أصدرت دار التنوير طبعات جديدة لترجمات
سامي الدروبي لأعمال دوستويفسكي. وأصدرت مكتبة جرير طبعات جديدة لترجمات سامي
الدروبي لأعمال دوستويفسكي. وأصدر متجر عصير الكتب طبعات جديدة لترجمات سامي
الدروبي لأعمال دوستويفسكي. أصدرت دار إسكرايب طبعات جديدة لترجمات سامي الدروبي
لأعمال دوستويفسكي. هذا ما بلغنا حتّى تاريخ هذه الكتابة، والحبل – بلا أدنى شك –
عالجرّار.
لقد تنبأ البعض بهذه الموجة الإصداريّة منذ
سنوات: بمجرّد أن تسقط حقوق ترجمات الراحل الدروبي، ستسارع دور النشر إلى طبعها.
فما سبب الاستياء المنتشر بين الناس؟ أهي القواعد الرأسماليّة المعتادة التي تلتزم
بها شركات ومحلات رأسماليّة في عالمنا الرأسماليّ؟ الأغلفة القبيحة لبعض الطبعات؟
تحوّل الفن إلى سلعة ينادي بها الباعة في السوق؟ واقع أن سوق الكتب لا يختلف
كثيرًا عن سوق الخضار؟
الأسباب كثيرة، بعضها ربما نقول بتعالٍ
(لديَّ وعيٌّ ذاتي، لا داعٍ للقلق) إنها ليست مفاجئة، وحتّى إن لم تفاجئنا فهي
تبرّر الاستياء. ولأن هذا عصر خضوعنا للخوارزميات واستياؤنا مما يستاء منه
الآخرون، فلا بد أن أستاء أنا أيضًا لصدور هذه الطبعات الجديدة لأعمال كاتب لا
أحبّه أصلًا ولا يهمني ولا أدري أما زال في عالمنا العربي أناسٌ لم يقرأوا أعماله؟
فإذن كيف يحبه الجميع ويقتبسونه بسرعة البرق؟! لكن الأجيال تتداعى، فهذا كلام كُرهٍ
غير عقلاني.
على كلّ حال، لعلّي أستطيع أن أضيف إلى
أسباب الاستياء: سرعة إصدار ترجمات الدروبي في طبعات جديدة دون إضافة أي شيء سوى
أغلفة جديدة وأسعار غالية.
ليس غريبًا أن تُطبع الأعمال التي سقطت
حقوقها مرارًا وتكرارًا. دار البطريق البريطانيّة تطبع وتعيد طباعة ترجمات الزوجين
مود الإنجليزيّة لأعمال تولستوي (الكاتب الجدير بالحب والاهتمام حقًّا، لكن الله
غالب). لكنها نشرت وتنشر ترجمات إنجليزيّة أخرى (روزماري إدمُندز، أنثوني برِجز،
بيفر وفولكُنسكي، إلخ). فلماذا لم يستغل الناشرون هذه الهبّة لتنافس السوق بترجمات
جديدة؟
ولماذا لم يتوقفوا قليلًا مع ترجمات
الدروبي رحمه الله ويصدروا ترجمةً منقّحة؟ وهو ما فعلته دار رادوغا الروسيّة التي
أصدرت ترجمات الدروبي بمراجعة أبو بكر يوسف (وهي حسب علمي طبعات نادرة ونافدة)،
وقد مرّ بي سابقًا مقارنة لأحد القراء مدح فيها طبعة دار رادوغا. فما الضرر من إمكانية
تحسين ترجمات الراحل الدروبي؟ لقد ذكرتُ الزوجين مود، وهما من أبرز مترجمي
تولستوي، ربطتهما به صداقة قريبة ومدح ترجماتهما وباركها، ومع ذلك لا تنتقص المراجعة
من ترجمتهما الجميلة المهمة، بل ترتقي بها أكثر، وهو حال طبعة ترجمتهما الإنجليزيّة
للحرب والسلام الصادرة عن جامعة، فقد صدرت بمراجعة أستاذة الأدب المقارن إيمي
ميندلكر وتعليقاتها، وهي الترجمة الإنجليزيّة المفضّلة عندي للحرب والسلام.
يا سيدي لا داعي للتنقيح، ولعل في هذا
مشاكل قانونية مع الملكية الفكريّة أصلًا. ماذا عن إصدار جديد لترجمة الدروبي مع
مقدمة؟ مع حواشٍ؟ مع أي إضافات فنيّة، لوحات أو خرائط أو أي شيء؟ ولا حتّى ربع
إضافة؟ بصراحة لا أعرف إن كانت النسخ الجديدة تخلو تمامًا من الإضافات، لكن حسب
صور الأغلفة والإعلانات فلم يذكر أحد أي إضافات أو مراجعات أو مقدمات.
ولا داعي لأن نتحسّس مثلًا من
الاستشهاد بتصرّفات دور النشر الأجنبيّة في الغرب الرأسماليّ المتوحّش، لأن إعادة
إصدار الكتب التي ليس لها حقوق فكريّة شيء عادي وطبيعي ودارج عندنا في عالم النشر
العربي، تحديدًا في الكتب التراثيّة. نحن نبحث عن دواوين الشعراء بإصدارات دور نشر
معيّنة لأن تحقيقها أفضل وحواشيها أفضل، نبحث عن الجاحظ بتحقيق إحسان عبّاس، رسالة
الغفران بتحقيق بنت الشاطئ، الجرجاني بتحقيق محمود شاكر. نستفيد من المقدمات
والحواشي، نستنكر أخطاء تلك الطبعة، نمدح إضافات تلك. الأمر ليس من أعاجيب الفرنجة
التي نعجز عن الإتيان بها.
إن هيمنة ترجمات الدروبي طبيعيّة، وقد
ذكرتُ استمرار صدور ترجمات الزوجين مود بالإنجليزيّة لتولستوي مثلًا، ولذلك لا
غرابة في أن تميل دور النشر إلى المراهنة على الرائج والمقبول، ولا غرابة في أن
يميل القراء إلى هذه الترجمات التي لا تخلو من جمال. لكن لا ضرر من فتح الباب
لمترجمين ومترجمات جدد. ليست لدي خبرة كبيرة في هذا المجال، لكنني أعلم مثلًا أن
ترجمة هفال يوسف لرواية الحاج مراد ممتازة، وبلا شك لا تخلو الساحة العربية من
مترجمين ومترجمات عن الروسية يستطيعون الإضافة إلى المكتبة العربية، دون أن يُرى
ذلك على أنه هرطقة تمس بقداسة الدروبي والجهيم مثلًا. ولا ضرر من إضافات إلى
الطبعات الجديدة تميّزها وتمنح القراء شيئًا جديدًا. كثيرًا ما أختار طبعة معينة
لكتابٍ ما لأن له مقدمة من كاتبٍ أو كاتبةٍ يغريني الفضول إلى معرفة رأيهما في
الكتاب أو أثق فورًا بأنهما سيضيفان إلى فهمي ومعرفتي. لعل دور النشر لا تستطيع
التدخّل في تنقيح أو تعديل ترجمات الدروبي، لعلّها تتردد من المراهنة على مترجمين
جدد، لكن ما الذي يمنعها من إضافة مقدمات تلقي الضوء على معاني الكتب وسياقها
التاريخي وآراء الناس فيها؟
أظن أن سبب استيائي يتبلوّر في أن هذه
الهبّة لنشر طبعات جديدة من ترجمات الدروبي لدوستويفسكي تلقي الضوء على مشكلة راسخة
في عالمنا الثقافي، عدم احترام القرّاء والقارئات، بل عدم احترام الأدباء (كتّابًا
ومترجمين) والكتب ذاتها. كلنا "قوى شرائيّة مستهدفة" وكل الكتب
"سلع". المشكلة أن الرأسماليّة الملعونة، التي لا بد أن تحتقرنا وتقنعنا
أن نحتقر أنفسنا، تعلم أحيانًا أن في الاختلاف أفضليّة تساعدها على التنافس في
السوق تنافسًا أقوى حين تعرض على "الجمهور المستهدف" سلعةً فيها إضافات
أو اختلافات. بل لا داعي للحديث عن الرأسماليّة، إن أبسط بائع متجوّل في الشارع
يعرف ذلك. وحتّى إن كانت الرأسماليّة أو البائع المتجوّل نصّابين، فإن النصب في
النهاية فيه احترام أكبر لهدف النصب! احترام يرى أنه يجب خداع هذا الهدف واستمالته
بمزايا أكثر ليشتري.
الموضوع ينتهي نهاية سوداويّة، كلنا
منصوبٌ علينا. لكنني أظن أن السوداويّة أهون من المثاليّة الفنطازيّة التي تتخيّل
دور نشر تهتم فعلًا بالثقافة والأدب والفكر والقرّاء والقارئات، لا سيما في يومنا
هذا مع انحدار مستويات القراءة وتشتت التركيز. لعلّ سوق النشر في مرحلة إنقاذ ما
يمكن إنقاذه، ولعلّ طبعات دوستويفسكي الجديدة تساعد هذه الدار أو تلك على كسب ما
يكفي من أجل الاستمرار، مصدر يساعد على الاهتمام بالثقافة، ربّما ولعل.
خطرت ببالي دار نشرٍ شيوعيّة تنشر
نسخًا إلكترونيّة مجانيّة من الكتب مع خيارات شراء نسخ ورقيّة لمن يشاء، ومقدمة
صنع الله إبراهيم لنسخ أعماله التي نشرتها مؤسسة هنداوي إلكترونيًّا مجانًا، وحديثه
عن حلمه صغيرًا بأن تكون الكتب بالمجان. أحلام وعوالم مختلفة، لعلّ المثاليّة ليست
فنطازيّة...
وهذا هذا...
12 يونيو 2026
(المصدر)

