في سنة 2012، شهدت ليبيا أوّل انتخابات برلمانيّة في تاريخها المعاصر بعد حوالي 42 سنة من حكم القذافي. لكن هذا ليس دقيقًا، لأن زمن القذافي كان فيه شكلٌ من أشكال الانتخاب والديمقراطيّة البرلمانيّة أو النيابيّة: المؤتمرات الشعبيّة، فيها يمارس الشعب عملية التصعيد الجماهيري ويختار أمينًا لهذه اللجنة الشعبيّة أو تلك.
كانت
عمليةً ديمقراطيّة عقيمة، أقرب لكونها منافسة قبليّة (على كُرهي لاختزاليّة
"القبليّة" عند الحديث عن عالمنا وعن ليبيا)، فكان المترشح ينصب خيامًا
ويُطعم الناس بضع ليالٍ ليذهبوا معه ويصوتوا له يوم التصعيد. أذكر أنني شاهدتُ
مرّةً بثًّا مباشرًا لتصعيد أمينٍ ما، لا أذكر المنصب المتنافس عليه. كان ذلك في مدرّجٍ
كبيرٍ مُظلم. على المسرح تجلس اللجنة المكلّفة بإدارة التصعيد، وفي مقاعد المدرجات
مجموعة متناثرة من الناس، قليلة بالنسبة إلى حجم المدرّج. وقف أحد المتنافسين،
يتأبط ملفّات، المقاعد حوله شبه خاوية. قدّم نفسه، وسرد مؤهلاته وشهاداته وبعض
أهدافه، ثم جلس. وقف المتنافس الثاني، حوله جمعٌ من الناس، لم يزد على ذكر اسمه
الكامل قبل أن يقعد. أعلنت اللجنة لحظة التصعيد. المترشح الأول؟ أيادٍ قليلة صامتة
من الجمهور. المرشح الثاني؟ هرج ومرج وصخب من مؤيديه. أعلنت اللجنة تصعيد المترشح
الثاني.
وعلى كلّ
حال، أقصى أثر وصلت إليه تلك المؤتمرات أشبه بانتخاب عميد أو محافظ لهذه المنطقة
أو البلدية يساهم في تسيير بعض الأمور على أضيق مستوى محلي وفق أوامر الحكومة. أما
عندما يصل المصعّدون جماهيريًّا إلى مؤتمر الشعب العام، ويأتي وقت النظر في قرارات
وسياسات على مستوى الدولة، فحينها كانت نتيجة التصعيد تلويح أمناء الشعبيات
بقبضاتهم مع الهتاف للقذافي ليزيد من كمية التحدي: زيد تحدى زيد! يالصقر الوحيد!
وطبعًا بالروح بالدم، ويا قايد ثورتنا على دربك طوّالي.
وهذه كانت
ديمقراطيّة القذافي الوهميّة (أو "الدهماء على الكراسي" في ترجمته أو
تفسيره للكلمة الإنجليزيّة "الديموكراسي").
انتفض
الشعب في فبراير 2011، وبدأ النزاع الأهلي، وتدخّل المجتمع الدولي، وحمي وطيس
الحرب، وسقط القذافي، وجاءت سنة 2012.
لم أكن
مقتنعًا على الإطلاق بجدوى انتخابات المؤتمر الوطني العام. لم يكن لدينا تنظيم
سياسيّ حقيقيّ، ولا أظننا كنا واعين سياسيًّا. كنا خبراء في الهدرزة عن السياسة الدولية،
لكن سياستنا المحليّة كانت لغتها خوفٌ وصمتٌ. من الطبيعي أن تفرز هذه التجربة مترشحين
لمناصب سياسيّة لم تكن لديهم برامج ولا مشاريع ولا أهداف واضحة، فتُستنخ تجربة
الديمقراطيّة القذافيّة دون وعي. هذا معارضٌ له تاريخٌ طويلٌ في النضال ضد نظام
القذافي من المهجر، وذاك من المسؤولين الذي اشتهروا مؤخّرًا لكثرة ظهورهم على
التلفاز، هذا يمثّل دولة القانون، هذا يمثّل الشريعة، هذا يمثل الأصالة، هذا يمثل
الحداثة، وأغلبهم يسارعون إلى المدن التي تتركّز فيها قبائلهم لينالوا أصوات
القبيلة ودعمها (لعل هذا الشكل الوحيد المتوفّر لنا من التنظيم السياسي؟). كانت
منافسةً في الشخصيات والأسماء لا في أهداف الثورة والتغيير. أذكر أنني من بين كلّ
المرشحين من مدينتي لم أعثر إلا على واحد وضع أهدافًا وبرامج. لم يكتب بعمومية
وتجريد عن الثورة والمستقبل والوحدة الوطنيّة، لم يستعطف قبيلته وأهله، تحدّث عن
مشاريع واضحة في حملة متواضعة على وسائل التواصل الاجتماعي. أعطيته صوتي (ذهابي
للتصويت على عدم اقتناعي وراءه قصة شخصيّة). لم يفز بمقعد، ولا أدري أصلًا هل كان
سيفعل شيئًا إن وصل إلى البرلمان. بعض من كسبوا مقاعد، ولو فازوا بناءً على
"شخصياتهم"، كانت لهم مواقف شريفة، لكنها في نهاية المطاف كانت عقيمة.
النتيجة
تقريبًا حتميّة، ولذلك تكرّرت في انتخابات مجلس النواب أيضًا، التي جاءت ردة فعل
على انتخابات المؤتمر الوطني: نفر الشعب من المعارضين والمناضلين والإسلاميين،
ومال أكثر فأكثر إلى شخصيات محليّة.
النتيجة
ليست حتميّة تقريبيًّا، لكنها حتميّة وحسب.
لم تكن
لدينا تجربة ديمقراطيّة أو حتّى سياسيّة بالمعنى الأعم. تجربتنا الديمقراطيّة على
مدى 42 سنة كانت قبليّة، محليّة، ابن عمك أو ابن شارعك. أما تجربتنا السياسيّة فلم
تتجاوز تأييد القذافي والموافقة على كلّ ما يأتي به نظامه، على الأقل ظاهريًّا، أو
الإحجام عن أي تأييد ومعارضة وعيش حياة متأثّرة بالسياسة وقرارات السلطة دون أن
تساهم فيها ولو برأي على طاولة مقهى.
لم نعش
حياةً سياسيّة، ولذلك أظن أن النتيجة حتميّة في تصوّر أن السياسة مسؤولية الحكومة
وحدها، وأن أبرز علاقة تربطنا بهذا السياسي أو ذاك، لتضمن لنا مصالحنا، ليست
الاتفاق على مصالح معيّنة، لكنها القرب أو الإعجاب. يجب على السياسي لينال صوتك أن
يكون شخصًا "كلامه يمسح الكبد". نظرته الاقتصاديّة؟ مفهومه للدولة؟ مبادئه
الراسخة؟ وعيه بدوره؟ ليس مهمًّا. لذلك تنتخب المعارض الذي أعجبك كلامه وتعجبك
سيرته المعارضة في المنفى وتعرف عائلته في مدينتك، ليصير بعد فوزه بمقعدٍ في
البرلمان عضوًا في لجنة الأمن القومي، وحين يُسأل عن الاغتيالات المنتشرة يقول
ببساطة إن كلّ شخص يخشى الاغتيال عليه أن يُبقي معه قضيبًا يدخله في عادم السيارة
قبل ركوبها ليتأكد من خلوه من أي متفجرات، كما يفعل هو.
أغلب
الهيئات التي انتُخبت منذ 2012 إلى اليوم تجاوزت مدد صلاحياتها، ولم أسمع يومًا أيًّا
منها تُعلن أنها في مرحلة تسييريّة وفق أحكام القانون الإداري. إلى حدٍّ ما صرتُ
أشعر بالتعاطف مع بعض الشخصيات السياسيّة، أشعر أنهم عالقون.
أمام
ليبيا دورة انتخابيّة جديدة كما يبدو، أُبرم اتفاقٌ سياسيٌّ جديد برعاية الأمم
المتحدة، اتفق فيه المتفقون على من يحق له الترشح ومن يحق له التصويت. وأظن أننا
لو وصلنا إلى الانتخابات، فسنعود مثل حليمة لديمقراطيتنا العقيمة.
يبدو
أننا لا ندرك أن كلّ هذه التجارب الديمقراطيّة والقوانين والاتفاقات مُصمّمة لخدمة
مصالح واضعيها لا لخدمة مصالح وأحلام الشعب (هل ما زلت لدينا أحلام؟). القذافي
ومؤتمراته، المجلس الانتقالي وقوانينه الانتخابيّة، المؤتمر الوطني وإقرار قانون
العزل السياسي، مجلس النواب وإلغاء قانون العزل السياسي، الاتفاق سنة 2015 وحكومة
الوفاق، اتفاق سنة 2021 وحكومة الوحدة الوطنيّة، والاتفاق الأخير هذه السنة. كلّها
لم تخدم أحدًا من الشعب. لعلّ التحوّل من الانتخابات الشعبيّة المباشرة إلى
الاتفاقات السياسيّة برعاية الأمم المتحدة اعتراف صريح من النخب المتعلّقة بالسلطة
بأن الشعب لا دخل له بالموضوع، فاقد للأهليّة أو بالأحرى منزوعها، البلاد صارت
مصحّة عقليّة كبيرة، الشعب فيها محجورٌ عليه وأموره يسيّرها الأوصياء نيابةً عنه،
غصبًا عنه.
كان
القذافي يقول إن السلطة والثروة والسلاح بيد الشعب، لم يكن ذلك صحيحًا. مدّ الشعب
يده إليها سنة 2011. ما زالت يده ممدودةً فارغة. وشتان مد الأيدي لانتزاع الحقوق
ومدها لاستجداء الإحسان.
وهذا
هذا.
6 سبتمبر
2026.