السبت، 29 أغسطس 2026

كلام عن البحث عن الذات ومعرفتها والأحلام

 

غادر ويليام أندروز جامعة هارفرد العتيقة، خرج من المدينة وانطلق نحو براري الغرب الأمريكي، لمواجهة الطبيعة أو مناجاتها. ارتحل بحثًا عن ذاته التي تستعصي على التشكّل.

غادر ويليام ستونر مزرعة أبويه، والتحق بالجامعة لدراسة الزراعة، ناجاه الأدب فتعثّر بذاته، غيّر تخصّصه وأمضى بقية حياته أستاذًا للأدب. بقيّ في الجامعة يقاوم كلّ شيء ويحمي ذاته التي وجدها.

الأول غادر باحثًا عن ذاته، الآخر عثر عليها ولزم مكانه.

مساران مختلفان تسير فيهما روايتا "مفترق بوتشر" و"ستونر". اختلافٌ يُضاف إلى اختلاف نوعهما الأدبي: الأولى رواية "ويسترن" تدور أحداثها حول رحلة صيد جاموس البافلو في الغرب الجامح أيام الكاوبوي؛ أما الأخرى فرواية جامعيّة، تكاد كلّ أحداثها تدور في ردهات الجامعة ومكاتبها وقاعاتها أيام الحرب العالمية الأولى وبعدها. رواية "مفترق بوتشر" مليئة بالمغامرات والمشاهد المثيرة: العطش وسط الصحراء، الصيد المحموم والبنادق الساخنة، التخييم وسط عاصفة ثلجيّة في المرتفعات، مواجهات مشدودة مع رجال قساة. رواية "ستونر" أهدأ بكثير، مشاهد التوتر والإثارة فيها امتحانات شفويّة ومجالس تأديبيّة وخلافات زوجيّة. إلا إن هذا التنوّع لا يؤثّر حقًّا في إبداع المؤلّف جون ويليامز في الروايتين، لعلّ "ستونر" تتفوق على "مفترق بوتشر" (ربما لقربها من حياتنا اليوميّة؟)، لكن موهبة ويليامز الصقيلة تلمع في الكتابين.

تحظى رواية "ستونر" بالكثير من الاحتفاء (صارت طرفةً في الغرب بوصفها التحفة التي يُعاد اكتشافها كل عقد!). رواية "مفترق بوتشر" (حسب علمي) لا تحظى بالمكانة ذاتها، وشهرتها تأتي من ارتباطها بمؤلّف رواية ستونر الشهيرة، أو بأنها من موجة أدب الويسترن الجاد. على غلاف نسختي الخلفي اقتباسٌ يقول إنها مهدت الطريق لرواية "خط الدم" لمكارثي، لا أعلم إن كان هذا دقيقًا، فهي ليست الوحيدة التي سبقت مكارثي، لكنه رأيٌّ يعبّر عن موقعها في الأدب الأمريكي. هي رواية، مثل "خط الدم"، يجوز وصفها بأنها "ضد-ويسترن"، تخلع حجاب الرومانسيّة عن سرديات الغرب الجامح، وتعرض شخصيات معقّدة تعيش في عالمٍ قاسٍ مؤلمٍ قذر (آلام ركوب الخيل، عطش الصحراء، نقص الأكسجين عند صعود المرتفعات، تعفّن أشخاص الرواية الذين يمضون أشهرًا طويلة دون استحمام، إلخ). لكن أسطورة الغرب الأمريكي ليست الشيء الوحيد الذي "يراجعه" ويليامز في هذه الرواية، فالمراجعة الأخرى تمس موضوع البحث عن الذات، ومن هذه الزاوية لعلّنا نرى الروايتين حلقتين متتاليتين في الموضوع ذاته: استكشاف ويليامز لرحلة البحث عن الذات ومعرفتها.

البحث عن الذات بين جثث البافلو

لوحة "صيد البافلو في أمريكا"، رسم رون إمبلتُن (المصدر fine art america)

ينطلق ويل أندروز في رحلته بناءً على كتابات رومانسيّة عن الطبيعة واكتشاف الذات. الشاب المثقف يبحث عن شكلٍ "أصدق لذاته"، فيتخلّى عن حياته المدنيّة وتعليمه الراقي وينطلق نحو الغرب، إلى بلدة مفترق بوتشر (مفترق الجزّار). يريد أندروز الالتحاق برحلة صيد بافلو، في زمنٍ كاد الصيادون فيه أن يبيدوا هذا الجاموس الأمريكي. كأن الفتى يخشى أن يفوته اختبار ذاته واكتشافها، يلحق بعصرٍ في ساعة زواله. في البلدة يلتقي بماكدونالد، أكبر تاجر لجلود البافلو، الذي يحلم بمضاعفة ثروته وتملّك الأراضي لمواكبة امتداد السكة الحديديّة. يحاول ماكدونالد إقناعه بأن يعمل عنده في المكتب ويساعده في المستندات والحسابات، لكن أندروز يلاحق حلمًا آخر. يلتقي بعد ذلك بميلر صائد البافلو المخضرم، الرجل الذي يحلم بصيدٍ عظيمٍ أخير، أو لعلّه لا يحلم، فهو واثقٌ أنه يعرف موقعًا خفيًّا في بعض المرتفعات لا يعرفه بشرٌ غيره، حيث ترعى قطعان حاشدة من البافلو. إن عادوا بجلودها المسلوخة سيكسبون أرباحًا هائلة (وسيثبت ميلر مجده).