‏إظهار الرسائل ذات التسميات صالح علماني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات صالح علماني. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 4 يوليو 2019

كتاب صنعة الشعر لبورخيس: الخيانة الأدبية والترجمة المأساوية



1

كنتُ أُقلِّب كتب الشعر عندي لاختار ديواناً جديداً أقرأه. في مثل هذه الكآبة ومع كل القلق والهواجس قد تستعصي علي القراءة أحياناً، ولكن كتب الشعر خفيفة ومليئة بالعاطفة، وأنا أحتاج الآن للخِفة والعاطفة. وجدتُ كتاب This Craft of Verse للأرجنتيني العظيم بورخيس (أقول "الأرجنتيني" لأنني بصراحة لا أعرف وصفاً أدبياً يوفيه حقه! أشعر بأن كاتب وشاعر لا تعبران عن سحره). طالما أقرأ الكثير من الشعر في هذه الفترة فلعل قراءة كتاب عن الشعر ستكون مفيدة، لعل هذا الكتاب سيساعدني على فهم الشعر والإحساس به أكثر، كما أن بورخيس هو أحد كُتابي المفضلين جداً والذين أستطيع أن أقرأ لهم في أي وقت وفي أي مزاج.



بدأتُ قراءة الكتاب. هو عبارة عن ست محاضرات ألقاها بورخيس عن مواضيع متعلقة بالشعر (والأدب بصفة عامة). لقد كان هذا الكتاب شعاع نور يخترق ظلمات كآبتي كل يوم. كل يوم أجلس لقراءة محاضرة واحدة مستمتعاً إلى أقصى حد بعبقرية بورخيس وشاعريته وجماله وشخصيته، لقد أتعبني وراءه بالتخطيط في هذا الكتاب! وكم هو تعبٌ جميلٌ طبعاً! وكعادة كل الكتب العظيمة كنت كل يوم أتحسر على إكمال المحاضرة، وأعد المحاضرات المتبقية بأسى، ولكن أُعزي نفسي بأني ما زالت أمامي عدة كتبٍ لبورخيس لم أقرأها بعد!

إنه كتابٌ عظيمٌ بالفعل، وأظن أنني سأصنفه مرجعاً في النقد والنظريات الأدبية وسأعود له كثيراً (كما هو حالي مع غالبية كتب بورخيس! لا جديد!)، ولكنني لا أريد الحديث عن الكتاب في هذه التدوينة، أريد الحديث عن شيء آخر...

بعد أن أكملتُ الكتاب، وحين كنتُ ما زلتُ مغموراً بنشوة روعته، راودني فضولٌ لمعرفة إذا ما كان بعض الأصدقاء والمعارف في تويتر قد قرأوه وتحدثوا عنه. دخلتُ لأبحث عن الكتاب، وجدتُ بعض التعليقات عنه واكتشفتُ أنه تُرجم للعربية. بحثتُ عن ترجمة الكتاب وحين وجدتها استغربت: الكتاب ترجمه صالح علماني.

لماذا استغربت؟ سؤال منطقي يا عزيزي القارئ؛ ففي النهاية الأستاذ صالح علماني أشهر مترجم عن الإسبانية إلى اللغة العربية واسمه في عالم العربية بشهرة أسماء ماركيز ويوسا! فلماذا أستغرب ترجمته لكتاب مؤلفه أرجنتيني لغته الأم الإسبانية مثل بورخيس؟ حسناً، سبب استغرابي هو أن بورخيس ألقى تلك المحاضرات بالإنجليزية. قد تقول لي أيها القارئ العزيز: لحظة لو سمحت، كيف عرفت ذلك؟ حسناً، عرفته لأنني قرأت الكتاب بالإنجليزية، الكتاب الذي أصدرته جامعة هارفرد التي ألقى فيها بورخيس محاضراته هذه سنة 1967 (سأشير له باسم: كتاب هارفرد). ربما ستسألني: لعله ألقاها بالإسبانية والكتاب مترجم إلى الإنجليزية؟ كلا، بورخيس كان يُتقن الإنجليزية أفضل من أهلها! ولا داعي للمزيد من الجدال هنا، فالمحاضرات بصوت بورخيس نفسه موجودة على الإنترنت! هذا رابط المحاضرات الست كاملة على يوتيوب، ويمكن البحث عن المحاضرات منفصلة فهي موجودة كذلك.

ولكن، عادي، أليس كذلك؟ يمكن للمرء أن يُترجم من أكثر من لغة، خاصةً إن كانت لغة عالمية مشهورة ومتداولة مثل الإنجليزية. ولكنني استغربت، بذرة الفضول زُرعت ولم يكن لي بدٌّ من ملاحقتها أو زراعتها؟ سقايتها؟ مهما كان التشبيه المناسب، المهم أنني لم أرتح وقررت أن أتفحص ترجمة صالح علماني أكثر.

وهنا انهالت علي الصدمات...