كيف تُخفق في كتابة قصّة خيال علمي
"قلتُ لحسام مرَّةً إنه من ضروب المستحيل أن يفهم أحدٌ، أيُّ
أحد، الآخر."
عيادة الأدب الرديء، ص33
ماذا
سيكتب رجل أمنٍ متقاعد إذا قرّر كتابة قصصٍ قصيرة؟ الإجابات عديدة، ومن بينها
إجابة ربما تؤدي إلى "آه، صح والله!": قصص الخيال العلمي. جنسٌ أدبيٌّ
ملائمٌ لمن يرغب في تمويهٍ مجازي، مثلًا رجل أمنٍ تقاعد بعد عمرٍ في المنظومة
الأمنيّة، يتحدّث عن إمبراطوريّة فضائيّة لا الحاكم، عن قراصنة فضائيين يخطفون
الناس من أسرتهم لا المخابرات، عن فيروسات تلتهم العقول لا خطاب حكومة قائم على
التضليل، وهلم جرًّا. الخيال العلمي ستارٌ رمزيٌّ ملائم. هذا ما حاوله المؤلف نديم
عليمات في مجموعته القصصية "الطريق إلى تحت". تبدأ قصته الأولى، التي
تحمل المجموعة اسمها، بأخبار غزوٍ فضائي نكتشف أنه ربما كان مجرّد تضليلٍ حكومي.
فهل كان
نديم عليمات يحاول أن يكتب قصّة خيال علمي؟ أظن أنه حاول أن يتخيّل، ولكن يبدو أن
نير الواقع محكمٌ حول عنقه.
في قصتي
"الطريق إلى تحت" و"بحثًا عن الجمال العظيم" ملامح خيال علمي،
محاولات لتخيّل شيء يتجاوز العلاقات الاجتماعيّة والقمع الحكوميّ والهوس الأدبي.
لكن المؤلف سرعان ما يفقد بوصلته، إن كان يقتدي بواحدة أصلًا. في قصّة
"هيستريا" يُسخّر المؤلف، بشجاعةٍ طريفة، عقدته مع الخيال العلمي. يحضر
بطل القصة صفًا جامعيًّا عن أدب الخيال العلمي ثم يكتب قصةً لا علاقة لها بالخيال
العلمي! لعل المؤلف يريد أن يقول لنا: لقد حاولت أن أتخيّل، أن أُشفّر، ولكن ثمّة
أمور أهم من الكائنات الفضائيّة الخضراء. يقول ذلك صراحةً في "هيستيريا"
على لسان طالب الأدب: "لستُ مرتاحًا في كتابة شيء "غير
واقعي"" (ص130). يسأل الطالب المحاضِرة: "أليس ممكنًا أن نكتب
خيالًا علميًّا، دون أن ينتمي المكتوب إلى الخيال العلمي، على الأقل للوهلة
الأولى، أو... قد لا ينتمي له على الإطلاق؟" (ص131). هذا الإخفاق (المتعمّد) نراه
بوضوح في القصّة التي ذكرتُ أن بطلها كتب قصّة لا تمت بصلة إلى الخيال العلمي
(السياسة أكثر حضورًا في القصّة)، كما نرى ملامحه في قصة "بحثًا عن الجمال
العظيم" التي تُطرح فيها مسألة جدوى الفن في مواجهة الواقع، كما تُطرح فيها
مسألة الشجاعة السياسيّة أيضًا حينما ينتقد حسام عليمات (سنعود لحسام الذي يشارك المؤلف
لقبه) جُبن الفنان فادي أبو وردة في مواجهة الواقع السياسي. في القصة ذاتها تغمر
حسام عليمات نشوة حينما يستمع لأغنية سياسيّة تنتقد الوضع القائم.
يحضر
موضوع الأمن والسياسة في أربع قصص من قصص المجموعة الخمس. وهو موضوعٌ لنا أن نسقطه
على تفاصيل أخرى أيضًا: هوس الشخصيات بالمسموح قوله والممنوع؛ التفكير المفرط؛
القلق والهلع. أعراض طبيعيّة ومتوقّعة في علاقات الحب والصداقة ومسائل الصحة
العقلية، ولعلّها تنبع من السياسية أيضًا، صح؟ كلنا رقيبٌ على ذاته في عالمنا
المخنوق، كلنا نفكّر بإفراط في كلّ تصرفاتنا وفي كلّ ما نكشفه للناس وللحكومة. لم
يخطر الأمر ببالي من قبل، ولكن ما أشبه هواجس العلاقات الاجتماعيّة بهواجس العيش
في دولٍ بوليسيّة.
وإن كان
نديم عليمات يُخفق في كتابة قصة خيال علمي بسبب الحاجة إلى الحديث عن شيء أهم، أفكل
ما يتحدث عنه هو السياسة؟ من الواضح أن خواطر المؤلف موشومةٌ بتاريخه الأمني:
التفاصيل الحميميّة عن تصرفات رجال الأمن في قصة "تقرير عن الفن
المفاهيمي"؛ التضليل الحكومي في ثلاث قصصٍ من المجموعة؛ تكرار صورة امتلاك
السلطات الأمنية يد الكاتب ("أفهمناهم أن يدهم الأخرى تصير ملكنا مجرّد أن
يشتغلوا معنا..."(ص189)، "هات يديك، هاتهما ولا تخف. هل تراهما؟ هاتان
اليدان لي، أصابعك النحيلة، عقلك، مشاعرك، كلّها لي..." (ص243))؛ اليأس من الحراك
الجماهيري وعقم المظاهرات؛ وبعض الجرأة، بعض الأمل الذي نلمحه في قصة "بحثًا
عن الجمال العظيم". لكن شيئًا آخر يتكرّر في كلّ القصص: ابنه، حسام عليمات.
القصص
كلها من جنس الأدب المافوقي أو meta-fiction (ما فوق أو ما وراء النص). تعريفات الأدب
المافوقي كثيرة، أبسطها أن النصّ واعٍ بأنه نصّ، كأن يخترق النصُّ نفسه ويخاطبنا مباشرةً،
أو أن يحيل إلى ذاته أو إلى مؤلّفه. في قصة "عيادة الأدب الرديء" يُذكر نديم
عليمات بوصفه مؤلف المجموعة القصصيّة ذاتها. في قصّة "هيستريا" تشير
شخصية إلى قصّة "بحثًا عن الجمال العظيم" وتنسبها إلى حسام عليمات. وفي
أوضح تطبيق للمافوقيّة، يخاطبنا المؤلّف "المتخيّل" في أكثر من موضع، يشككنا
مرّةً إن كان راويًّا عليمًا، ويفكّر في وصف شخصية بأنها حزينة، ينتقد
تصرفات إحدى الشخصيات لأنها لا تعرف أنها في قصة، يموّه مصادر معرفته بالأحداث
(وفي القصّة ذاتها يُنسب له قول "لا تخفي مصادرك"!). القصص واعية بأنها
قصص، واعيةٌ بعالمها الذي تعيش فيه، بكل أحداثه وشخصياته المتكررة عبر النصوص:
فادي أبو وردة، ونذير ملكاوي، وصدام القرعان، وجميل بك، ومصطفوي، إلى جانب حسام
عليمات طبعًا، المؤلّف "المتخيَّل" للقصص. هذا العالم المتداخل ربّما
يوهمنا أن الكتاب رواية، ولكن لدي معلومة مؤكّدة أنه ليس كذلك (ومثلما يفعل الراوي
في إحدى القصص، فسأقول إنني لن أكشف مصادري الآن!). إضافةً إلى ذلك، في كلّ القصص
مستويات من السرد: "الطريق إلى تحت" فيها ثلاثة أصوات، أحدها حسام
عليمات؛ "عيادة الأدب الرديء" بصوت حسام عليمات ويتوسطها نص لإحدى
الشخصيات، وتُختتم بإلحاق مقابلة مع حسام عليمات الحقيقي (!)؛
"هيستريا"، وربّما يصعب عليكم تصديق ذلك، تروى بصوت حسام عليمات، وتتضمن
محاضرة عن أدب الخيال العلمي لأستاذة فنلنديّة، ونصوص لنذير ملكاوي؛ "بحثًا
عن الجمال العظيم" صوت سردي واحد، وهو بالطبع حسام عليمات، لكنه يروي قصته
وقصة فادي أبو وردة كما رواها له، وتتخللها بيانات وتدوينات وتعليقات؛ "تقرير
عن الفن المفاهيمي" فيها صوت سردي واحد ربما، هل حزرتم؟ صح، حسام عليمات،
ولكن تتخللها مقابلات ورسائل وفصول من مسرحية لشخصيات أخرى.
هذا
النمط المافوقي يدفعني لتخيّل أن نديم عليمات أراد أن يكتب كثيرًا، أن يتخيّل، أن
يتعمّق، ربما أراد أن يستكشف هويةً من عدّة زوايا، الكاتبة، الفنان، الأستاذة
الجامعيّة، المعالَج نفسيًّا، ضحية رجال الأمن، الطالب، العاشق المتوتر، المغترب،
القارئ، الكاتب... لو كان نديم عليمات يشبه أبطال قصصه لقلتُ إنه ربّما فرط خيط
هويته ونثر حبّاتها المتعدّدة في نصوص متداخلة، وجلس يلقطها ويتأملها. النتيجة
أسلوبٌ مافوقيٌّ مميز، يلف ويدور في فلك هويات متداخلة. لكن حسب ما تكشفه لنا
النصوص عن نديم عليمات هذه "الهويات" لا تشبهه، أو على الأقل أغلبها لا
يشبهه. فما الذي لف نديم عليمات حوله ودار؟ من الذي يمكن أن تنتظم كلّ تلك
الشخصيات في خيط هويته؟
وهنا أعود
إلى ما قلته قبل فقرتين: ابنه، حسام عليمات.