السبت، 13 يونيو 2026

كلام عن النشر والاستياء ودوستويفسكي ودوستويفسكي ودوستويفسكي و...

 

أصدرت دار التنوير طبعات جديدة لترجمات سامي الدروبي لأعمال دوستويفسكي. وأصدرت مكتبة جرير طبعات جديدة لترجمات سامي الدروبي لأعمال دوستويفسكي. وأصدر متجر عصير الكتب طبعات جديدة لترجمات سامي الدروبي لأعمال دوستويفسكي. أصدرت دار إسكرايب طبعات جديدة لترجمات سامي الدروبي لأعمال دوستويفسكي. هذا ما بلغنا حتّى تاريخ هذه الكتابة، والحبل – بلا أدنى شك – عالجرّار.

 لقد تنبأ البعض بهذه الموجة الإصداريّة منذ سنوات: بمجرّد أن تسقط حقوق ترجمات الراحل الدروبي، ستسارع دور النشر إلى طبعها. فما سبب الاستياء المنتشر بين الناس؟ أهي القواعد الرأسماليّة المعتادة التي تلتزم بها شركات ومحلات رأسماليّة في عالمنا الرأسماليّ؟ الأغلفة القبيحة لبعض الطبعات؟ تحوّل الفن إلى سلعة ينادي بها الباعة في السوق؟ واقع أن سوق الكتب لا يختلف كثيرًا عن سوق الخضار؟

الأسباب كثيرة، بعضها ربما نقول بتعالٍ (لديَّ وعيٌّ ذاتي، لا داعٍ للقلق) إنها ليست مفاجئة، وحتّى إن لم تفاجئنا فهي تبرّر الاستياء. ولأن هذا عصر خضوعنا للخوارزميات واستياؤنا مما يستاء منه الآخرون، فلا بد أن أستاء أنا أيضًا لصدور هذه الطبعات الجديدة لأعمال كاتب لا أحبّه أصلًا ولا يهمني ولا أدري أما زال في عالمنا العربي أناسٌ لم يقرأوا أعماله؟ فإذن كيف يحبه الجميع ويقتبسونه بسرعة البرق؟! لكن الأجيال تتداعى، فهذا كلام كُرهٍ غير عقلاني.

على كلّ حال، لعلّي أستطيع أن أضيف إلى أسباب الاستياء: سرعة إصدار ترجمات الدروبي في طبعات جديدة دون إضافة أي شيء سوى أغلفة جديدة وأسعار غالية.

ليس غريبًا أن تُطبع الأعمال التي سقطت حقوقها مرارًا وتكرارًا. دار البطريق البريطانيّة تطبع وتعيد طباعة ترجمات الزوجين مود الإنجليزيّة لأعمال تولستوي (الكاتب الجدير بالحب والاهتمام حقًّا، لكن الله غالب). لكنها نشرت وتنشر ترجمات إنجليزيّة أخرى (روزماري إدمُندز، أنثوني برِجز، بيفر وفولكُنسكي، إلخ). فلماذا لم يستغل الناشرون هذه الهبّة لتنافس السوق بترجمات جديدة؟

ولماذا لم يتوقفوا قليلًا مع ترجمات الدروبي رحمه الله ويصدروا ترجمةً منقّحة؟ وهو ما فعلته دار رادوغا الروسيّة التي أصدرت ترجمات الدروبي بمراجعة أبو بكر يوسف (وهي حسب علمي طبعات نادرة ونافدة)، وقد مرّ بي سابقًا مقارنة لأحد القراء مدح فيها طبعة دار رادوغا. فما الضرر من إمكانية تحسين ترجمات الراحل الدروبي؟ لقد ذكرتُ الزوجين مود، وهما من أبرز مترجمي تولستوي، ربطتهما به صداقة قريبة ومدح ترجماتهما وباركها، ومع ذلك لا تنتقص المراجعة من ترجمتهما الجميلة المهمة، بل ترتقي بها أكثر، وهو حال طبعة ترجمتهما الإنجليزيّة للحرب والسلام الصادرة عن جامعة، فقد صدرت بمراجعة أستاذة الأدب المقارن إيمي ميندلكر وتعليقاتها، وهي الترجمة الإنجليزيّة المفضّلة عندي للحرب والسلام.

يا سيدي لا داعي للتنقيح، ولعل في هذا مشاكل قانونية مع الملكية الفكريّة أصلًا. ماذا عن إصدار جديد لترجمة الدروبي مع مقدمة؟ مع حواشٍ؟ مع أي إضافات فنيّة، لوحات أو خرائط أو أي شيء؟ ولا حتّى ربع إضافة؟ بصراحة لا أعرف إن كانت النسخ الجديدة تخلو تمامًا من الإضافات، لكن حسب صور الأغلفة والإعلانات فلم يذكر أحد أي إضافات أو مراجعات أو مقدمات.

ولا داعي لأن نتحسّس مثلًا من الاستشهاد بتصرّفات دور النشر الأجنبيّة في الغرب الرأسماليّ المتوحّش، لأن إعادة إصدار الكتب التي ليس لها حقوق فكريّة شيء عادي وطبيعي ودارج عندنا في عالم النشر العربي، تحديدًا في الكتب التراثيّة. نحن نبحث عن دواوين الشعراء بإصدارات دور نشر معيّنة لأن تحقيقها أفضل وحواشيها أفضل، نبحث عن الجاحظ بتحقيق إحسان عبّاس، رسالة الغفران بتحقيق بنت الشاطئ، الجرجاني بتحقيق محمود شاكر. نستفيد من المقدمات والحواشي، نستنكر أخطاء تلك الطبعة، نمدح إضافات تلك. الأمر ليس من أعاجيب الفرنجة التي نعجز عن الإتيان بها.

إن هيمنة ترجمات الدروبي طبيعيّة، وقد ذكرتُ استمرار صدور ترجمات الزوجين مود بالإنجليزيّة لتولستوي مثلًا، ولذلك لا غرابة في أن تميل دور النشر إلى المراهنة على الرائج والمقبول، ولا غرابة في أن يميل القراء إلى هذه الترجمات التي لا تخلو من جمال. لكن لا ضرر من فتح الباب لمترجمين ومترجمات جدد. ليست لدي خبرة كبيرة في هذا المجال، لكنني أعلم مثلًا أن ترجمة هفال يوسف لرواية الحاج مراد ممتازة، وبلا شك لا تخلو الساحة العربية من مترجمين ومترجمات عن الروسية يستطيعون الإضافة إلى المكتبة العربية، دون أن يُرى ذلك على أنه هرطقة تمس بقداسة الدروبي والجهيم مثلًا. ولا ضرر من إضافات إلى الطبعات الجديدة تميّزها وتمنح القراء شيئًا جديدًا. كثيرًا ما أختار طبعة معينة لكتابٍ ما لأن له مقدمة من كاتبٍ أو كاتبةٍ يغريني الفضول إلى معرفة رأيهما في الكتاب أو أثق فورًا بأنهما سيضيفان إلى فهمي ومعرفتي. لعل دور النشر لا تستطيع التدخّل في تنقيح أو تعديل ترجمات الدروبي، لعلّها تتردد من المراهنة على مترجمين جدد، لكن ما الذي يمنعها من إضافة مقدمات تلقي الضوء على معاني الكتب وسياقها التاريخي وآراء الناس فيها؟

أظن أن سبب استيائي يتبلوّر في أن هذه الهبّة لنشر طبعات جديدة من ترجمات الدروبي لدوستويفسكي تلقي الضوء على مشكلة راسخة في عالمنا الثقافي، عدم احترام القرّاء والقارئات، بل عدم احترام الأدباء (كتّابًا ومترجمين) والكتب ذاتها. كلنا "قوى شرائيّة مستهدفة" وكل الكتب "سلع". المشكلة أن الرأسماليّة الملعونة، التي لا بد أن تحتقرنا وتقنعنا أن نحتقر أنفسنا، تعلم أحيانًا أن في الاختلاف أفضليّة تساعدها على التنافس في السوق تنافسًا أقوى حين تعرض على "الجمهور المستهدف" سلعةً فيها إضافات أو اختلافات. بل لا داعي للحديث عن الرأسماليّة، إن أبسط بائع متجوّل في الشارع يعرف ذلك. وحتّى إن كانت الرأسماليّة أو البائع المتجوّل نصّابين، فإن النصب في النهاية فيه احترام أكبر لهدف النصب! احترام يرى أنه يجب خداع هذا الهدف واستمالته بمزايا أكثر ليشتري.

الموضوع ينتهي نهاية سوداويّة، كلنا منصوبٌ علينا. لكنني أظن أن السوداويّة أهون من المثاليّة الفنطازيّة التي تتخيّل دور نشر تهتم فعلًا بالثقافة والأدب والفكر والقرّاء والقارئات، لا سيما في يومنا هذا مع انحدار مستويات القراءة وتشتت التركيز. لعلّ سوق النشر في مرحلة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولعلّ طبعات دوستويفسكي الجديدة تساعد هذه الدار أو تلك على كسب ما يكفي من أجل الاستمرار، مصدر يساعد على الاهتمام بالثقافة، ربّما ولعل.

خطرت ببالي دار نشرٍ شيوعيّة تنشر نسخًا إلكترونيّة مجانيّة من الكتب مع خيارات شراء نسخ ورقيّة لمن يشاء، ومقدمة صنع الله إبراهيم لنسخ أعماله التي نشرتها مؤسسة هنداوي إلكترونيًّا مجانًا، وحديثه عن حلمه صغيرًا بأن تكون الكتب بالمجان. أحلام وعوالم مختلفة، لعلّ المثاليّة ليست فنطازيّة...

وهذا هذا...

12 يونيو 2026

 

(المصدر)

الجمعة، 5 يونيو 2026

عن الخيال العلمي والواقع، واستحالة الحركة والوصول، والمشي بخطوات هادئة


كيف تُخفق في كتابة قصّة خيال علمي

"قلتُ لحسام مرَّةً إنه من ضروب المستحيل أن يفهم أحدٌ، أيُّ أحد، الآخر."

عيادة الأدب الرديء، ص33

ماذا سيكتب رجل أمنٍ متقاعد إذا قرّر كتابة قصصٍ قصيرة؟ الإجابات عديدة، ومن بينها إجابة ربما تؤدي إلى "آه، صح والله!": قصص الخيال العلمي. جنسٌ أدبيٌّ ملائمٌ لمن يرغب في تمويهٍ مجازي، مثلًا رجل أمنٍ تقاعد بعد عمرٍ في المنظومة الأمنيّة، يتحدّث عن إمبراطوريّة فضائيّة لا الحاكم، عن قراصنة فضائيين يخطفون الناس من أسرتهم لا المخابرات، عن فيروسات تلتهم العقول لا خطاب حكومة قائم على التضليل، وهلم جرًّا. الخيال العلمي ستارٌ رمزيٌّ ملائم. هذا ما حاوله المؤلف نديم عليمات في مجموعته القصصية "الطريق إلى تحت". تبدأ قصته الأولى، التي تحمل المجموعة اسمها، بأخبار غزوٍ فضائي نكتشف أنه ربما كان مجرّد تضليلٍ حكومي.

فهل كان نديم عليمات يحاول أن يكتب قصّة خيال علمي؟ أظن أنه حاول أن يتخيّل، ولكن يبدو أن نير الواقع محكمٌ حول عنقه.


في قصتي "الطريق إلى تحت" و"بحثًا عن الجمال العظيم" ملامح خيال علمي، محاولات لتخيّل شيء يتجاوز العلاقات الاجتماعيّة والقمع الحكوميّ والهوس الأدبي. لكن المؤلف سرعان ما يفقد بوصلته، إن كان يقتدي بواحدة أصلًا. في قصّة "هيستريا" يُسخّر المؤلف، بشجاعةٍ طريفة، عقدته مع الخيال العلمي. يحضر بطل القصة صفًا جامعيًّا عن أدب الخيال العلمي ثم يكتب قصةً لا علاقة لها بالخيال العلمي! لعل المؤلف يريد أن يقول لنا: لقد حاولت أن أتخيّل، أن أُشفّر، ولكن ثمّة أمور أهم من الكائنات الفضائيّة الخضراء. يقول ذلك صراحةً في "هيستيريا" على لسان طالب الأدب: "لستُ مرتاحًا في كتابة شيء "غير واقعي"" (ص130). يسأل الطالب المحاضِرة: "أليس ممكنًا أن نكتب خيالًا علميًّا، دون أن ينتمي المكتوب إلى الخيال العلمي، على الأقل للوهلة الأولى، أو... قد لا ينتمي له على الإطلاق؟" (ص131). هذا الإخفاق (المتعمّد) نراه بوضوح في القصّة التي ذكرتُ أن بطلها كتب قصّة لا تمت بصلة إلى الخيال العلمي (السياسة أكثر حضورًا في القصّة)، كما نرى ملامحه في قصة "بحثًا عن الجمال العظيم" التي تُطرح فيها مسألة جدوى الفن في مواجهة الواقع، كما تُطرح فيها مسألة الشجاعة السياسيّة أيضًا حينما ينتقد حسام عليمات (سنعود لحسام الذي يشارك المؤلف لقبه) جُبن الفنان فادي أبو وردة في مواجهة الواقع السياسي. في القصة ذاتها تغمر حسام عليمات نشوة حينما يستمع لأغنية سياسيّة تنتقد الوضع القائم.

يحضر موضوع الأمن والسياسة في أربع قصص من قصص المجموعة الخمس. وهو موضوعٌ لنا أن نسقطه على تفاصيل أخرى أيضًا: هوس الشخصيات بالمسموح قوله والممنوع؛ التفكير المفرط؛ القلق والهلع. أعراض طبيعيّة ومتوقّعة في علاقات الحب والصداقة ومسائل الصحة العقلية، ولعلّها تنبع من السياسية أيضًا، صح؟ كلنا رقيبٌ على ذاته في عالمنا المخنوق، كلنا نفكّر بإفراط في كلّ تصرفاتنا وفي كلّ ما نكشفه للناس وللحكومة. لم يخطر الأمر ببالي من قبل، ولكن ما أشبه هواجس العلاقات الاجتماعيّة بهواجس العيش في دولٍ بوليسيّة.

وإن كان نديم عليمات يُخفق في كتابة قصة خيال علمي بسبب الحاجة إلى الحديث عن شيء أهم، أفكل ما يتحدث عنه هو السياسة؟ من الواضح أن خواطر المؤلف موشومةٌ بتاريخه الأمني: التفاصيل الحميميّة عن تصرفات رجال الأمن في قصة "تقرير عن الفن المفاهيمي"؛ التضليل الحكومي في ثلاث قصصٍ من المجموعة؛ تكرار صورة امتلاك السلطات الأمنية يد الكاتب ("أفهمناهم أن يدهم الأخرى تصير ملكنا مجرّد أن يشتغلوا معنا..."(ص189)، "هات يديك، هاتهما ولا تخف. هل تراهما؟ هاتان اليدان لي، أصابعك النحيلة، عقلك، مشاعرك، كلّها لي..." (ص243))؛ اليأس من الحراك الجماهيري وعقم المظاهرات؛ وبعض الجرأة، بعض الأمل الذي نلمحه في قصة "بحثًا عن الجمال العظيم". لكن شيئًا آخر يتكرّر في كلّ القصص: ابنه، حسام عليمات.

القصص كلها من جنس الأدب المافوقي أو meta-fiction (ما فوق أو ما وراء النص). تعريفات الأدب المافوقي كثيرة، أبسطها أن النصّ واعٍ بأنه نصّ، كأن يخترق النصُّ نفسه ويخاطبنا مباشرةً، أو أن يحيل إلى ذاته أو إلى مؤلّفه. في قصة "عيادة الأدب الرديء" يُذكر نديم عليمات بوصفه مؤلف المجموعة القصصيّة ذاتها. في قصّة "هيستريا" تشير شخصية إلى قصّة "بحثًا عن الجمال العظيم" وتنسبها إلى حسام عليمات. وفي أوضح تطبيق للمافوقيّة، يخاطبنا المؤلّف "المتخيّل" في أكثر من موضع، يشككنا مرّةً إن كان راويًّا عليمًا، ويفكّر في وصف شخصية بأنها حزينة، ينتقد تصرفات إحدى الشخصيات لأنها لا تعرف أنها في قصة، يموّه مصادر معرفته بالأحداث (وفي القصّة ذاتها يُنسب له قول "لا تخفي مصادرك"!). القصص واعية بأنها قصص، واعيةٌ بعالمها الذي تعيش فيه، بكل أحداثه وشخصياته المتكررة عبر النصوص: فادي أبو وردة، ونذير ملكاوي، وصدام القرعان، وجميل بك، ومصطفوي، إلى جانب حسام عليمات طبعًا، المؤلّف "المتخيَّل" للقصص. هذا العالم المتداخل ربّما يوهمنا أن الكتاب رواية، ولكن لدي معلومة مؤكّدة أنه ليس كذلك (ومثلما يفعل الراوي في إحدى القصص، فسأقول إنني لن أكشف مصادري الآن!). إضافةً إلى ذلك، في كلّ القصص مستويات من السرد: "الطريق إلى تحت" فيها ثلاثة أصوات، أحدها حسام عليمات؛ "عيادة الأدب الرديء" بصوت حسام عليمات ويتوسطها نص لإحدى الشخصيات، وتُختتم بإلحاق مقابلة مع حسام عليمات الحقيقي (!)؛ "هيستريا"، وربّما يصعب عليكم تصديق ذلك، تروى بصوت حسام عليمات، وتتضمن محاضرة عن أدب الخيال العلمي لأستاذة فنلنديّة، ونصوص لنذير ملكاوي؛ "بحثًا عن الجمال العظيم" صوت سردي واحد، وهو بالطبع حسام عليمات، لكنه يروي قصته وقصة فادي أبو وردة كما رواها له، وتتخللها بيانات وتدوينات وتعليقات؛ "تقرير عن الفن المفاهيمي" فيها صوت سردي واحد ربما، هل حزرتم؟ صح، حسام عليمات، ولكن تتخللها مقابلات ورسائل وفصول من مسرحية لشخصيات أخرى.

هذا النمط المافوقي يدفعني لتخيّل أن نديم عليمات أراد أن يكتب كثيرًا، أن يتخيّل، أن يتعمّق، ربما أراد أن يستكشف هويةً من عدّة زوايا، الكاتبة، الفنان، الأستاذة الجامعيّة، المعالَج نفسيًّا، ضحية رجال الأمن، الطالب، العاشق المتوتر، المغترب، القارئ، الكاتب... لو كان نديم عليمات يشبه أبطال قصصه لقلتُ إنه ربّما فرط خيط هويته ونثر حبّاتها المتعدّدة في نصوص متداخلة، وجلس يلقطها ويتأملها. النتيجة أسلوبٌ مافوقيٌّ مميز، يلف ويدور في فلك هويات متداخلة. لكن حسب ما تكشفه لنا النصوص عن نديم عليمات هذه "الهويات" لا تشبهه، أو على الأقل أغلبها لا يشبهه. فما الذي لف نديم عليمات حوله ودار؟ من الذي يمكن أن تنتظم كلّ تلك الشخصيات في خيط هويته؟

وهنا أعود إلى ما قلته قبل فقرتين: ابنه، حسام عليمات.

الأربعاء، 27 مايو 2026

كلام عن القارئة الأولى وخلود النصوص وأفلاطون مرّةً أخرى


زوجتي قارئتي الأولى. لا أعني أنها أوّل من يقرأ نصوصي (وهي في الأغلب أوّل من يقرأ)، لكنني الآن أقصد أسبقيتها إلى قراءةٍ أعمق وأنفذ، أنها أوّل من يقرأني بكلّ معاني القراءة: أوّل من يقرأ الفكرة ربّما من قبل أن تتبلوّر في خاطري، أوّل من يقرأ مقصدي بالكتابة وغايتي منها، أوّل من يقرأ نصوصي من قبل أن تُكتب (لأنني أصدّعها بالحديث عنها!)، وأوّل من يتأوّل نصوصي ويعثر على معانيها حتّى لعلّها تسبقني إلى ذلك. وهذا ما حدث عندما قرأتْ خاطرتي السابقة.

سألتني: لما لم تذكر المُثُل الأفلاطونية؟ أليس هذا معنى ما اقتبسته في خاطرتك حول سعي الرجلين إلى تذكّر نص مفقود، ووصف ما ينتج عن تذكّرهما بأنه "النص الحق"؟ سألتني ببساطة عابرةٍ، وكأنها تتوقع أن أقول لها: آه، بالطبع لقد كان الأمر في بالي طيلة كتابتي خاطرة في مركزها "جمهورية أفلاطون"! كل ما في الأمر أنني فضّلتُ أن أختزل النصَّ قليلًا، فهي مجرّد كتابة سريعة. سألتني كأنها التقطت فكرةً وقعت مني سهوًا، تقول "أهذه فكرتك؟" وهي تناولني المُثُل الأفلاطونيّة.

كانت ردّة فعلي صدمة إدراك! لم يخطر ببالي أفلاطون نفسه عند كتابة ذلك الكلام! ولكن كيف غاب عني عالمه المثالي؟! فكرته عن عالمٍ سابقٍ عرفنا فيه كلّ شيءٍ وما عالمنا الراهن إلا تذكّر، هي في صميم ما كتبت عنه في الخاطرة السابقة (كلام مينار عن تذكّره الكيخوته أراه الآن تطبيقًا لمثل أفلاطون، وعناء التذكّر في فهرناهيت 451).

أسرعتُ إلى الأمانة التي أودعني إياها ذاك الصديق، قلّبتُ نصوصها حتّى وقعتُ على نصٍّ نظريٍّ في النقد الأدبيّ جاء فيه:

"ثم إن هذه الرؤية الشاملة تتجاوز الخصوصيّة العربيّة. فإذا هي فكرةٌ عالميَّة (...) كان بيكن الإنجليزي قد استشهد بما قاله سليمان الحكيم من أنه "ليس تحت الشمس جديد"، وبتصوّر أفلاطون للمعرفة أنه "كل معرفة ليست إلا تذكّرًا"؛ ليغلق بيكن حلقة استشهاداته من حيث بدأ، أي بسليمان ثانيةً، بقوله بأن: "كل جِدَّةٍ ليست سوى نسيان"..." [يقصد المتحدّث (أم المحدّث؟) بالرؤية الشاملة عملية التأليف في التراث العربيّ ودورانها حول الكتابة والحفظ والحديث والسماع والكتابة إلخ. يستطرد المحدث بعد ذلك في كلامٍ يستحضر قول بورخس "ما أفتأ أتوصَّلُ إلى الأشياء بعدما تطالعني في الكتب"!]

كأن زوجتي تذكرت المعرفة الأفلاطونيّة نيابةً عني. كان نسياني الجدّة المتوهّمة وتذكّرها المعرفة الشاملة. فكانت زوجتي القارئة الأولى بمعنى أفلاطوني، تتذكّر معرفةً سابقة نسيُتها! لي أن أتحدث هنا عن الحبّ، عن هذه الرفقة التي لا تميّز بين قلبين أو خاطرين، تخطر لي الفكرة في ذهنها، وتتذكر هي قراءاتي السابقة، أنظم النصَّ وتمنحه معناه، أبدأ الكتابة وتختمها. لكنني أريد أن أبقى مع دهشةٍ أثارها كلّ هذا...

عندما قرأتُ أوراق تلك الأمانة مررتُ على مقالاتٍ عن طبيعة النصّ والقراءة والتأليف، شعرتُ بمبالغاتٍ أدبيّة في التنظير، شطحات فلسفيّة، ألاعيب برخسيّة أو فرويديّة، تستلهم أفكارًا أدبيّة لكنها لا ترتقي نظريات يُقاس عليها بإطلاق. لكنني حينما وصلتُ إلى بعض التقارير التي تسجّل أحداثًا وشهادات، وحتّى بعض القصص التي تخلط الواقع بالخيال، صرتُ أرى تلك الأفكار التي تبرّمتُ منها أو شككتُ فيها تتجسّد واقعًا، فإذا بالنصوص تمشي بيننا، والحفظ والرواية والترجمة (بل والقراءة ذاتها) بانت لي أشكالًا لخلودٍ فريد لا تحققه إلا النصوص. بل إنني عدتُ إلى مقالة مينار وكيخوتته أُحلّلها بتلك الأفكار وكأنها نحوٌ أو منطقٌ مستقرٌ (وكلاهما علمٌ لا باع لي فيه، لكن نقول على المجاز وقد علمنا أن الأمر ليس كما نقول!). صار تذكّر الرجلين اللذين يسترجعان نصًّا مفقودًا "النصّ الحق" فعلًا؛ تجسّدت الأمانة واقعًا بعد أن كانت ورقًا؛ تذكّر مينار الكيخوته؛ تحوّل ذاك الحافظ "جمهورية أفلاطون"؛ تذكرت الزوجة ما نساه الزوج... ويجري النهر...

ختمتُ تلك الخاطرة بإشارةٍ (شيوعيّةٍ بطبيعة الحال) إلى جماعيّة هذا الخلود: يتحقّق بتكاتفنا جميعًا:

"لا أحد يستطيع الخلود، أنا وأنتِ وأنتَ لا يستطيع أيٌّ منَّا الخلود، لكننا نستطيع خلود النص، أي حفظه، استمرار جريانه، تحولّه هو إلى الوعاء الذي ننسكب نحن فيه، لا يستمر النصّ إلا بنا، ولا يجري إلا بنا، هو منبعنا ومجرانا ومصبنا، كلنا جمهورية أفلاطون، كلنا الشعر، كلنا الليالي."

هذه العملية الجماعية تقودنا إلى إنتاج "النص الحق"، مُثُل أفلاطون التي لم أكتبها لكن زوجتي قرأتها، يعيش دون كيخوتي أحداثًا فيسجّلها سيدي حميد بن الأيل ويترجمها سرفانتس ويتذكّرها مينار ويمدحها بورخس، الليالي المؤلّفة ومؤلّفوها المؤلّفون، يعيش النص لأنّ عمله لا ينقطع.

صباح اليوم، شاءت "الصدف المدبّرة" أن أقرأ قصيدةً لبرخت عنوانها "لمَ يجدر باسمي أن يُخلّد؟"، يعدّد ما يظنه الشاعر أنه سيحفظ اسمه "في الأزمان البعيدة / بعد أن تهدّمت المباني التي عشتُ فيها / وتآكلت السفن التي سافرت بها"، يذكر معارضته الظلم ووقوفه مع الناس وثقته بهم وكتابته وتعليمه، ثم يقول:

"ولكنني اليوم

أتقبّل أن اسمي سيُنسى.

لمَ يُنادى الخبّاز إذا كان لدينا ما يكفي من الخبز؟

لمَ يُمدح الثلج الذي ذاب

إذا كان ثلجٌ جديدٌ على وشك الهطول؟

لم يجب أن يكون ثمّة ماضٍ

إن كان هنالك مستقبل؟"

 

لعلّ بريخت قصد التضحية الثوريّة في سبيل المستقبل، أسماؤنا ليست مهمّة ما دام الحلم تحقّق. ولكن هذه القصيدة أعادت لذهني قصيدةً أخرى لبريخت "عن كيفية بناء أعمال دائمة"، يقول فيها:

"إلى متى تدوم الأعمال؟

تدوم ما لم تكتمل؛

فما دامت الأعمال تحتاج إلى مجهود

لن تتلاشى.

تدعو إلى المزيد من العمل،

تكافئ المساهمة،

وجودها مستمرٌ ما استمرت

دعواتها ومكافآتها.

الأعمال المفيدة

تحتاج إلى الناس

(...)

من يمنح الأعمال دوامها؟

أولئك الذين سيكونون أحياءً حينها.

من تختار ليبنوا المستقبل؟

أولئك الذين لم يولدوا بعد.

عندما قرأت قصيدة دوام الأعمال أوّل مرّة، وجدتُ فيها، إضافةً إلى المعنى الشيوعيّ، معنىً أدبيًّا: الكتابة عملٌ مستمر، لا أريد كتابة مقالة أو خاطرة وينتهي الأمر، فلا داعي لأن أكتب كل الأفكار في مقالةٍ واحدة، العمل مستمر والنظر مستمر، ستدوم الكتابة ما احتاجت إلى مجهود. أرى القصيدة من زاويةٍ جديدةٍ الآن، امتدادًا لفكرة خلود النص التي ألهمتني إياها (أو ربما التهمتني بها؟) تلك الأمانة: يدوم النصُّ ما استمرّ يدعو الناس إلى القراءة والترجمة والتأويل والإحالة والتأليف والحفظ والتذكر، وبه يدوم الناس. يدوم النصُّ ونصير كلّنا جزءًا منه، حتّى يُنسى اسم المؤلّف أحيانًا. وهنا لعلّي أعود من جديد إلى بورخس الذي يقول:

"كثيرًا ما أجد أنني [حينما أكتب] لا أفعل سوى اقتباس شيءٍ قرأته منذ زمن، فيصير الأمر إعادة اكتشاف. لعلّ الأجدر أن يبقى الشاعر بلا اسم."

نتيجة بورخس، ولو كانت في خدمة النصّ والإبداع، تشابه نتيجة بريخت الملتزمة سياسيًّا: شاعرٌ يرضى أن يُنسى اسمه وتبقى قصيدته بعد أن يتهدم ويتآكل كلّ شيء.

ولكن لعلّ النصَّ نفسه يُنسى؟ 

لعلّ هذا مستوىً آخر من الأمر، نسيان النصّ في سبيل إنتاجه من جديد، في سبيل "بشارة غامضة بكتابٍ لم يُؤلّف بعد". نسيتُ مُثُل أفلاطون، لكن هل نسيته فعلًا وأنا أكتب تلك الخاطرة التي تجري فيها فكرته عن التذكّر؟ هل نسيته فعلًا أم كنته دون أن أدري، حتّى تذكرته زوجتي نيابةً عني؟ فكانت الأمانة وأصحابها أفلاطون، وكنتُ أنا أفلاطون، وكانت زوجتي أفلاطون، وكلنا أفلاطون، كلنا بورخس يقتبس ما نسي، كلنا التوحيدي يحرق كتبه ويراجعها (وهذه مقابلة جديدة مع فهرنهايت 451 نسيتها ولم أنسها)، كلنا مينار يتذكّر الكيخوته ليؤلفها، كلنا حفظة الشعر الذين ينسون أسماء الرواة. نحن نهر الحياة الذي تنمو على ضفافه أشجار الخلود، خلود النصوص، وهو خلودٌ يحتاج إلينا، حتّى إن لم نتذكّر الأسماء...

وهذا هذا.

وكل عام ومن يقرأ أو تقرأ الخاطرة اليوم بألف خير...

26 مايو 2026.


 

الأربعاء، 13 مايو 2026

كلام عن النصوص والحفظ وجمهورية أفلاطون

 

سلّمني صديق أمانةً لأقرأها، نصوصاً مجمّعة غير منشورة، مخطوطات لقصص وأفكاراً أو ربّما هي خريطة. لعلَّ في حديثي عن الأمانة خيانة لها، لكنني سأحاول التمويه قليلًا، أصديقٌ من سلّمني هذه الأمانة المرهقة أم عدو؟ كتابٌ أم خريطة؟ قصصٌ أم قصّة؟ خيالٌ أم فلسفة؟ هل أكشف أسماء أصحاب النصوص أم أقطّعها حروفًا؟ لعلّ صاحب الأمانة لن يغضب إن قرأ هذه الخاطرة يومًا، أو لعلّه قارئها الأوّل؟ هل أقصد أنه حقًّا أوّل من سيقرأها، أم أنه القارئ الأوّل لأنه أصلاً صاحب الأمانة التي أدّت إلى هذه الكتابة؟ لا أحد يدري!

والآن وقد فرغتُ من هذا التمويه الفاشل، كنتُ أقرأ في الأمانة نصًّا عن نصوصٍ مفقودة، يحاول شخصان استرجاعها بالذاكرة "أما النصُّ، فينسال بطيئًا من ذاكرتهما إلى الورق… هذا هو النصُّ الحقّ." لنرمز إليهما بالحرفين ياء وطاء. يصفُّ النصُّ عمل ياء وطاء الدؤوب: "راحا يجتران النص مما داخَلَهما منه، مقتطفاته العالقة والمؤثرة. صار هذا عملهما بل همها اليومي، أن يتسقَّطا النص من ذاكرتهما، خالصًا من شوائب ذاتية كالخلط والنسيان والهوى بل الفهم..." حين قرأتُ هذه الفقرة عن عمل هذين الرجلين وجدتني أتذكّر روايةً لم تخطر ببالي منذ زمنٍ بعيد، انسلّت نهايتها من ذاكرتي: فهرنهايت 451.

في نهاية فهرنهايت 451 يمضي مونتاغ وهو يُردّد لنفسه آية من الإنجيل، يستحضر نص الكتاب الذي عثر عليه وحماه. تخيّل راي برادبري في روايته مستقبلًا ديستوبيًّا كف الناس فيه عن القراءة، ضاعوا في عالمٍ استهلاكيٍّ يُلهيهم بسرعة إشباع رغباتهم، عالمٍ صارت فيه الكتب مُحرّمةً، ورجال المطافئ صارت وظيفتهم البحث عن الكتب وحرقها (بالإنجليزيّة اسمهم رجال النار firemen فالاسم يلائم تحوّل مهنتهم). وفي خضم هذا العالم الاستهلاكي الراكض بجنونٍ نحو هاوية الحرب النووية، يعيش في الخفاء معارضون رُحّل، مثقفون وقارئات، فلاسفة وعالمات، أساتذة أدبٍ وكاتبات، وسيلتهم في المقاومة هي استظهار الكتب والنصوص. حين يلتقي مونتاغ، رجل المطافئ المنشق، بمجموعةٍ من هؤلاء الرحّالة الحفظة، يحدّثه أحدهم عن حفظهم الكتب. يستغرب مونتاغ، فيقول له الرجل نحن حارقو كتب أيضًا، نحفظها ثم نحرقها، فلا تجد السلطات دليلًا لاتهامنا.

الحفظ فعل مقاومةٍ، مقاومة السلطات ومقاومة ضياع الكتب والنصوص في محرقة الانهيار الاجتماعيّ. إذن طبيعي أن تستحضر ذاكرتي هذه التفصيلة من فهرنهايت 451، خاصةً أن وصفها لعناء التذكّر من أشدّ التفاصيل التصاقًا بذهني، قلق ومخاوف مونتاغ من عجزه عن الحفظ ومحاولاته المتكرّرة (شوكةٌ بَرَتْْها عقدةٌ نفسيّة عند قارئ يخشى نسيان ما يقرأ بلا شك). لكن الفقرة السابقة من الأمانة التي أعطانيها صاحبها، عن مجهودات ياء وطاء في استرجاع نصٍّ مفقود، لم تكن عن مجرّد الحفظ أو استعادة المفقود، فمن سجّل الأمر علّق تعليقًا مثيرًا للاهتمام: "هذا هو النصّ الحق". كيف يكون عناء التذكّر الصافي هو النصَّ الحق؟

لعلّ السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل حفظ النصوص مجرّد حفظ؟ وعاء أو خزانة؟ وهذا السؤال يشي بسؤال آخر من ورائه: ما طبيعة النصوص في عالمنا؟ أهي "كنوزٌ أدبية" تُدفن على الأرفف؟ سبائك ذهب في مخازن المكتبات؟ لعلّه من البديهيٌّ أن نقول مثلًا، على نحوٍ لا يخلو من رومنسيّة، إن النصوص أقرب ما تكون إلى أناسٍ، أفراد يمشون بيننا ويعلِّموننا ويؤثّرون فينا، ويتناقل تأثيرهم من شخصٍ لآخر. بهذا المعنى حفظ النصوص يعني استمرارها، خلودها إن جاز لنا التعبير، لا استيعابها في وعاء الذاكرة فحسب. لا بد أن أوّل ما قد يخطر ببال عربيٍّ مسلمٍ مثلي "إنا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون"، هل القرآن أبرز مثالٍ على كتابٍ محفوظٍ حفظ الاستمراريّة؟ أظن أن حفظ الصدور، هذا التمظهر الإنسانيّ لمعجزة الحفظ الربّاني، مثالٌ قوي على طبيعة الحفظ الاستمراريّة، لكنه مثال يصعب التمثّل به ومناقشته في مساحةٍ قصيرة (ولا يبعد عنه الحديث والسنة). لعلّ المثال الذي يناسب هذا الكلام أكثر هو رواية الشعر وحفظه.

 حين يلتقي مونتاغ بأولئك الحفظة الصعاليك في فهرنهايت 451 يقول له متصدرهم: "هل تحب، يومًا ما، يا مونتاغ، أن تقرأ جمهورية أفلاطون؟" يجيبه مونتاغ "بالطبع!" فيرد الرجل: "أنا جمهوريّة أفلاطون." ألا يستحضر هذا التعريف العجيب تاريخ الشعر عندنا؟ كم نعرف من الرواة حقًّا؟ أحسبني – بكلّ تواضع – قرأتُ قدرًا لا بأس به من الشعر، ولكنني لستُ خبيرًا في تاريخ النقد الأدبي عند العرب (جايك يا كتاب المرحوم إحسان عباس، جايك)، ولكن قبل انتشار التدوين والتأليف وطبقات ابن سلام وابن المعتز، من رواة امرئ القيس مثلًا؟ حمّاد وخلف؟ لا أحد سواهما؟ فمن رواة المتنبي؟ ابن جني؟ أم لعل جهلي يفضحني هنا وعصره كان عصر تدوين؟ ولكن في كلّ الحالات بُني الشعر العربي على الحفظ، وذاب الرواة في أشعار الجاهليين والأمويين على الأقل، إهمالٌ تأريخيٌّ أم تقمّص؟ هل صار الرواة الشعراء؟ كلامٌ يستحضر للذهن أيضًا، على اختلاف المقصد، قول الشاعر "ومثل الشاعر الراوية".  ولكن يجب ألا أستبعد التدوين تمامًا، ألم تُدوَّنُ دواوينُ كثيرةٌ وكتبٌ (وأحاديثُ وأخبارٌ) موضوعةٌ ومنحولة؟ ما زلتُ أذكر جلوسي قديمًا في فناء بيت جدي سعيدًا باقتنائي ديوان الإمام علي رضي الله عنه، أفتحه، فيطالعني في أوّل صفحةٍ اقتباسٌ للزركلي يقول فيه إن الديوان "معظمة أو كله مدسوس عليه"! يا له من افتتاح، ولكن أكان مدسوسًا فعلًا، أم كان محاولةً لتسقّط شعره رضي الله عنه من الذاكرة؟ في الديوان قصائد موضوعاتها متكرّرة، كأن مؤلّفًا واحدًا أو عدّة مؤلّفين يحاولون تذكّر القصيدة ذاتها. فهل كانوا كلهم الإمام علي؟ أما لعلّهم بالأحرى كانوا قصائده؟

في نصٍّ آخر من نصوص تلك الأمانة يستعرض صاحبه تاريخ ألف ليلة وليلة، ويناقش فكرةً عن النصوص التي يضيع مؤلّفوها، لا يموتون، بل ربما ينتشرون فيتوحدون فينصهرون في النص، وبشكلٍ أو بآخر يكتسبون الخلود بفنائهم هذا، يضيع اسم المؤلّف ويبقى النص خالدًا. من مؤلّف ألف ليلة وليلة؟ بل من مؤلّفو ألف ليلة وليلة؟! كُتّاب وشعراء ورواة ومُدوّنون ومترجمون كلهم ألّفوا الليالي، سيبقون ما بقيت الليالي. وهنا هل أمامي مفرٌّ من بيير مينار؟

يقول بورخِس في مقالته الشهيرة عن مينار إنه "لم يرد تأليف كيخوته آخرى... إنما أراد أن يؤلّف الكيخوته ذاتها." أبتقمّص المؤلّف أم النص يتحقّق ذلك؟ يقول بورِخس إن تقمّص مينار شخصيّة سرفانتس مستحيل، ومن بين كلّ المستحيلات فهذا المستحيل أقل إثارةً للاهتمام من أن "يستمر [مينار] في أن يكون بيير مينار ويأتي إلى الكيخوته عبر تجارب بيير مينار". هل يعني هذا أنه يتذكّر النصّ كمن يتذكّر تجاربه القديمة حتّى ليصير هو مؤلّفه؟ يقتبس بورخِس حديث مينار عن ذكرياته العامة حول الكيخوته التي "تبسّطها بالنسيان واللامبالاة، فكأنها بشارةٌ غامضة بكتابٍ لم يؤلّف بعد". بشارةٌ بالكتاب لا المؤلّف؟ باهي، في مقالة بورخِس، التي تفيض بما يستحث تنقيب المحققين، أدلة أخرى أراها ألصق بموضوع هذه الخاطرة الغريبة التي استفزتها تلك الأمانة.

يُعدّد بورخِس مؤلفات مينار، ويذكر مقالةً عن تحسين لعبة الشطرنج بحذف أحد الجنود. يقترح مينار الفكرة، يدعمها ثم ينتقدها، يجادل نفسه، ثم ينتهي إلى رفضها. يذكر بورخِس عملًا آخر: نقدًا حادًّا للشاعر بول فاليري، ويؤكّد لنا بورخِس أن هذا النقد على النقيض تمامًا من رأي مينار الحقيقيّ في فاليري. إذن لدى مينار ميولٌ لأن يكون الجميع، الكاتب والقارئ والموافق والناقد والناقض والمدافع والمهاجم. هل لكاتبٍ أن تجتمع فيه كلّ هذه الصفات في عملٍ واحدٍ من أعماله؟! أم هل النص وحده من يجمع بين هذه الصفات؟ النص يلد كل أولئك بمجرد قراءته. إذن ليس التقمّص ذوبانًا في المؤلّف بل في النصّ. الدليل الأقوى، حسب رأيي، هو تعليق مينار على مشروعه في تأليف (إعادة تأليف؟ تذكّر تأليف؟) الكيخوته، حيث يقول إنه مشروعٌ صعب ولكن "إن استطعتُ الخلود، فسأنجزه". فمن من الاثنين، المؤلّف والنص، يستطيع الخلود حقًّا؟ من منهما لا تمسه يد الموت، فيبقى، ربما ليس إلى الأبد، ولكن إلى عقودٍ أو قرونٍ؟ «كل من عليها فانٍ ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام» فيلزم أن نكون واقعيين ونقول عقوداً أو قروناً، في حدود فكرتنا البسيطة عن الخلود التي نقيسها على قصر أعمارنا، كأننا مينوطور بورخِس الذي يعدّ أبواب متاهته اللانهائية أربعة عشر بابًا!

لا أعلم ما سؤال هذه الخاطرة حقًّا، لقد بدأت بالحفظ، بياء وطاء يحاولان استرجاع نصٍّ بذاكرتهما (رجلان كانا أم حرفان في نصٍّ؟)، وانتقلت إلى مونتاغ يعبر ديستوبيا نهاية العالم مردِّدًا ما حفظه (يمشي نحو الخلود؟)، برواةٍ لولاهم لما كانت دواوين (أم كانوا الدواوين؟)، بنصوصٍ تؤلّف ذاتها وينصهر فيها مؤلّفوها إلى حدّ الفناء، وبرجلٍ يُحدّد شرط نجاحه في التحوّل إلى نصّ "إن استطعتُ الخلود...". لا أعلم ما السؤال، لكن أظن أن الإجابة هي أن لا أحد يستطيع الخلود، أنا وأنتِ وأنتَ لا يستطيع أيٌّ منَّا الخلود، لكننا نستطيع خلود النص، أي حفظه، استمرار جريانه، تحولّه هو إلى الوعاء الذي ننسكب نحن فيه، لا يستمر النصّ إلا بنا، ولا يجري إلا بنا، هو منبعنا ومجرانا ومصبنا، كلنا جمهورية أفلاطون، كلنا الشعر، كلنا الليالي.

ولعلي واحدٌ منا، نحن الذين نكون فهرنهايت 451، ودون أن أدرى أستحضر ما يردده مونتاغ في تلك الصفحة الأخيرة: "وعلى النهر من هنا ومن هناك، شجرة حياة...".  

وهذا هذا.

12 مايو 2025



لوحة ذاتية (!) رسمها بورخِس لنفسه بعد أن فقد بصره. أوّل ما استحضره ذهني عند التفكير في التحوّل إلى نص!

(المصدر Open Culture)


الثلاثاء، 5 مايو 2026

كلام عن منظّرٍ سياسيٍّ من القرن التاسع عشر


وجدتني وسط المدينة، وقد فرغتُ من بعض الالتزامات. وكان ذاك النهار عطلة نهاية الأسبوع. تريثتُ في المشي إلى محطة قطار الأنفاق عائداً إلى البيت. وأخرجتُ هاتفي أبحث عن مكتبةٍ قريبة، لعلّي أروّح عن نفسي بكتاب، فقد كان أيضًا نهارَ عيدٍ لم تنقطع فيه الإبادة في غزّة، بل امتدت نيرانها. عيدٌ ساءني في الغربة مأسورًا، وعاد والبيداء دوني ودون الحبيبة والأهل، فالحمد لله ولا غالب إلا الله. أعطاني الهاتف مقترحات لمكتباتٍ قريبٍة، وقد وصف أقربها أنها "مكتبة راديكاليّة". تفقدتُ خرائط غوغل ومشيتُ أحذر الإسراف في أمل أن تكون راديكاليّةً حقًّا، فقد زرتُ من قبل مكتبات سياسيّة، بل ترفع رايات الشيوعيّة الحمراء، فلم تختلف عن أي مكتبةٍ تجاريّة.

وصلتُ إلى المكتبة وتذكرتُ فورًا أنني زرتها مع زوجتي منذ سنين، وأنها مكتبة سياسيّة راديكاليّة حقًّا. على طاولة الاستقبال اصطفت كتبٌ كثيرة عن غزّة وإبادتها الراهنة، أجرأ من تلك التي تصل أعلى المبيعات وتدعو إلى السلام وتدين المقاومة، بل وجدتُ بينها كتبًا صغيرة من دور نشر مغمورة لمؤلّفين ومؤلّفات من غزّة.

يكاد حجم المكتبة يكون أصغر من شقةٍ بغرفةٍ واحدة، ولكنني قضيتُ فيها أكثر من ساعة ألف بين أرففها، أُقلّب المنشورات السياسيّة، والمجلات والجرائد الشيوعيّة والأناركيّة. عثرتُ فيها على كتبٍ بحثتُ عنها كثيرًا ولم أجدها، وكتب كنت أحفظ عناوينها ونسيتها، وكتب لم أسمع بها من قبل كانت يدي تلتقطها قبل أن تُتمَّ عيني قراءة عناوينها وتضيفها إلى كومة الكتب التي جمعتها. أردتُ الترويح عن نفسي وكآبتي ووحدتي وغربتي بكتابٍ عيديَّة، فإذا بي أغادر بنشوة المدمنين، تلك الفرحة الممزوجة بالندم التي تخالط القارئ أو القارئة حينما يفقدان السيطرة ويجورانِ على ميزانية الشهر.

ولكنني لا أريد الكتابة عن شهوة القراءة وغيرها من رومانسية القرّاء والقارئات.

فبينما كنتُ أُقلّب كتبًا في موضوعٍ يهمني هذه الأيام، تناولت كتابًا من الرف، قرأتُ نبذة الغلاف سريعًا وشدّتني، وفتحتُ هاتفي لأبحث في نسخةٍ إلكترونيّة لكتابٍ في الموضوع ذاته، ووجدتُ في هوامشه إشارةً للكتاب الذي أحمله تقول إنه من نماذج الكتب الصادرة حديثًّا التي أعادت طرح الموضوع إيَّاهُ في سياقات سياسيّة. لم يكن مدحًا بالضبط، فقط توثيقًا لكتابات أخرى في الموضوع ذاته، ولكنني استبشرتُ خيرًا لأن التوثيق ما كان نقدًا. أعدتُ الهاتف إلى جيبي، وفتحتُ الكتاب على صفحةٍ عشوائية في المنتصف، فشاء القدر أن تقع عيني على جملة تقول شيئًا مثل: "وقد تطرّق إلى ذلك المنظّر السياسيّ كارل ماركس في القرن التاسع عشر…" أغلقتُ الكتاب وأعدته إلى مكانه. هذا كتابٌ لن ينفعني.

فما كان لهذه الجملة التعريفيّة بماركس أن تصدر عن المؤلّفة إلا لثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأوّل أن المؤلّفة تفترض جهل القارئين والقارئات بماركس. أرادت وضع كتاب سهل، أبوابه مفتوحة للمبتدئين الذين تحسبهم يجهلون من ماركس. وهذا أهون الاحتمالات، لكنه يعني أن الكتاب لن ينفعني بطبطبته التبسيطيّة هذه، فأحسبني تجاوزت هذه المرحلة المدخليّة بكتابٍ أو كتابين.

الاحتمال الثاني أن المؤلّفة هي الجاهلة بماركس، "المنظّر السياسيّ" من القرن التاسع عشر. من هذه الناحية لن ينفعني الكتاب لسببين على الأقل: أولًا، التحيّز السياسيّ، فهذا الجهل بماركس يُخرج المؤلفة من اليسار ويعني أن كتابها "السياسيّ" لن يوافق تحيزاتي؛ وثانيًّا، الجهل بماركس في كتاب سياسيّ شيء عجيب، بصرف النظر عن موقفنا منه، فلا جدوى من تبذير الوقت على كتابٍ بهذا المستوى.

الاحتمال الثالث أن المؤلّفة تريد أن تضع مسافةً "موضوعيّةً" بينها وبين ماركس. أستبعد أن تكون المؤلّفة يمينيّة، لأنها كانت ستشتم ماركس عدو الحضارة الغربيّة الزاهية، ولكن حديثها المعقّم عن "المنظر السياسيّ" من القرن التاسع عشر يدل – على أقل تقدير – أنها تريد أن تحمي نفسها من شبهة الماركسيّة. وما دامت عدّت الماركسيّة تهمةً فإن كلامها في الأغلب لن يفيدني.

وأجل، أعلم أنني أكُرّر أن الكتاب لن يفيدني، ولكن العبرة ليست في اكتساب المعلومات فحسب.

موضوع الكتاب يمسّ الواقع السياسيّ، أولويتي أن أتعلم أكثر عن هذا الواقع وعن محاولات تغييره حسب مزاجي ومن زاوية توافق معتقداتي، ثم إن عنّت لي أسئلة أو كان عندي وقتٌ لتعذيب نفسي، حينها أصدّع رأسي بآراء مخالفة أو محايدة لعلها تعطيني معلومةً هنا أو هناك أو تدفعني لمراجعة نقدية لمواقفي (أو تؤكّد مواقفي!).

ولما كان المفترض بالكتاب أنه يُلقي الضوء على موضوع مهم في سياق سياسيّ، فلن ينقطع عجبي من جهل المؤلّفة بماركس أو حيادها تجاهه. والمصيبة الكبرى أن تدري من ماركس وتُقرر غسل يديها منه. سأحاول تجاوز تحيزاتي لبضع ثوانٍ هنا، وأسأل: أين الشجاعة الأدبيّة في مثل هذه المواقف المايعة؟ لا مدحت ماركس، ولا شتمت ماركس، ولا حتّى تحدثت عن أحد أشهر أعلام الكوكب حديثًا يحترم القارئين والقارئات ويثق في أنهم يعرفون هذا "المنظّر السياسي". بل تستتر المؤلّفة وراء لغة "موضوعيّة"، وتشير إليه من بعيد، كأنها تخشى أن تتلطخ ببعض احمرار الماركسيّة.

وهذا القدر من تجاوز التحيّزات (إن تجاوزتُها حقًّاّ!) يكفي لأقول إنني بكلّ تحيّز أرى أن الواقع السياسيّ لا تمكن مواجهته دون الماركسيّة، هذا إن أردنا تغييره حقًّا. ولا أدري أتريد المؤلّفة التي تكتب كتابًا في السياسة تغيير الواقع أم ستخلص مثل كثيرين إلى دعوات فارغة إلى تحسين ظروف السجن وتجميل جدرانه، وتطالب بجرأةٍ تفيض كياسةً سياسيّة واحتواءً ثقافيًّا بتضمين أصوات المضطهدين في جوقة الاضطهاد وزيادة تمثيل المهمشين في مسرحية الرأسماليّة العالميّة! لم أقرأ أكثر من سطرٍ من الكتاب المذكور أعلاه بالطبع، ولكن يبدو أن مؤلّفته ذاتها لم تستطع تجاهل الماركسيّة تمامًا، فربما جاء ذكرها لماركس "المنظّر السياسيّ" بسبب ضرورة استخدام بعض الأدوات الماركسيّة في تناول موضوعها، أو لعلّها ذكرته من باب تعداد الآراء فقط، في كلّ الحالات كان ذكره المتوجّس هذا مخزيًّا.

مهما كانت الموضوعات الذي ننظر فيها، التعليم، الصحّة، الاستعمار، الفقر، حتّى الثقافة والفلسفة والأدب والدين، لن نفهمها حقًّا، وأقول ذلك بإطلاق، لن نفهمها حقًّا ما لم ننظر في واقع العالم الرأسمالي، لن نعرف لماذا وكيف يجب تغييرها دون أدوات الماركسيّة عن الظروف الماديّة وتغيير الواقع والثورة. لماذا التعليم والصحّة منهاران في هذه البلاد؟ هل يكفي تدريب الأطباء أو تغيير المناهج؟ أين أموال البلاد وإنفاق الحكومة والتدخل الأجنبي؟ ما سبب رداءة هذه الأفلام أو الكتب الشهيرة؟ من أين جاءت الهيمنة الثقافيّة الغربيّة؟ انحدار ذوقي أم لسلطة الأسواق والغزوين التسليعي والاستهلاكي دور؟ وهل هذه الفلسفة أو تلك الرواية تعالج الواقع حقًّا أم تتجنّبه؟ وتغافلها عن الواقع أستغراقٌ فكريٌّ وفنيّ مجرّد أم تطبيعٌ لواقعٍ بشعٍ وترويجٌ للتأقلم معه؟ ولماذا يتحدث الناس عن مشاكل الدِّين أكثر مما يتحدثون عن محاسنه؟ هل للناس أن يسعوا لآخرتهم، ودنياهم تفرض عليهم إعانة الطغاة في طغيانهم والسكوت عن الحق والتخاذل عن نصرة المظلوم؟ كيف تُحسن إلى الآخرين وتعزف عن الإضرار بهم، وأنت تعجز عن الإحسان لنفسك في هذا العالم الذي يشغلك بما أصابك؟

أسئلة كبيرة، وكلّ منها يحتاج إلى كتب، لكنني أسوقها أمثلةً سريعةً على أهمية النظر في الواقع المادي، في الظروف الاقتصاديّة والسياسيّة (إلى جانب النظر في الجوانب الثقافيّة والاجتماعيّة بالطبع، وضرورة استخدام الأدوات التخصصيّة في كلّ مجال)، تلك الظروف التي تحكم كثيرًا من جوانب حياتنا، من استغلالنا، من قمعنا، من تخديرنا، الظروف التي تذكي نيران الإبادة وترغمنا على الفرجة عليها راضخين، الظروف التي تكرهنا على اعتياد المعاناة والتأقلم مع الجحيم، الظروف التي حينما نعي حقيقتها ونعي موقعنا داخل منظومتها سندرك ضرورة تغيير الواقع ودورنا فيه، هذه الضرورة التي تشدّد عليها الماركسيّة.

لقد تذكرتُ هذه الحادثة الصغيرة جدًّا لأن اليوم الذكرى الثامنة بعد المائتين لميلاد ماركس. وفي ذكراه هذه يفيدنا – كما أفادنا وسيفيدنا إلى أن يتغيّر العالم – أن نتذكّر مقولته: لم يفعل الفلاسفة شيئًا سوى محاولة فهم العالم، الأهم هو تغييره.

وهذا هذا.

5 مايو 2026. 


  كارل ماركس بريشة نيكولاي فيشن، رسم فيشن اللوحة سنة 1918 بتكليف من الهيئة السياسيّة في الجيش الأحمر الروسي

(مصدر الصورة Fine Art Images)


الثلاثاء، 23 أغسطس 2022

العودة إلى النفس: عن إعادة القراءة والحبّ واستئناف الحياة

العودة من أجل المواساة

"ونفسُ المُحبِّ متخلّصةٌ عالِمة بمكانِ ما كان يُشركها في المجاورة، طالبةٌ له، قاصدةٌ إليه، باحثةٌ عنه، مشتهيةٌ لملاقاته، جاذبةٌ له لو أمكنها كالمغنطيس والحديد."

ابن حزم

"ألا ليت عيني قد رأت من رآكم"

مجنون ليلى

سافرت زوجتي منذ مدّة. أواسي نفسي في غيابها بأشياء كثيرة: المكالمات الطويلة والصور الكثيرة والنوم والعمل والأصدقاء والقراءة، القراءة كثيرًا. أحاول استحضار سارة بالقراءة، أُقرّبها عبر هذا البُعد. أقرأ كتبها وأتتبع أثر تخطيطها وتعليقاتها في الهوامش، تعجبني أفكارها وأضحك معها (في غيابها) على تعليقاتها الساخرة. أقرأ ما مدحته وما تحبّه. أكملتُ روايةً كنتُ قد بدأتها وتركتها قبل أن أعرف سارة، عدتُ لها لأنّ سارة أخبرتني أنّها فيما مضى قد قرأتها وأعجبتها (في إحدى فقرات الرواية تُوصف مشاعر وأفكار إحدى الشخصيّات الرئيسيّة التي وجدتْ الحبّ، ينطبق الوصف عليَّ حين وجدتُ الحبّ مع سارة: "لم تعتقد يومًا أنها جديرة بأن يُحبّها أحد. ولكنها الآن تعيش حياةً جديدةً هذه لحظتها الأولى، وحتّى بعد مرور سنواتٍ عديدة ستظلُّ تقول في نفسها: نعم، تلك كانت بداية حياتي."). أقرأ أعمال أحد شعرائها المفضّلين ("أنتِ غائبة. أنا غائبٌ. والأشياء غائبة أيضًا. إذ يعجز العالم أن يكون في غيابكِ."). وأقرأ شعرًا أبحث عن صورتها فيه وأُعلّم صفحاته لأقرأ لها منه ("أبحث عن ذكراك. / أتسلل بمصباحٍ إلى بيوتٍ فارغةٍ لأسرق صورتكِ / رغم أنّني مُتيقّنٌ مما سأجده").

أواسي نفسي بمحاولة عبور المسافات نحو سارة بالقراءة. ثمّة قراءات أخرى تتخلّل قراءات الشوق والمواساة: ما أقرأه لبحثٍ حول مقالةٍ ما، ما أقرأه في ازدحام القطار متّجهًا إلى العمل في الصباح، ما أقرأه في عصر نهاية الأسبوع الخامل، ما أقراه عند محاولة النوم. قراءات لها أهدافٌ ودوافع متعدّدة، بحث، توصيات، ملء الساعات، ولكنّني أدرك الآن أن كلّ قراءة تصير قراءة مواساة في غياب سارة. قد لا تكون قراءة مواساة مباشرة، كتلك التي أقتفي فيها أثر سارة أو أبحث عنها فيها، ولكنّ حتّى هذه المواساة العَرَضيّة فيها إعانةٌ على الصبر (نحاول صبرًا ومواساةً أو نموتُ شوقًا فنعذرا!). وقد دفعني هذا الإدراك إلى التفكير في ممارسة قرائيّة أراها منذ زمنٍ بعيد قراءة مواساة، وقد لجأتُ إليها بطبيعة الحال في هذا الغياب: إعادة القراءة.

قرأتُ رواية "اختفاء" لهشام مطر منذ بضع سنوات. قرأتُ أعماله متأخّرًا، والتأخّر هنا هو بالنسبة إلى تاريخ صدورها، أما بالنسبة إلى حاجتي لها وقدرتي على احتواء ما قد تمنحه لي، فقد قرأتها في الوقت المناسب تمامًا، فإذن لا غرابة أنّني صرتُ عاشقًا لأعمال هشام مطر أحاول قراءة كلّ ما كتبه (وأظنني قريبٌ من ذلك، لولا بعض مقالاته القديمة المفلتة من بين يدي، ولكنني وراءها والزمن طويل!). صار هشام مطر من كتّابي المفضّلين على الإطلاق، وهذه ملحوظةٌ مهمّة لأن هذا يعني لي – من بين ما يعنيه – أنني أستطيع قراءة أعماله في أي وقت، حتّى في فترات الاكتئاب الشديد أو الشوق الشديد، حين نفقد القدرة على التركيز وتتضاءل أهمية كلّ شيء في مواجهة ما نمرّ به من كربٍ يتمركز وسط حياتنا ضخمًا ملقيًا بظلالٍ ضخمةٍ مثله تحجب عنا كلّ شيء. عندي – ولله الحمد – مجموعةٌ صغيرةٌ من هؤلاء الكتّاب والكاتبات والكتب، لا يشفي حضورهم من الاكتئاب مثلًا أو يُعوّضني عن غياب حبيبتي، ولكنه يواسي، يُعين على الصبر والتجلّد في حين يُخفق آخرون وتُخفق أمورٌ كثيرة.

ومع هذا الارتباط العميق، تتكوّن مع تلك المجموعة من الكتب ومؤلّفيها ومؤلّفاتها علاقة، شيءٌ لعلّه يشبه الحبَّ، حيث يصير الكتاب مصدر راحة ومؤانسة ومواساة، يصير مساحة أمانٍ وأُلفة، فتكون في العودة إلى هذا الكتاب المؤازر عودةٌ إلى كلّ ما أحببناه فيه أوّل مرّة وكلّ ما نحبّه في مؤلّفه أو مؤلّفته. يشبه ذلك الحبّ، أليس كذلك؟ أعود لمن أحبّ لأنني أعلم أنها مصدر راحة ومؤانسة ومواساة، أنجذب إلى كلّ ما أحببته وأحبّه فيها وأقصد إلى المساحة الآمنة التي يخلقها حضورها، باحثًا عن أمانها المألوف.

وهكذا، أعدتُ قراءة رواية "اختفاء" بحثًا عن المواساة.

 

السبت، 13 أغسطس 2022

عن الأدب الليبيّ أو عن حيرتي قارئًا للأدب أو عن نقد النقد: هل ثمّة أمل في جوائز الأدب العربيّة؟


عمّاذا نكتب حين نكتب عن القراءة؟ سؤال "كتابة إبداعيّة"، أليس كذلك؟ أعني أنّ تعدّد سبل الإجابة عليه لن يجعل أيّا من تلك الإجابات إجابةً خاطئة، قد تكون الإجابات عمليّة أو علميّة، قد تكون شخصيّة، فلسفيّة، سياسيّة، قد تكون كلّ ذلك، ولا شيء مما سبق، قد تكون واجبَ إنشاءٍ أو بحثًا تفكيكيًّا أو روايةً أو مقالةً عن روايةٍ. أظنني أستطيع الزعم بأننا نكتب أوّلًا عن تجربتنا الشخصيّة، أو بعبارات أخرى عن كيف قرأنا وما قادتنا إليه قراءتنا. هذه بسيطة. لكنّ السؤالَ يصير عندها: ماذا نختار من هذه التجربة لنكتبه؟ ولماذا؟ أعرف أنني قلت "السؤال يصير" ثم أردفْتُه بسؤالين، لكن – ولأكُن صريحًا – ستتكاثر الأسئلة فلا داعي للتدقيق.


عن القضيّة؟

ربّما اخترنا أكثر ما أثارنا؟ ثم نكتبه لأسباب كثيرة لعلّ أقلها إثارةً للجدل رغبتنا في مشاركة الآخرين. ربّما. ولعلّني لهذا السبب حين قرأتُ "خبز على طاولة الخال ميلاد" لمحمد النعّاس شعرتُ أوّل الأمر أنني أريد الكتابة عن قضيّة الرواية المحوريّة: المعايير الاجتماعيّة للرجولة (أو ما أُشير إليه كثيرًا بوصفه قضيّة جندريّة).  وأظنّ أنّني يجب أن أعترف هنا أنني تأثّرت بشيءٍ من خارج الرواية: بالحملة التي شُنّت عليها (وعلى مؤلّفها وقُرّائها وقارئاتها) حين أُعلِنَ عن حيازتها الجائزة العالميّة للرواية العربيّة. أثارت قضيّة الرواية تحفّظات كثيرين فور ظهور النتيجة، لا سيّما بعد إشادة لجنة الجائزة بتناول الرواية لقضيّة تعريف الرجولة والمعايير الاجتماعية المقبولة وتحدّي الرواية لها، فبدأت مواقع التواصل تتداول صورًا لصفحات أو سطورٍ من الرواية رأى بعض الناس – مثلما اعتدنا مع نصوصٍ مُشابِهة – أنّها تنشرُ الرذيلة وتخالفُ الآداب العامّة وتتعدّى على الذاتِ الإلهيّة وتشوّهُ صورة ليبيا والليبيّين إلى آخر ذلك من كلام مُعاد (حدث الشيء ذاته مع أنطولوجيا "شمس على نوافذ مغلقة" منذ بضع سنوات). قد تكونُ الحملة  هدأتْ الآن، أو كالعادة مرّت مثل أي "ترند" آخر على مواقع التواصل، لكنّ آثارها الواقعيّة تجاوزتْ العالمَ الافتراضيّ، فوزارة الثقافة الليبيّة التي هنأت الكاتب محمد النعّاس على ترشيحه ثم باركت له "بأصدق التهاني" حين حَصَدَ الجائزة، مدّعيةً أنّ هذا الفوز يدعمُ "مكانة الكتاب والكتّاب الليبييّن في الخارج ويثري الإنتاج الثقافي الليبيّ ويُعرّف به على نطاقٍ أوسع"، سرعان ما رضخت للهبّة الشعبيّة الليبيّة فأصدرت بيانًا جديدًا تزعم فيه أنّ الرواية لم تُحل إلى إدارة المطبوعات و"لم تتحصّل على الموافقة المطلوبة وفق القوانين النافذة، أو الإذن بالطباعة أو النشر أو التداول".

استفزّني ذلك أكثر من هجوم الناس ابتداءً وتبرُّئِهِم من الرواية وكاتبها. ورغم أنّ موضوع كتابتي لم يكن متّضحًا لديّ تمامًا، كان الاستفزاز والإثارة حاضِرَيْن بدورهما. أردتُ إذن أنْ أكتب عن تناول الكاتب محمد النعّاس في الرواية لمعايير الرجولة.