الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026

كلام عن رأس المال اللغوي والسوق السوداء

 

تبحث زوجتي في موضوعات لغوية وبلاغيّة ونقديّة، وبطبيعة الحال كثيرًا ما يعود بها عملها إلى كتابات بيير بورديو عن اللغة. أعرف القليل عن مفاهيمه حول رؤوس المال (الثقافيّة واللغويّة والاجتماعيّة)، وأردتُ أن أعرف أكثر عن عمله في اللغة اقتداءً بزوجتي ورغبةً في مشاركتها رأس المال الفكري الذي تحتكره!

أخطأتُ حين ظننتُ أنني أستطيع تصفّح كتاب لبورديو في نهاية اليوم بعد الدوام. نمزمز بشوية فلسفة فرنسيّة عالماشي. سرعان ما وجدتني أشتاق للقراءات الوظيفيّة التي أردت الارتياح منها. لكن الحل موجود بطبيعة الحال: مشاهدة سبعين محاضرة على يوتيوب في الخلفيّة أثناء الانشغال بأشياء متفرّقة في البيت (كاللعب على الهاتف، على سبيل المثال لا الحصر).

في إحدى المحاضرات أو "المقالات البصريّة" ناقش المتحدّث أفكار بورديو عن رأس المال اللغوي. دون تعمّق كثير في التفاصيل، لا سيما كلام الطبع أو التطبّع أو الهابيتوس الذي لا أفهمه أو لا أتفق معه لا أدري، لا يرى بورديو أن اللغة مجرّد مجموعة قواعد نحويّة نتقنها أو لا نتقنها، بل تتطور اللغة ويتأثر استخدامنا لها بفعل السياقات الاجتماعيّة، فتكتسب بعض اللغات أو اللهجات أو الممارسات اللغوية صفات معيّنة عبر التاريخ تغلّب لغةً على أخرى وترفع مكانة ناس وتحط آخرين. إذن تنشأ هرميّةً من نوعٍ ما في ساحات المجتمع أو السوق تعكس السياق المادي (العلاقات والمصالح الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة لهذه الفئة أو تلك). من يمتلك رأس المال اللغوي المناسب للسوق (بالتوارث أو الاكتساب)، أقدر على النجاح في لعبة السوق. نماذج هذه الهرميّة كثيرة، مثل اتقان اللغة الإنجليزيّة بوصفه معيارًا على مستويات اقتصاديّة وتعليميّة مرتفعة وما يعنيه ذلك من فرص العمل والتقدم الوظيفي والارتقاء الاجتماعي والصورة الشخصيّة وإلخ؛ ولمثال حول التمييز، نستطيع أن ننظر في تنافس اللغات واللهجات في الساحة الاجتماعيّة والثقافيّة مثلًا، فصحى بليغة جزلة أم فصحى ركيكة هجينة؟ لهجة حضريّة مخلوطة بكلمات أجنبيّة أم لهجة أصيلة ريفيّة أو بدوية؟ الصراعات الاجتماعيّة والسخرية والتمييز غنية عن الذكر. وما دامت عندنا هرميّة تفضّل شيئًا على شيء، فلا بد أن تكون عندنا هيمنة تمارس أشكالًا من التمييز والإقصاء (أو "العنف الرمزي" حسب بورديو). ذكر المتحدث اليوتيوبي اللغة الأكاديميّة مثالًا على الإقصاء اللغويّ في سوق رأس المال اللغوي؛ فهي لغة متخصّصة لها مصطلحات صعبة تُقصي من الساحة كلّ من لا يمتلك رأس مالٍ لغويًّا مشابهًا، وقد ذكر المتحدّث مفارقة أن بورديو ذاته شهيرٌ بلغته الصعبة الإقصائيّة (في محاضرة أخرى شاهدت منها ثلاث دقائق فقط يبدأ المحاضر بعرض فقرةٍ من كتابة بورديو ويقول إنها تُدرس في المدارس الفرنسيّة بوصفها نموذجًا على الكتابة السيئة الملغزة! لا أدري إن كان يمزح، لكن في الحالتين وصلت الفكرة).

هذه الملحوظة عن إقصاء اللغة الأكاديميّة وبورديو ذكّرتني بالأمانة التي استلمتها من صديق، ففيها نصوص لأستاذ في الأدب لغته بالغة التكلّف، إلى حدّ تكرّر السخريّة من لغته والتبرّم منها في نصوص أخرى في الأمانة.

صاحبنا هذا، ولنُسمّه البروفسور (لأنني ما زلتُ لا أظن أنني أستطيع الحديث بصراحة أكثر عن تلك الأمانة الغريبة)، يمتلك قدرًا لا بأس به من رأس المال اللغوي/الثقافي. أستاذ جامعيّ وخبيرٌ محنّك وراءه تاريخ تعليمي راقٍ بلا شك وخبرات وظيفيّة طويلة؛ له معرفة دقيقة باللغات؛ على قدرٍ هائل من الثقافة الشرقيّة والغربيّة؛ ويتقن العربية إتقانًا يتيح له النقحرة ونحت المصطلحات والتعريب الغريب. حين يدخل البروفسور إلى السوق اللغوي، فهو قادرٌ على اللعب وفق شروطها، أو لنقل الاستثمار وفق قواعدها الماليّة. يتبختر البروفسور برأس ماله اللغوي الأكاديمي في السوق، فيتحدّث بفصاحةٍ وبلاغةٍ من العصر العباسيّ، ويقتبس مائة نصٍّ من الشرق والغرب في قراءات أدبيّة تستند إلى عشرات النظريات الأدبيّة، بعضها مشهور وبعضها مغمور، وكلّ ذلك بأسلوبٍ ملغز كمن يغمز دون أن يُصرّح. من ناحية نستطيع أن نرى في هذه الإقصاء تطبيقًا لفكرة "العنف الرمزي"، أي عملية الإقصاء التي تطرد من السوق من لا يستوفي شروطها ويعجز عن إظهار رأس المال اللازم لإثبات مكانة أو سلطة رمزيّة (رمزيّة لأن الكلام هنا كلّه ثقافي يؤسس لصور أو تمثّلات لها أثرها المادي، مثل اللغة بالضبط وما تؤدي إليه من احترام أو احتقار وما ينتج عن ذلك من توفّر فرص الارتقاء أو الانحدار الاجتماعي). إن أردت النجاح أو القبول أو الشرعيّة فلا بد أن تتكلم بلغة معيّنة، لا تتكلم بهذه اللهجة أو تلك، لا تنسَ استخدام مصطلحات أو حشر تعبيرات أجنبيّة، إلخ. هذه العملية تداوم على ترسيخ أشكال اللغة المقبولة وتحصر القيمة فيها وحدها، تحدّد رأس المال اللازم لدخول السوق، أو تُحدّد العملة اللازمة ربما.

وهنا تغيّر تفكيري قليلًا في البروفسور. أيمارس الإقصاء أم يمارس عليه؟

إن الرائج الآن هو تلك الفصحى الصحفيّة أو الرسميّة، التي تغلب عليها الركاكة واستعارة التعابير والبناءات اللغوية الأجنبيّة (ولا أستثني نفسي!). هل ردّة فعلي المتبرّمة تجاه لغة البروفسور لأنه يحاول إقصائي وأمثالي من فهم كلامه؟ أم لأنني غارقٌ (دون وعي) في منافسة السوق التي تُحدّد ما المقبول وما المرفوض؟ لا بد أن نتوقف هنا ونسأل سؤالًا مهمًّا: في أي سوقٍ لغويّةٍ نحن؟ لعلّنا في سوق صناعة المحتوى أو الاستهلاك الثقافي سنجد أن لغة البروفسور تتعرض للعنف الرمزي والإقصاء، نريد سهولة الفهم وسرعة القراءة والمشاركة. لكن في السوق الأكاديمي فإن لغة البروفسور هي التي ستمارس الإقصاء وتُبعد كلّ من لا يمتلك المؤهلات (أو رأس المال). السياق مهم بطبيعة الحال. حسب علمي ليس البروفسور مليونيرًا يترفّع عن مخالطة السوقة، ومع أنه يبدو بوضوح من "الخاصّة" التي تتدارس ما لا تدركه "العامّة"، فلا أظنه متكبّرًا يتقزّز ممن لا يُجيد الحديث بفصاحته وبلاغته كبعض المثقفين الذي ينصحون كل من يقابلونه بحفظ ألفية ابن مالك والنوم متوسّدين مجلدات الحيوان للجاحظ، ولا من المثقفين الذين يتحسرون على من لا يسمع بيتهوفن 24 ساعة ويحفظ مؤلّفات نيتشه الكاملة.

أتوقف مع "شخصيّة" البروفسور لأن سؤال السوق يبدو لي الآن بأنه ليس سؤال "سلعة" السوق بل سؤال "موقع" السوق، ودوافع البروفسور الشخصيّة لعلّها تلقي بعض الضوء على السوق التي يدلّل فيها ببضاعته. ربما في صورة "الخاصة والعامة" المستمدة من التراث الإسلامي مفتاحٌ من المفاتيح، فتكون لغة البروفسور اختبارًا واعٍ، ليس لصبر المستمع أو المحاور، بل لجدارته واستحقاقه بأن يشاركه البروفسور معرفة الخاصّة. ذكرتُ أن البروفيسور يتحدث بالألغاز، فعنصر الاختبار واضحٌ في ما وصلني منه في الأمانة، ومن هذه الزاوية تبدو لغة البروفسور المتكلّفة انعكاسًا لامتحاناته المستمرة: فهمه اختبارٌ مكافأته الوصول إلى استنارةٍ تبدو أوّل الأمر مجرّد حذلقة متكبّرة.

إذن يمارس البروفسور الإقصاء، لكن ليس في سوق الأبراج العاجيّة الأكاديميّ، بل في سوقٍ أقرب إلى أسواق المعرفة السريّة، سوق سوداء إن جاز لنا التعبير. يبرهن على هذه السوق الموازية دوافع البروفسور الشخصيّة، فهو يمارس الإقصاء الذي تتطلبه السوق، لكن ليس وراء أهداف السوق الرسمية بالضبط، فلا يسعى – كما يتضّح من نصوص الأمانة – إلى مجدٍ علمي أو تفوقٍ وظيفي، بل له دوافع أعمق على المستوى الشخصيّ والفكري. ولعلّ هذا يؤيده أيضًا واقع أن البروفسور لديه نظريّة تكاد تكون ماورائيّة (نصيًّا وواقعيًّا!) عن وحدة النصوص أو كونيتها: لكلّ البشر مؤلّفٌ واحد، إلخ، وربما شطح أبعد من ذلك فيصير المؤلّف نصّه والنص مؤلّفه.

تؤكّد نظرية البروفسور (وحدة الوجود النصّي؟) أنه يمارس الإقصاء لاختبار جدارة الناس بمعرفة سريّة، فهو يعمل على خلاف قواعد السوق، ما يعني أنه يقاومها. ولا أدري بصراحة إن كانت نظريات بورديو فيها جبريّة من نوعٍ ما تقضي على الداخلين إلى السوق باللعب وفق قواعدها تمامًا سواءً نجحوا أم أخفقوا، لأنني لم أفهمه أصلًا، لكنني أظن أن البروفسور نموذجٌ واضح على مقاومة قواعد السوق أو إعادة استخدامها لتحقيق أهداف تخالف أهداف السوق وتنشر رأس مال جديد غير متوافق عليه، معرفة سريّة مرفوضة. تتعرض هذه المعرفة السريّة أو العجائبيّة للإقصاء، تقول لنا السوق إنها لغة متحذلقة ومستغلقة وشطحات فكريّة ميتافيزيقيّة كلّها بلا قيمة. لكن هل يجدي نموذج القيمة التنافسيّة فعلًا في مواجهة البروفسور؟ إن الرجل يتحدّث بالألغاز لأنه يعرف موقف السوق من قيمة كلامه، ينشئ سوقًا موازيةً أو معارضةً أو مقاومةً أو لنقل حتّى مُطارَدةً، يُحدّد هو قيمة لغته فيه. ينادي البروفسور على بضاعته بالألغاز والتمليح والاستدراج، فيفهم البعض ظاهر نداءه على أنه رأس مال لغوي أكاديمي إقصائي أو جدير بالإقصاء، ويسمع آخرون جوهر النداء ودعوته إلى سوقٍ سريّةٍ تحت السوق الظاهرة، لا يتنافس فيه البروفسور مع الآخرين بل يختبرهم.

في الأمانة نصوص تتفاعل مع نصوص البروفسور، بعضها لمترجم وأديب يبدأ بالتبرّم من لغته والسخرية منها وسرعان ما تعديه وتبدأ تظهر في كلامه هو ذاته. لعل في عدوى لغة البروفسور رمزيّة لعدوى تلك المعرفة السريّة، تبدأ بالإقصاء والسخريّة وتنتهي بالاقتناع والانضمام.

تحضرني كلمة نسيت صاحبها، اجعل ما في صدرك للنفقة وما في كتبك رأس مال. كلمة رأس المال وثبت بها إلى ذهني طبعًا، إعلانٌ ظاهر برأس مالٍ لغوي في سوق منافسة، ودعوة سريّة في سوق اختبار. لكن نظرية وحدة الوجود النصيّ تلك تظهر لي حتّى في هذه الجملة، فما في الصدر (الذات، الإنسان، المؤلِّف) مثيل ما في الكتاب (المادي، المصنوع، المؤلَّف)، الفرق فرق إدخارٍ وإنفاق، تنافسٌ واختبار، مرابحة ومناجاة. يبدو أنني لستُ بمأمنٍ من عدوى البروفسور.

وهذا هذا.

7 سبتمبر 2026

(المصدر)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق