السبت، 27 يونيو 2026

كلام عن الأحلام والشرطة والآباء والأبناء

 


 كنت أقرأ في "أحلام فترة النقاهة" لنجيب محفوظ، وقد استوقفني حلمٌ أعاد لي تساؤلي عن مدى... لا أدري، مدى "صحّة" هذه الأحلام؟ لا أدري ما صحة التساؤل أصلًا. يروي محفوظ أحلامه عن نفسه، هو الأصل والنقل، وكاتبٌ مثله لا يُستغرب أن يُنقّح أحلامه، أو يستلهمها لكتابة شيء آخر، أو يتدرّع بها ليتحدث عن الحب أو السياسة مثلًا وراء حجاب سيريالي مفتوح للتأويل.

الحلم الذي استوقفني هو التالي:

حلم 232

رأيتني في الغورية وجنود الشرطة أضعاف المدنيين، ورأيت أبي قادمًا وشرطي عن يمينه وآخر عن يساره فانقبض صدري وخفت أن يكون مقبوضًا عليه، ولكنه سلّم عليَّ وقال لي: رأيتك مقبلًا وشرطي عن يمينك وآخر عن يسارك فخفت أن يكون مقبوضًا عليك.

نشأتُ في دولة بوليسيّة كغيرها من دولنا، "وكلنا في الهمِّ شرقُ"! كانت في ليبيا نُكت عن أن نصف الشعب أمن ونصفهم مخبرون. يتباهى أحد جيرانك بعمله الأمني أمام الجيران وسط صمتهم، قبل أن يغيّر أحدهم الموضوع. أمام مسجد الحي تظهر سيارة أجرة قبل كلّ صلاة، في مؤخّرتها هوائي اللاسلكي الدال على مهنة راكبي السيارة، كلّ صلاة ينزل أحدهما ويصلي ويبقى الآخر في السيارة (هل كانا يُصلّيان حقًّا؟). في الجامعة يختفي أحد أصدقائي المقرّبين  مدّة من الزمن، وحين رأيته أخيرًا وسارعت للسلام عليه، لم يبادلني التحية بل بدأني بجملة "معش تقعد معايا"، اعتقله الأمن، ولم تكن هذه المفاجأة، بل المفاجأة اكتشافنا أن رجل الأمن المكلّف بمراقبته أحد زملاء دفعتنا (هادئ إلى حدّ الخجل، كثيرًا ما كنت أعيره هاتفي لأنه ليس لديه رصيد). تصير صورة "جنود الشرطة أضعاف المدنيين" تعبيرًا عن واقع هذه الدول، لا مبالغة. واقع تتوارثه الأجيال، فيرى الابن أباه محاطًا بالشرطة ويخشى عليه، ويرى الأب ابنه محاطًا بالشرطة ويخشى عليه. كلاهما غير مقبوض عليه، لكن كليهما خائف، يتحقّق الردع بهذا الحضور، يتحقّق العجز عن فعل أي شيء بترسيخ الرعب. خوف يعرفه الآباء والأبناء، يتوارثونه. أجدادي رحمهم الله، وأعمامي وأخوالي، وأبي، وأنا، وأقارب، وأصدقاء، وجيران، كلنا لدينا قصصٌ عن الخوف، من أيام الاستعمار الإيطالي، ثم المملكة الليبية، ثم القذافي، ثم ما بعد ثورة 2011، نتوارث الخوف ونولد بصدور منقبضة، ولكننا نسلّم على بعضنا، ونحاول، قدر الإمكان، أن نخاف على بعضنا.

 لقد أخبرني صديق شاركته هذا الحلم أن الغورية "منطقة شعبيّة بها سوق كبير للأقمشة والثياب ومستلزماتها. منسوبة إلى قُنصوَة الغوري، آخر سلاطين المماليك، لو لم تحسب طومان باي (ابن أخيه). فلها دلالة كبيرة على العدد حين يقول الشرطة أضعاف المدنيين، لأنها منطقة مزدحمة غاصة بالباعة والمشترين." أكّد كلام صديقي رأيي حول عدد الشرطة، وأهداني عنصرًا آخر من عناصر حلم (أو استعارة؟) محفوظ: ارتباط القمع السياسي بتأخّر الإصلاح الاقتصادي، وهو موضوعٌ آخر يتكرّر في "أحلام" محفوظ. يقول لنا عن حلمٍ آخر:

حلم 235

رأيتني مع جماعة من الشبان نستمع إلى عثمان بوزي (أكبر صانع روائح عطرية في صباي) وهو يدعو الواقفين إلى مقاطعة البضائع الأجنبيّة، وقال لي والدي وهو متربع على سجادة الصلاة: هذا كلام جميل ولكننا لم ننتج بعد احتياجاتنا للضروريات، فقلت له: فلنبدأ بالممكن.

الأحد، 21 يونيو 2026

كلام عن البدائل والاغتراب والهمجيّة

 

هذا الكلام سيحرق فِيلمي No Other Choice (2025) وThe Secret Agent (2025)، فلعل قارئة المدونة وقارئها (إن وجدا) يتجاوزان هذا الكلام إن لم يتفرّجا على الفيليمن.

 

تحمستُ لمشاهد فيلم No Other Choice الكوري (لا خيارات أو لا بديل) للمخرج بارك شان-وك. شدتني بعض الأفلام والمسلسلات الكوريّة بحكم نزوعها إلى نقد الرأسماليّة. الممثل الأساسي في فيلم لا بديل، لي بيونغ-هن، أحد ممثلي مسلسل Squid Game الذي لا بدّ أن أكتب يومًا ما عن اتساقه في نقده للرأسماليّة. يروي فيلم "لا بديل" قصّة مان-سو: رجل يفقد وظيفته، يتقدم إلى وظيفة أخرى، ويبدأ في قتل منافسيه عليها. ينحدر الرجل اللطيف إلى الهمجيّة ويتحوّل ربّ الأسرة الجميلة التي تعيش في بيتٍ عائليٍّ متوارث إلى قاتلٍ متسلسل بسبب لقمة العيش (أو: الرأسماليّة). يقتل أشخاصًا أنفقوا أعمارهم في خدمة مصانع الورق مثله، فقدوا وظائفهم بسبب الاستحواذات الدوليّة (الإمبرياليّة) مثله، لديهم عائلات تعاني معهم مثله، لديهم بيوت جميلة تربّوا فيها قد يفقدونها مثله، يعملون في وظائف وضيعة مثله.


فيلم The Secret Agent البرازيلي (العميل السري، لكن لعل العنوان الأفضل هو المطارَد أو المتخفي) سمعتُ عنه وأوصانا به صديق (لم يشاهده!) ويمثل فيه البارع واغنر مورا. يروي الفيلم قصّة مارشيلو: رجل مُطارَد يحاول الاختباء في بلدٍ يتغلغل فيها الفساد وتنتشر فيها جرائم القتل الهمجيّة ورمي الجثث من فوق الكباري لتغرق في البحر والنسيان. شيئًا فشيئًا يكشف لنا الفيلم أن مارشيلو أستاذ جامعي رفض الانصياع لأمناء الجامعة النافذين وأطماعهم الرأسماليّة، اعترض على قطع تمويل عدّة بحوث علميّة، ورفضَ تسليم براءات البحوث التي ستدر على الرأسماليّة أرباحًا هائلة. يهرب مارشيلو، والرأسماليّة في أثره، إصبعها متأهّبٌ على الزناد. تتحكم الرأسمالية في البلاد، في جامعاتها، في جهاتها الأمنيّة (وُضع اسمه على قوائم منع السفر)، يسكر القتلة المأجورين (الذين يبحثون عنه) مع الشرطة، الرأسماليّة ليست مجرّد شركة.

في فيلم لا بديل يعيش مان-سو الأحداثَ وحيدًا. قاتلٌ متسلسل، يخطط جرائمه منفردًا، يراقب ضحاياه منفردًا، يشعر بالذنب منفردًا، يخفي مشاويره وجرائمه عن زوجته وعائلته. جانب من جوانب التوتر في الفيلم (كما هو حال القصص التشويقيّة المشابهة عن القتلة) يكمن في عزلته هذه، محاولته إخفاء جرائمه وخطورة كشف أسراره.

في فيلم المطارَد التشويق الفردي هو في وحدة الملاحقة، الموت الذي يتتبع مارشيلو ويجعله هو ذاته خطرًا على غيره، فهو لا يعاني من الوحدة التي يعاني منها مان-سو. يلوذ مارشيلو ببيت لاجئين. صاحبته عجوز ظريفة، كانت قديمًا شيوعية ثم أناركية، أو العكس (لا تتذكر ولا تهتم!)، تفتح بيتها ملاذًا لهاربين متنوّعين: مارشيلو، طبيبة أسنان وابنتها، شابٌ مرحٌ ومتوترٌ، لاجئين سياسيين من أفريقيا، فتىً منبوذٌ في العالم. يعيشون معًا، ويتلقون دعمًا من شبكة سريّة توفّر لهم النقود والمؤونة وهويات بديلة.

يعرض الفيلمان ظاهرة اغتراب الإنسان من زاويتين مختلفتين: مان-سو يُكره على فقدان حياته القائمة كليًّا على وظيفته، مصاريف بيته تتغيّر، علاقاته العائليّة تتغيّر، تُهدّد العائلة بفقدان بيتها، تضيع كرامة مان-سو في استجداء الوظائف، تضيع إنسانيته ذاتها حين يلجأ – لانعدام البديل – إلى القتل. يغترب مان-سو تمامًا عن إنسانيته في محاولاته أن يحتفظ بحياته الاقتصاديّة والاجتماعيّة. أما مارشيلو، وبقية اللاجئين ومن يعاونونهم في فيلم المطارَد، فهم مغتربون عن المجتمع، إما لاجئون من ولاية برازيليّة إلى أخرى أو من دولة إلى أخرى، أو مقيمون في مجتمعهم لكن حياتهم الظاهرة ليست حياتهم الباطنية (الشبكة السريّة التي تساعد مارشيلو والآخرين). ربما أوضح رمزيّة للاغتراب، لا سيما في حالة اللاجئين أمثال مارشيلو، نراها في تخلّيهم مُكرهين عن أسمائهم الحقيقيّة، مارشيلو اسمٌ مستعار.

السبت، 13 يونيو 2026

كلام عن النشر والاستياء ودوستويفسكي ودوستويفسكي ودوستويفسكي و...

 

أصدرت دار التنوير طبعات جديدة لترجمات سامي الدروبي لأعمال دوستويفسكي. وأصدرت مكتبة جرير طبعات جديدة لترجمات سامي الدروبي لأعمال دوستويفسكي. وأصدر متجر عصير الكتب طبعات جديدة لترجمات سامي الدروبي لأعمال دوستويفسكي. أصدرت دار إسكرايب طبعات جديدة لترجمات سامي الدروبي لأعمال دوستويفسكي. هذا ما بلغنا حتّى تاريخ هذه الكتابة، والحبل – بلا أدنى شك – عالجرّار.

 لقد تنبأ البعض بهذه الموجة الإصداريّة منذ سنوات: بمجرّد أن تسقط حقوق ترجمات الراحل الدروبي، ستسارع دور النشر إلى طبعها. فما سبب الاستياء المنتشر بين الناس؟ أهي القواعد الرأسماليّة المعتادة التي تلتزم بها شركات ومحلات رأسماليّة في عالمنا الرأسماليّ؟ الأغلفة القبيحة لبعض الطبعات؟ تحوّل الفن إلى سلعة ينادي بها الباعة في السوق؟ واقع أن سوق الكتب لا يختلف كثيرًا عن سوق الخضار؟

الأسباب كثيرة، بعضها ربما نقول بتعالٍ (لديَّ وعيٌّ ذاتي، لا داعٍ للقلق) إنها ليست مفاجئة، وحتّى إن لم تفاجئنا فهي تبرّر الاستياء. ولأن هذا عصر خضوعنا للخوارزميات واستياؤنا مما يستاء منه الآخرون، فلا بد أن أستاء أنا أيضًا لصدور هذه الطبعات الجديدة لأعمال كاتب لا أحبّه أصلًا ولا يهمني ولا أدري أما زال في عالمنا العربي أناسٌ لم يقرأوا أعماله؟ فإذن كيف يحبه الجميع ويقتبسونه بسرعة البرق؟! لكن الأجيال تتداعى، فهذا كلام كُرهٍ غير عقلاني.

على كلّ حال، لعلّي أستطيع أن أضيف إلى أسباب الاستياء: سرعة إصدار ترجمات الدروبي في طبعات جديدة دون إضافة أي شيء سوى أغلفة جديدة وأسعار غالية.

ليس غريبًا أن تُطبع الأعمال التي سقطت حقوقها مرارًا وتكرارًا. دار البطريق البريطانيّة تطبع وتعيد طباعة ترجمات الزوجين مود الإنجليزيّة لأعمال تولستوي (الكاتب الجدير بالحب والاهتمام حقًّا، لكن الله غالب). لكنها نشرت وتنشر ترجمات إنجليزيّة أخرى (روزماري إدمُندز، أنثوني برِجز، بيفر وفولكُنسكي، إلخ). فلماذا لم يستغل الناشرون هذه الهبّة لتنافس السوق بترجمات جديدة؟

ولماذا لم يتوقفوا قليلًا مع ترجمات الدروبي رحمه الله ويصدروا ترجمةً منقّحة؟ وهو ما فعلته دار رادوغا الروسيّة التي أصدرت ترجمات الدروبي بمراجعة أبو بكر يوسف (وهي حسب علمي طبعات نادرة ونافدة)، وقد مرّ بي سابقًا مقارنة لأحد القراء مدح فيها طبعة دار رادوغا. فما الضرر من إمكانية تحسين ترجمات الراحل الدروبي؟ لقد ذكرتُ الزوجين مود، وهما من أبرز مترجمي تولستوي، ربطتهما به صداقة قريبة ومدح ترجماتهما وباركها، ومع ذلك لا تنتقص المراجعة من ترجمتهما الجميلة المهمة، بل ترتقي بها أكثر، وهو حال طبعة ترجمتهما الإنجليزيّة للحرب والسلام الصادرة عن جامعة، فقد صدرت بمراجعة أستاذة الأدب المقارن إيمي ميندلكر وتعليقاتها، وهي الترجمة الإنجليزيّة المفضّلة عندي للحرب والسلام.

يا سيدي لا داعي للتنقيح، ولعل في هذا مشاكل قانونية مع الملكية الفكريّة أصلًا. ماذا عن إصدار جديد لترجمة الدروبي مع مقدمة؟ مع حواشٍ؟ مع أي إضافات فنيّة، لوحات أو خرائط أو أي شيء؟ ولا حتّى ربع إضافة؟ بصراحة لا أعرف إن كانت النسخ الجديدة تخلو تمامًا من الإضافات، لكن حسب صور الأغلفة والإعلانات فلم يذكر أحد أي إضافات أو مراجعات أو مقدمات.

ولا داعي لأن نتحسّس مثلًا من الاستشهاد بتصرّفات دور النشر الأجنبيّة في الغرب الرأسماليّ المتوحّش، لأن إعادة إصدار الكتب التي ليس لها حقوق فكريّة شيء عادي وطبيعي ودارج عندنا في عالم النشر العربي، تحديدًا في الكتب التراثيّة. نحن نبحث عن دواوين الشعراء بإصدارات دور نشر معيّنة لأن تحقيقها أفضل وحواشيها أفضل، نبحث عن الجاحظ بتحقيق عبد السلام هارون، رسالة الغفران بتحقيق بنت الشاطئ، الجرجاني بتحقيق محمود شاكر. نستفيد من المقدمات والحواشي، نستنكر أخطاء تلك الطبعة، نمدح إضافات تلك. الأمر ليس من أعاجيب الفرنجة التي نعجز عن الإتيان بها.

إن هيمنة ترجمات الدروبي طبيعيّة، وقد ذكرتُ استمرار صدور ترجمات الزوجين مود بالإنجليزيّة لتولستوي مثلًا، ولذلك لا غرابة في أن تميل دور النشر إلى المراهنة على الرائج والمقبول، ولا غرابة في أن يميل القراء إلى هذه الترجمات التي لا تخلو من جمال. لكن لا ضرر من فتح الباب لمترجمين ومترجمات جدد. ليست لدي خبرة كبيرة في هذا المجال، لكنني أعلم مثلًا أن ترجمة هفال يوسف لرواية الحاج مراد ممتازة، وبلا شك لا تخلو الساحة العربية من مترجمين ومترجمات عن الروسية يستطيعون الإضافة إلى المكتبة العربية، دون أن يُرى ذلك على أنه هرطقة تمس بقداسة الدروبي والجهيم مثلًا. ولا ضرر من إضافات إلى الطبعات الجديدة تميّزها وتمنح القراء شيئًا جديدًا. كثيرًا ما أختار طبعة معينة لكتابٍ ما لأن له مقدمة من كاتبٍ أو كاتبةٍ يغريني الفضول إلى معرفة رأيهما في الكتاب أو أثق فورًا بأنهما سيضيفان إلى فهمي ومعرفتي. لعل دور النشر لا تستطيع التدخّل في تنقيح أو تعديل ترجمات الدروبي، لعلّها تتردد من المراهنة على مترجمين جدد، لكن ما الذي يمنعها من إضافة مقدمات تلقي الضوء على معاني الكتب وسياقها التاريخي وآراء الناس فيها؟

أظن أن سبب استيائي يتبلوّر في أن هذه الهبّة لنشر طبعات جديدة من ترجمات الدروبي لدوستويفسكي تلقي الضوء على مشكلة راسخة في عالمنا الثقافي، عدم احترام القرّاء والقارئات، بل عدم احترام الأدباء (كتّابًا ومترجمين) والكتب ذاتها. كلنا "قوى شرائيّة مستهدفة" وكل الكتب "سلع". المشكلة أن الرأسماليّة الملعونة، التي لا بد أن تحتقرنا وتقنعنا أن نحتقر أنفسنا، تعلم أحيانًا أن في الاختلاف أفضليّة تساعدها على التنافس في السوق تنافسًا أقوى حين تعرض على "الجمهور المستهدف" سلعةً فيها إضافات أو اختلافات. بل لا داعي للحديث عن الرأسماليّة، إن أبسط بائع متجوّل في الشارع يعرف ذلك. وحتّى إن كانت الرأسماليّة أو البائع المتجوّل نصّابين، فإن النصب في النهاية فيه احترام أكبر لهدف النصب! احترام يرى أنه يجب خداع هذا الهدف واستمالته بمزايا أكثر ليشتري.

الموضوع ينتهي نهاية سوداويّة، كلنا منصوبٌ علينا. لكنني أظن أن السوداويّة أهون من المثاليّة الفنطازيّة التي تتخيّل دور نشر تهتم فعلًا بالثقافة والأدب والفكر والقرّاء والقارئات، لا سيما في يومنا هذا مع انحدار مستويات القراءة وتشتت التركيز. لعلّ سوق النشر في مرحلة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولعلّ طبعات دوستويفسكي الجديدة تساعد هذه الدار أو تلك على كسب ما يكفي من أجل الاستمرار، مصدر يساعد على الاهتمام بالثقافة، ربّما ولعل.

خطرت ببالي دار نشرٍ شيوعيّة تنشر نسخًا إلكترونيّة مجانيّة من الكتب مع خيارات شراء نسخ ورقيّة لمن يشاء، ومقدمة صنع الله إبراهيم لنسخ أعماله التي نشرتها مؤسسة هنداوي إلكترونيًّا مجانًا، وحديثه عن حلمه صغيرًا بأن تكون الكتب بالمجان. أحلام وعوالم مختلفة، لعلّ المثاليّة ليست فنطازيّة...

وهذا هذا...

12 يونيو 2026 

 

رواية المقامر لدوستويسفسكي طبعة دار رادوغا (المصدر)

الجمعة، 5 يونيو 2026

عن الخيال العلمي والواقع، واستحالة الحركة والوصول، والمشي بخطوات هادئة


كيف تُخفق في كتابة قصّة خيال علمي

"قلتُ لحسام مرَّةً إنه من ضروب المستحيل أن يفهم أحدٌ، أيُّ أحد، الآخر."

عيادة الأدب الرديء، ص33

ماذا سيكتب رجل أمنٍ متقاعد إذا قرّر كتابة قصصٍ قصيرة؟ الإجابات عديدة، ومن بينها إجابة ربما تؤدي إلى "آه، صح والله!": قصص الخيال العلمي. جنسٌ أدبيٌّ ملائمٌ لمن يرغب في تمويهٍ مجازي، مثلًا رجل أمنٍ تقاعد بعد عمرٍ في المنظومة الأمنيّة، يتحدّث عن إمبراطوريّة فضائيّة لا الحاكم، عن قراصنة فضائيين يخطفون الناس من أسرتهم لا المخابرات، عن فيروسات تلتهم العقول لا خطاب حكومة قائم على التضليل، وهلم جرًّا. الخيال العلمي ستارٌ رمزيٌّ ملائم. هذا ما حاوله المؤلف نديم عليمات في مجموعته القصصية "الطريق إلى تحت". تبدأ قصته الأولى، التي تحمل المجموعة اسمها، بأخبار غزوٍ فضائي نكتشف أنه ربما كان مجرّد تضليلٍ حكومي.

فهل كان نديم عليمات يحاول أن يكتب قصّة خيال علمي؟ أظن أنه حاول أن يتخيّل، ولكن يبدو أن نير الواقع محكمٌ حول عنقه.


في قصتي "الطريق إلى تحت" و"بحثًا عن الجمال العظيم" ملامح خيال علمي، محاولات لتخيّل شيء يتجاوز العلاقات الاجتماعيّة والقمع الحكوميّ والهوس الأدبي. لكن المؤلف سرعان ما يفقد بوصلته، إن كان يقتدي بواحدة أصلًا. في قصّة "هيستريا" يُسخّر المؤلف، بشجاعةٍ طريفة، عقدته مع الخيال العلمي. يحضر بطل القصة صفًا جامعيًّا عن أدب الخيال العلمي ثم يكتب قصةً لا علاقة لها بالخيال العلمي! لعل المؤلف يريد أن يقول لنا: لقد حاولت أن أتخيّل، أن أُشفّر، ولكن ثمّة أمور أهم من الكائنات الفضائيّة الخضراء. يقول ذلك صراحةً في "هيستيريا" على لسان طالب الأدب: "لستُ مرتاحًا في كتابة شيء "غير واقعي"" (ص130). يسأل الطالب المحاضِرة: "أليس ممكنًا أن نكتب خيالًا علميًّا، دون أن ينتمي المكتوب إلى الخيال العلمي، على الأقل للوهلة الأولى، أو... قد لا ينتمي له على الإطلاق؟" (ص131). هذا الإخفاق (المتعمّد) نراه بوضوح في القصّة التي ذكرتُ أن بطلها كتب قصّة لا تمت بصلة إلى الخيال العلمي (السياسة أكثر حضورًا في القصّة)، كما نرى ملامحه في قصة "بحثًا عن الجمال العظيم" التي تُطرح فيها مسألة جدوى الفن في مواجهة الواقع، كما تُطرح فيها مسألة الشجاعة السياسيّة أيضًا حينما ينتقد حسام عليمات (سنعود لحسام الذي يشارك المؤلف لقبه) جُبن الفنان فادي أبو وردة في مواجهة الواقع السياسي. في القصة ذاتها تغمر حسام عليمات نشوة حينما يستمع لأغنية سياسيّة تنتقد الوضع القائم.

يحضر موضوع الأمن والسياسة في أربع قصص من قصص المجموعة الخمس. وهو موضوعٌ لنا أن نسقطه على تفاصيل أخرى أيضًا: هوس الشخصيات بالمسموح قوله والممنوع؛ التفكير المفرط؛ القلق والهلع. أعراض طبيعيّة ومتوقّعة في علاقات الحب والصداقة ومسائل الصحة العقلية، ولعلّها تنبع من السياسية أيضًا، صح؟ كلنا رقيبٌ على ذاته في عالمنا المخنوق، كلنا نفكّر بإفراط في كلّ تصرفاتنا وفي كلّ ما نكشفه للناس وللحكومة. لم يخطر الأمر ببالي من قبل، ولكن ما أشبه هواجس العلاقات الاجتماعيّة بهواجس العيش في دولٍ بوليسيّة.

وإن كان نديم عليمات يُخفق في كتابة قصة خيال علمي بسبب الحاجة إلى الحديث عن شيء أهم، أفكل ما يتحدث عنه هو السياسة؟ من الواضح أن خواطر المؤلف موشومةٌ بتاريخه الأمني: التفاصيل الحميميّة عن تصرفات رجال الأمن في قصة "تقرير عن الفن المفاهيمي"؛ التضليل الحكومي في ثلاث قصصٍ من المجموعة؛ تكرار صورة امتلاك السلطات الأمنية يد الكاتب ("أفهمناهم أن يدهم الأخرى تصير ملكنا مجرّد أن يشتغلوا معنا..."(ص189)، "هات يديك، هاتهما ولا تخف. هل تراهما؟ هاتان اليدان لي، أصابعك النحيلة، عقلك، مشاعرك، كلّها لي..." (ص243))؛ اليأس من الحراك الجماهيري وعقم المظاهرات؛ وبعض الجرأة، بعض الأمل الذي نلمحه في قصة "بحثًا عن الجمال العظيم". لكن شيئًا آخر يتكرّر في كلّ القصص: ابنه، حسام عليمات.

القصص كلها من جنس الأدب المافوقي أو meta-fiction (ما فوق أو ما وراء النص). تعريفات الأدب المافوقي كثيرة، أبسطها أن النصّ واعٍ بأنه نصّ، كأن يخترق النصُّ نفسه ويخاطبنا مباشرةً، أو أن يحيل إلى ذاته أو إلى مؤلّفه. في قصة "عيادة الأدب الرديء" يُذكر نديم عليمات بوصفه مؤلف المجموعة القصصيّة ذاتها. في قصّة "هيستريا" تشير شخصية إلى قصّة "بحثًا عن الجمال العظيم" وتنسبها إلى حسام عليمات. وفي أوضح تطبيق للمافوقيّة، يخاطبنا المؤلّف "المتخيّل" في أكثر من موضع، يشككنا مرّةً إن كان راويًّا عليمًا، ويفكّر في وصف شخصية بأنها حزينة، ينتقد تصرفات إحدى الشخصيات لأنها لا تعرف أنها في قصة، يموّه مصادر معرفته بالأحداث (وفي القصّة ذاتها يُنسب له قول "لا تخفي مصادرك"!). القصص واعية بأنها قصص، واعيةٌ بعالمها الذي تعيش فيه، بكل أحداثه وشخصياته المتكررة عبر النصوص: فادي أبو وردة، ونذير ملكاوي، وصدام القرعان، وجميل بك، ومصطفوي، إلى جانب حسام عليمات طبعًا، المؤلّف "المتخيَّل" للقصص. هذا العالم المتداخل ربّما يوهمنا أن الكتاب رواية، ولكن لدي معلومة مؤكّدة أنه ليس كذلك (ومثلما يفعل الراوي في إحدى القصص، فسأقول إنني لن أكشف مصادري الآن!). إضافةً إلى ذلك، في كلّ القصص مستويات من السرد: "الطريق إلى تحت" فيها ثلاثة أصوات، أحدها حسام عليمات؛ "عيادة الأدب الرديء" بصوت حسام عليمات ويتوسطها نص لإحدى الشخصيات، وتُختتم بإلحاق مقابلة مع حسام عليمات الحقيقي (!)؛ "هيستريا"، وربّما يصعب عليكم تصديق ذلك، تروى بصوت حسام عليمات، وتتضمن محاضرة عن أدب الخيال العلمي لأستاذة فنلنديّة، ونصوص لنذير ملكاوي؛ "بحثًا عن الجمال العظيم" صوت سردي واحد، وهو بالطبع حسام عليمات، لكنه يروي قصته وقصة فادي أبو وردة كما رواها له، وتتخللها بيانات وتدوينات وتعليقات؛ "تقرير عن الفن المفاهيمي" فيها صوت سردي واحد ربما، هل حزرتم؟ صح، حسام عليمات، ولكن تتخللها مقابلات ورسائل وفصول من مسرحية لشخصيات أخرى.

هذا النمط المافوقي يدفعني لتخيّل أن نديم عليمات أراد أن يكتب كثيرًا، أن يتخيّل، أن يتعمّق، ربما أراد أن يستكشف هويةً من عدّة زوايا، الكاتبة، الفنان، الأستاذة الجامعيّة، المعالَج نفسيًّا، ضحية رجال الأمن، الطالب، العاشق المتوتر، المغترب، القارئ، الكاتب... لو كان نديم عليمات يشبه أبطال قصصه لقلتُ إنه ربّما فرط خيط هويته ونثر حبّاتها المتعدّدة في نصوص متداخلة، وجلس يلقطها ويتأملها. النتيجة أسلوبٌ مافوقيٌّ مميز، يلف ويدور في فلك هويات متداخلة. لكن حسب ما تكشفه لنا النصوص عن نديم عليمات هذه "الهويات" لا تشبهه، أو على الأقل أغلبها لا يشبهه. فما الذي لف نديم عليمات حوله ودار؟ من الذي يمكن أن تنتظم كلّ تلك الشخصيات في خيط هويته؟

وهنا أعود إلى ما قلته قبل فقرتين: ابنه، حسام عليمات.