتنقونه: الإنسانية، الحقوق، الحرية، الأدب، الفن، كل شيء آخر يقولون أن هذه الرواية أو تلك تعبير عن صراعه مع كذا في كذا وانتصار الكذا على كذا. هذا تعريفي للمبدأ لغايات هذه الورقة البحثية التي أقدمها إلى المؤتمر السنوي السابع والثلاثين حول الكلام الفراغ.

وبعد تعريف المبدأ، ثاني أهم نقطة يجب أن أذكرها أن المبدأ مستحيلٌ في عالمنا الذي فيه "يمتد عمر الشاعر الحر، إلى أقصاه: بين الرحم والقبر!". لا يمكن لأي كاتب أو شاعر أن يلتزم بحديثه عن الحرية في دول يتصدق فيها الحكام بنسبة بسيطة من الحرية بين الحين والآخر لتزكية استبدادهم ومباركة حكمهم. الموضوع مللنا من القراءة عنه والحديث عنه: عالمنا سجنٌ كبيرٌ في أحسن الحالات، وفي أسوأها قبر. الكاتب الملتزم بالمبدأ سيكتب على جدران السجن أكثر مما سيكتب في الجرائد والمواقع. والكاتب الذي يعيش المبدأ عظم الله أجرنا فيه.

فما المشكلة إذاً؟ المشكلة هي ببساطة أن يكذب الكاتب. أن تجد كاتباً (بدون ذكر أسماء) يعيش مستفيداً من النظام، وينال المكافآت والمناصب والدعم، ويكتب مادحاً ملمعاً. ثم! فجأةً! بعد سقوط النظام، يتضح أن هذا الكاتب كان يكرهه! كان يحتقره! كان وكان وكان! بل كان على وشك الإطاحة بالنظام بنفسه لولا أن تدخلت الأقدار وانتفضت البلاد ومات القذافي. ونعم، أنا أتحدث عن ليبيا طبعاً. كثيرون جداً هم هؤلاء الكتاب عندنا. أشخاص "ناموا في الفراش مع القذافي" (لاستعارة التعبير الإنجليزي) ثم بعد موته أعلنوا أنهم لم يكونوا معه في الفراش إلا ليحاولوا خنقه بالوسادة وهو نائم! لا يا راجل؟! احلف؟!

وحسناً، هذا شيء طبيعي. هذا الانقلاب ضروري. بعض الكتاب من هذا النوع كان موقفهم أكثر اعتدالاً، لم ينكروا ماضيهم ولم يتناقضوا مع أنفسهم كلياً. بعضهم استغلوا جرائم القذافي أثناء أحداث انتفاضة 2011 والحرب التي لحقتها، وجعلوا ذلك نقطة انفصالهم عن القذافي (صح النوم!)، والتزموا الصمت حول صمتهم طيلة أربعة عقود تجاه بقية جرائم القذافي. هؤلاء تأخروا كثيراً في محاولة الالتزام بالمبدأ. ولكن تبقى فضيحتهم أهون بكثير من فضيحة من حاول تغيير تاريخه!

بعض الكتاب نجدهم يقولون: كتاباتنا كانت ثورية! حقاً؟ ألهذا السبب كلما ظهر لكم كتاب كانت البلاد تنتفض وتثور؟ آه، ربما لم يفهم أحد. حسناً، أكمل لو سمحت. نعم (سيقول ذلك الكاتب)، كتاباتي كانت ثورية، تحرض على الثورة ضد الظلم، كتاباتي كانت تمثل ضمير ليبيا وروحها. هل هذا صحيح؟ عماذا كنت تتحدث في كتاباتك؟ القمع؟ التعذيب؟ الدولة البوليسية؟ الجوع؟ لا، لا، لا (سيتابع ذلك الكاتب)، كنت أتحدث عن ثقافة ليبية تعتبر أقلية وعن تاريخ قديم وأشياء هكذا ولكنها تعبر عن ليبيا كلها وعن وضعها وواقعها وتاريخها وأحلامها وطموحاتها... يعني.. (يبدأ الكاتب يتعرق).. يعني أنا حفظت التراث الليبي وهكذا، وكان لي أثر عظيم على.. يعني عالمياً يعتبرونني كاتباً مشهوراً. ثم يستأذن الكاتب ويذهب للمشاركة في مؤتمر دولي عن الكتابة، ويتحدث فيه بحرية بالغة عن الحرية نفسها وعن الإنسان وعن نضاله 40 سنة ومقاومته برواياته التي لم يفهم أي مواطن أنها روايات تطالب بالثورة على الظلم. بصراحة، لا توجد أيادٍ كافية في العالم لمنح مثل هذا الكاتب الكفوف التي يستحقها.

هنالك كُتَّاب ليس لكتبهم أي أثر في الثقافة الليبية (وأعني هنا الثقافة بمعناها الواسع جداً، من ثقافة المواطنين في الشارع إلى ثقافة المفكرين والأدباء). ولا نصف حبة أثر ميكروسكوبية. ومع ذلك يدعون أنهم يمثلون ليبيا! يا أساتذتي الكرام، ألا تدركون أن الناس لا يهتمون بنتاجكم الأدبي إلا لأنه لا يمثلهم من قريب ولا من بعيد؟ ألا تفهمون ذلك؟ ألا تعلمون أنكم تنتجون أعمالاً قد تكون تحفاً فنية، وهي بالنسبة لليبيين هكذا بالضبط: تحف فنية لا تقدم ولا تؤخر. ربما شيء جميل تستمتع به، ثم تنساه، لأنه لا يعنيك. إنه شيء قد يعجب شخصاً أجنبياً، شخصاً يبحث عن واقع مختلف عنه، فلا يختلف كتاب يروي (أو يزعم بأنه يروي) قصةً في ليبيا عن كتاب يروي قصةً في المريخ فيها تنانين تسافر عبر الزمن بسبب لعنة سحرية، كله خيال علمي فانتازي بالنسبة له.

ولكن القارئ الليبي، الذي اشتاق لصوته لمدة 42 سنة (وعاد من جديد يشتاق لصوته، فلم ينتهِ هذا الفراق بعد)، هذا القارئ يريد من يهمس بحقيقته، يريد أن يقرأ نفسه. إن قصةً قصيرة عن صديقان قديمان يتلقيان في مقهى متسخ ويستذكران الماضي الذي لا يعود أقرب بكثير إلى واقع القارئ الليبي من قصة سيريالية فلسفية عن رجل يعيش في الصحراء ويعاني من أزمة هوية. أعلم أننا يمكننا أن نقرأ ما نشاء في الفن، ويمكننا القول بأن هنالك رمزية للصحراء وأزمة الهوية وإلخ، ولكن حتى قصة المقهى واللقاء فيها رمزية وتحتاج لتفسير، وتفسير قصة تعتمد على الرمزية لاختراق الخطوط الحمراء أكثر وضوحاً وتواصلاً مع الواقع الليبي من تفسير رواية تبذل مجهوداً كبيراً في تفادي الخطوط الحمراء. ثم يظهر هذا الكاتب ويقول أنا كاتب ثائر أُمثل المجتمع! ويُرسل له الحاكم المستبد الظالم مرتباً شهرياً في محل إقامته خارج ليبيا يكفي 20 عائلة في ليبيا؛ لأن الحاكم غاضبٌ عليه وعلى تمرده بالطبع!

وهنا لا أستطيع منع نفسي من التفكير بأسى في الكُتاب الذين عبروا عن الواقع فعلاً، الكُتاب الذين أُلقي بهم تباعاً في السجن.. ما هو إحساس أحد هؤلاء الكتاب وهو يقرأ مقابلة في مجلة شهيرة مع ذلك الكاتب الذي يتحدث عن الحرية؟ ما هو إحساس الكاتب الذي يكتب عن القهر فعلاً، يكتب عن الجوع الذي شعر به فعلاً، يكتب عن اليأس الذي كان يقبض عليه وسط الشوارع التي تفيض بالبؤس والقمامة في هذه البلاد، وهو يقرأ أن هذا الكاتب أم ذاك الذي يعيش في الخارج على حساب الحكومة كان يمثل الشعب برواياته التي لا تتحدث عن الشعب بل عن "شريحة" من الشعب بعيداً عن بقية البلاد، أو ذلك الكاتب الذي كان يكتب أفكار وتوجهات الحاكم الذي يقمع الشعب ثم يقول أنه يمثل الشعب! ما هذا الهراء يا عالم؟! بماذا يشعر الكاتب الذي تبهدل في السجون وبماذا يشعر الكاتب الذي يكتب من وسط الشعب وبماذا يشعر الشعب؟

لستُ كاتباً، ولكنني من الشعب، ولذلك سأقول بأنني لا أشعر بشيء، لا أشعر بأن هذه الأعمال تشدني، أو تمثلني، أو تقترب مني ولو قيد أنملة. أشعر فقط بالغضب من كل ذلك الكذب والكذب والكذب، وأترك المائة كتاب التي ألفها الروائي الشهير العالمي الذي ترجمت أعماله لألف لغة والذي يقول أنه يمثل ليبيا لدرجة أنه يكاد يكون هو من خلقها كلها وهو لا يعتبرها وطنه أصلاً، وأخذ كتاباً صغيراً من قصص قصيرة لكاتب لم ينشر سوى هذا الكتاب ويكاد الناس أن ينسوا أنه موجود؛ فهذا الكاتب كاتب ليبي حقيقي ويمثلني، والآخرون فليذهبوا إلى الجحيم.. أعني جحيماً آخر غير ليبيا، فجحيم ليبيا لا يمثلونه!



6 أبريل 2017