الأحد، 5 يوليو 2026

كلام عن الحماقة واللامبالاة والألغاز

 

"إذا بدوت لهم أحمق جدًّا، فلعلهم يسمحون لي بالمرور". هذا ما يُفكّر فيه مايكل ك حين يصل إلى نقطةٍ تفتيش أمنية. لا يسمحون له بالمرور، بل يأخذونه إلى مخيم اعتقال. تتكرّر الحماقة في رواية ج. م. كويتزي The Life and Times of Michael K بأشكالٍ مختلفة: 1) توهمنا تصرفات مايكل في بداية الرواية بأنه أحمق بل ربّما حتّى لديه تأخّرٌ عقليٌّ من نوعٍ ما (نكتشف لاحقًا أن الرجل أذكى من أغلب شخصيات الرواية)؛ 2) يسيطر افتراض الحماقة على نظرة الناس لمايكل، بدءًا من أمه فكلّ الشرطة والعساكر الذين يلتقيهم ؛ 3) وعي مايكل بدور الحماقة، بفائدة لعب دور الغبي؛ 4)  نرى مقابل حماقة مايكل المفترضة حماقة الآخرين الحقيقيّة، الفئة المهيمنة في المجتمع، لعلّ أبرز مثال نراه في الضابط الطبيب الذي يعالج مايكل في النصف الثاني من الرواية، الرجل المهووس بمحاولة فهم مايكل لكنه يتمسّك مصرًّا بمفاهيمه الغبيّة الخاطئة (أبرز مثال إصراره على تسميته مايكلز، بناءً على كلام أحد العساكر الآخرين، ورفضه أن يقبل تصحيحات مايكل).

أثناء قراءة الرواية، وجدتني أستحضر رواية كويتزي الأخرى Waiting for The Barbarians، وبطلها حاكم القلعة الشبيه كثيرًا بالضابط الطبيب. كلاهما عالق في انتظار البرابرة، غارق في أوهام التفوق الأخلاقي والوعي ومساعدة المعذبين في الأرض. يجد حاكم القلعة لنفسه مشروعًا لإنقاذ المرأة الأسيرة، ويجد الضابط الطبيب مشروع شغفٍ في مايكل المريض/الأسير. التشابهات كثيرة، ولا غرابة فبين الشخصيتين نسبٌ أدبيٌّ لعلّه يمتد إلى دروغو من رواية دينو بوزاتي The Tartar Steppe (التي استلهمها كويتزي في تأليف "في انتظار البرابرة"). ولعل شيئًا من أسلوب كويتزي ساهم في هذا الاستحضار، لا سيما براعته في الكتابة بصوت شخصيات "مخطئة"، حاكم استعماريّ أو عسكري في دولة عنصريّة، فيُظهر ما في أصواتها من تعقيد أو أوهام دون أن تتشوّش السرديّة الأخلاقيّة؛ فلا يصل بنا إلى مرحلة التعاطف، بل إلى الفهم فحسب، إلى إدراك حماقة تلك المواقف.

لكن في الرواية  نسبًا آخر له صلةٌ بالحماقة، أو بالأحرى بتصوّرات الحماقة: نسب مايكل ك الذي يربطه باللامباليين.

لا بد أن تستحضر مشاهد رفض مايكل الطعام أو فعل أي شيء في المستشفى مشاهد رفض بارتلبي الشهيرة، ذلك الرفض المُلغز. لعلّ سير مايكل في هذا العالم المدمر المحترق بسعير الحرب والعنصريّة والاستغلال الاقتصادي، دون أي تأثّر، بل إنه ليبدو متقبّلًا للعالم، لعل ذلك يستحضر للذهن أيضًا غريب كامو أو ويليام ستونر.

لقد كانت تخطر بذهني كثيرًا عبارة مكارثي "الكتب مكوّنةٌ من كتب"، خطرت لي ليس فقط للترابط أو الاستحضارات، لكن لأنني شعرتُ أيضًا أن كويتزي أراد تفادي ما في بعض تلك الكتب التي صُنع منها كتابه (أو التي كُوّنت منها قراءتي على أقل تقدير).

يحيّرنا بارتلبي برفضه، يحيّرنا إلى حد الشك في جنونه وحماقته. لكننا حين نقرأ مسيرة مايكل، حين نفهم العالم القاسي الذي يعيش فيه، لا نستغرب رفضه الحديث أو الطعام، لقد رفض العالم مايكل قبل أن يرفضه (بل إن رفض مايكل في بعض المشاهد فيه تحدٍّ واضح). أما ميرسول الغريب فهو أبيضٌ مستعمرٌ تنبع لامبالاته من امتيازاته التي تجعله يعامل موت أمه على أنه أمرٌ عبثي لا يستدعي الحزن ويجب ألا يوقفه عن الاستمتاع بالحياة العبثيّة كلّها إلى حدّ قتل الرجل العربي بسبب ضربة شمس، وبالطبع يراه الآخرون غريبًا مجنونًا. تستمر حياة مايكل ك أيضًا بعدما تموت أمه، لكنه يرثيها، يحلم بها، يحمل رمادها إلى أرضها، يفكّر فيها، حتّى لو لم يكن رثاء مايكل يظهر للناس أو يظهر في تصرفاته (من طرائف حماقات الضابط الطبيب أنه يفهم علاقة مايكل بأمه فهمًا غربيًّا أبيض جدًّا، فيظن أن ذكراها تعذّبه عوضًا عن فهم تعقيد علاقة مايكل بها). يستمر مايكل في المسير مع أمه وبعد وفاتها لأن العالم لا يسمح له بالتوقف. شتان تجلّد مايكل ولامبالاة ميرسول. يدخل ستونر في الفئة المرفّهة بالخيارات والامتيازات ذاتها، تتقبّل صروف الدهر مقابل أن تعرف نفسك، أن تتمسك بهويتك إلى حدّ أن تُرى على أنك غريب أطوار، ويتساءل القارئ عن حماقة تقبّلك لكل ما يحدث. يقضي مايكل الرواية كلها دون أوراق ثبوتيّة، لا يعرف حقًّا أين أرضه أو بلاده، يُسلب منه حتّى اسمه في النهاية. احتمال مايكل لضربات الحياة صمود، في حين أن احتمال ستونر لضربات الحياة رفاهية.

أحب ستونر وبارتلبي، وأظن أن في قصتيهما دروسا مفيدة، لكن لكل مقامٍ مقالًا. حين نكون في ظروف تشابه ظروف ستونر ربما سيكون كل ما يشغلنا هو أن نعرف أنفسنا ونتمسّك بها، لكن في ظروف أشبه بظروف مايكل ستختلف الأولويات، وفي هذا العالم، عالم يتغلّب فيه بث مباريات كرة القدم على أخبار الإبادة، عالم لا نملك فيه أنفسنا لنتمسّك بها مثل ستونر، عالم يكون فيه رفض العالم مثل بارتلبي دون إدانته بوضوح تواطؤًا لا تحديًّا، في مثل هذا الواقع أشعر أن كتاب كويتزي تفوّق على الكتب الأخرى التي استحضرها لذهني، لأنه صوّر اللامبالاة أو البرود أو الحماقة (المفترضة أو المدعية) تصويرًا أقرب لواقع المعذبين في الأرض، تصويرًا يوضّح أنها ليست لامبالاة حقًّا، ليست حماقة، ليست غرابة أطوار، بل هي نوعٌ من أنواع الصمود أو حتّى الانكسار.

ربما تبدو الشخصيات الأخرى ألغازًا، بارتلبي، ميرسول، ستونر، تدفعنا للتفكير والعثور على الدرس أو العبرة. ليس مايكل لغزًا، بل إجابة تمشي على قدمين، المشكلة الحقيقيّة هي في إلصاق صورة اللغز به (مايكل في الرواية إما مُدانٌ بالدونيّة في أعين أغلبية الشخصيات، أو لغزٌ عصيٌّ على الفهم في أعين المتعاطفين منهم، فكأن "الغموض" هو أقصى ما يصل له هذا الفهم الذي يتوهّم لنفسه وعيًّا إنسانيًّا!).

 لعلّه غرورٌ أن أستبعد الألغاز وأعلن تفوّق الوضوح (وطبيعيٌّ هذا لمن يعشق تولستوي الواضح!)، أن ألعن – ضمنيًّا – الغموض مقابل بساطة أن نقول: هذه حقيقة العالم وهذه ظروف البشر. لعلّي في زمن الإبادة الأسود صرت أكثر حساسيّةً لمن يتعذّرون بالألغاز ليشيحوا بأعينهم عن الإجابات. لا يُلغي الوضوحُ التعقيدَ، إنه يُلغي التضليل والتغافل. لعلّنا قلنا لأنفسنا "إن بدونا حمقى جدًّا، لعلنا سيُسمح لنا بالمرور" أكثر مما يجب، لعلّنا يجب ألّا نتحامق، لعلّنا يجب ألّا نمر، لعلّنا يجب أن نتوقف أمام العالم ونواجهه... ولو مرّة!

وهذا هذا.

الأحد 5 يوليو 2026

 

لوحة المساجين لفان غوخ (المصدر Wikipedia Commons). 

يا إخوتي الذين يعبرون في الميدان مطرقين،

منحدرين في نهاية المساء

في شارع الإسكندر الأكبر،

لا تخجلوا، ولترفعوا عيونكم إلى؛

لأنكم مُعلَّقون جانبي على مشانق القيصر،

فلترفعوا عيونكم إلي

لربما، إذا التقت عيونكم بالموت في عينيّ،

يبتسم الفناء داخلي

لأنكمْ رفعتم رأسكم مرّة!

أمل دنقل

السبت، 27 يونيو 2026

كلام عن الأحلام والشرطة والآباء والأبناء

 


 كنت أقرأ في "أحلام فترة النقاهة" لنجيب محفوظ، وقد استوقفني حلمٌ أعاد لي تساؤلي عن مدى... لا أدري، مدى "صحّة" هذه الأحلام؟ لا أدري ما صحة التساؤل أصلًا. يروي محفوظ أحلامه عن نفسه، هو الأصل والنقل، وكاتبٌ مثله لا يُستغرب أن يُنقّح أحلامه، أو يستلهمها لكتابة شيء آخر، أو يتدرّع بها ليتحدث عن الحب أو السياسة مثلًا وراء حجاب سيريالي مفتوح للتأويل.

الحلم الذي استوقفني هو التالي:

حلم 232

رأيتني في الغورية وجنود الشرطة أضعاف المدنيين، ورأيت أبي قادمًا وشرطي عن يمينه وآخر عن يساره فانقبض صدري وخفت أن يكون مقبوضًا عليه، ولكنه سلّم عليَّ وقال لي: رأيتك مقبلًا وشرطي عن يمينك وآخر عن يسارك فخفت أن يكون مقبوضًا عليك.

نشأتُ في دولة بوليسيّة كغيرها من دولنا، "وكلنا في الهمِّ شرقُ"! كانت في ليبيا نُكت عن أن نصف الشعب أمن ونصفهم مخبرون. يتباهى أحد جيرانك بعمله الأمني أمام الجيران وسط صمتهم، قبل أن يغيّر أحدهم الموضوع. أمام مسجد الحي تظهر سيارة أجرة قبل كلّ صلاة، في مؤخّرتها هوائي اللاسلكي الدال على مهنة راكبي السيارة، كلّ صلاة ينزل أحدهما ويصلي ويبقى الآخر في السيارة (هل كانا يُصلّيان حقًّا؟). في الجامعة يختفي أحد أصدقائي المقرّبين  مدّة من الزمن، وحين رأيته أخيرًا وسارعت للسلام عليه، لم يبادلني التحية بل بدأني بجملة "معش تقعد معايا"، اعتقله الأمن، ولم تكن هذه المفاجأة، بل المفاجأة اكتشافنا أن رجل الأمن المكلّف بمراقبته أحد زملاء دفعتنا (هادئ إلى حدّ الخجل، كثيرًا ما كنت أعيره هاتفي لأنه ليس لديه رصيد). تصير صورة "جنود الشرطة أضعاف المدنيين" تعبيرًا عن واقع هذه الدول، لا مبالغة. واقع تتوارثه الأجيال، فيرى الابن أباه محاطًا بالشرطة ويخشى عليه، ويرى الأب ابنه محاطًا بالشرطة ويخشى عليه. كلاهما غير مقبوض عليه، لكن كليهما خائف، يتحقّق الردع بهذا الحضور، يتحقّق العجز عن فعل أي شيء بترسيخ الرعب. خوف يعرفه الآباء والأبناء، يتوارثونه. أجدادي رحمهم الله، وأعمامي وأخوالي، وأبي، وأنا، وأقارب، وأصدقاء، وجيران، كلنا لدينا قصصٌ عن الخوف، من أيام الاستعمار الإيطالي، ثم المملكة الليبية، ثم القذافي، ثم ما بعد ثورة 2011، نتوارث الخوف ونولد بصدور منقبضة، ولكننا نسلّم على بعضنا، ونحاول، قدر الإمكان، أن نخاف على بعضنا.

 لقد أخبرني صديق شاركته هذا الحلم أن الغورية "منطقة شعبيّة بها سوق كبير للأقمشة والثياب ومستلزماتها. منسوبة إلى قُنصوَة الغوري، آخر سلاطين المماليك، لو لم تحسب طومان باي (ابن أخيه). فلها دلالة كبيرة على العدد حين يقول الشرطة أضعاف المدنيين، لأنها منطقة مزدحمة غاصة بالباعة والمشترين." أكّد كلام صديقي رأيي حول عدد الشرطة، وأهداني عنصرًا آخر من عناصر حلم (أو استعارة؟) محفوظ: ارتباط القمع السياسي بتأخّر الإصلاح الاقتصادي، وهو موضوعٌ آخر يتكرّر في "أحلام" محفوظ. يقول لنا عن حلمٍ آخر:

حلم 235

رأيتني مع جماعة من الشبان نستمع إلى عثمان بوزي (أكبر صانع روائح عطرية في صباي) وهو يدعو الواقفين إلى مقاطعة البضائع الأجنبيّة، وقال لي والدي وهو متربع على سجادة الصلاة: هذا كلام جميل ولكننا لم ننتج بعد احتياجاتنا للضروريات، فقلت له: فلنبدأ بالممكن.

الأحد، 21 يونيو 2026

كلام عن البدائل والاغتراب والهمجيّة

 

هذا الكلام سيحرق فِيلمي No Other Choice (2025) وThe Secret Agent (2025)، فلعل قارئة المدونة وقارئها (إن وجدا) يتجاوزان هذا الكلام إن لم يتفرّجا على الفيليمن.

 

تحمستُ لمشاهد فيلم No Other Choice الكوري (لا خيارات أو لا بديل) للمخرج بارك شان-وك. شدتني بعض الأفلام والمسلسلات الكوريّة بحكم نزوعها إلى نقد الرأسماليّة. الممثل الأساسي في فيلم لا بديل، لي بيونغ-هن، أحد ممثلي مسلسل Squid Game الذي لا بدّ أن أكتب يومًا ما عن اتساقه في نقده للرأسماليّة. يروي فيلم "لا بديل" قصّة مان-سو: رجل يفقد وظيفته، يتقدم إلى وظيفة أخرى، ويبدأ في قتل منافسيه عليها. ينحدر الرجل اللطيف إلى الهمجيّة ويتحوّل ربّ الأسرة الجميلة التي تعيش في بيتٍ عائليٍّ متوارث إلى قاتلٍ متسلسل بسبب لقمة العيش (أو: الرأسماليّة). يقتل أشخاصًا أنفقوا أعمارهم في خدمة مصانع الورق مثله، فقدوا وظائفهم بسبب الاستحواذات الدوليّة (الإمبرياليّة) مثله، لديهم عائلات تعاني معهم مثله، لديهم بيوت جميلة تربّوا فيها قد يفقدونها مثله، يعملون في وظائف وضيعة مثله.


فيلم The Secret Agent البرازيلي (العميل السري، لكن لعل العنوان الأفضل هو المطارَد أو المتخفي) سمعتُ عنه وأوصانا به صديق (لم يشاهده!) ويمثل فيه البارع واغنر مورا. يروي الفيلم قصّة مارشيلو: رجل مُطارَد يحاول الاختباء في بلدٍ يتغلغل فيها الفساد وتنتشر فيها جرائم القتل الهمجيّة ورمي الجثث من فوق الكباري لتغرق في البحر والنسيان. شيئًا فشيئًا يكشف لنا الفيلم أن مارشيلو أستاذ جامعي رفض الانصياع لأمناء الجامعة النافذين وأطماعهم الرأسماليّة، اعترض على قطع تمويل عدّة بحوث علميّة، ورفضَ تسليم براءات البحوث التي ستدر على الرأسماليّة أرباحًا هائلة. يهرب مارشيلو، والرأسماليّة في أثره، إصبعها متأهّبٌ على الزناد. تتحكم الرأسمالية في البلاد، في جامعاتها، في جهاتها الأمنيّة (وُضع اسمه على قوائم منع السفر)، يسكر القتلة المأجورين (الذين يبحثون عنه) مع الشرطة، الرأسماليّة ليست مجرّد شركة.

في فيلم لا بديل يعيش مان-سو الأحداثَ وحيدًا. قاتلٌ متسلسل، يخطط جرائمه منفردًا، يراقب ضحاياه منفردًا، يشعر بالذنب منفردًا، يخفي مشاويره وجرائمه عن زوجته وعائلته. جانب من جوانب التوتر في الفيلم (كما هو حال القصص التشويقيّة المشابهة عن القتلة) يكمن في عزلته هذه، محاولته إخفاء جرائمه وخطورة كشف أسراره.

في فيلم المطارَد التشويق الفردي هو في وحدة الملاحقة، الموت الذي يتتبع مارشيلو ويجعله هو ذاته خطرًا على غيره، فهو لا يعاني من الوحدة التي يعاني منها مان-سو. يلوذ مارشيلو ببيت لاجئين. صاحبته عجوز ظريفة، كانت قديمًا شيوعية ثم أناركية، أو العكس (لا تتذكر ولا تهتم!)، تفتح بيتها ملاذًا لهاربين متنوّعين: مارشيلو، طبيبة أسنان وابنتها، شابٌ مرحٌ ومتوترٌ، لاجئين سياسيين من أفريقيا، فتىً منبوذٌ في العالم. يعيشون معًا، ويتلقون دعمًا من شبكة سريّة توفّر لهم النقود والمؤونة وهويات بديلة.

يعرض الفيلمان ظاهرة اغتراب الإنسان من زاويتين مختلفتين: مان-سو يُكره على فقدان حياته القائمة كليًّا على وظيفته، مصاريف بيته تتغيّر، علاقاته العائليّة تتغيّر، تُهدّد العائلة بفقدان بيتها، تضيع كرامة مان-سو في استجداء الوظائف، تضيع إنسانيته ذاتها حين يلجأ – لانعدام البديل – إلى القتل. يغترب مان-سو تمامًا عن إنسانيته في محاولاته أن يحتفظ بحياته الاقتصاديّة والاجتماعيّة. أما مارشيلو، وبقية اللاجئين ومن يعاونونهم في فيلم المطارَد، فهم مغتربون عن المجتمع، إما لاجئون من ولاية برازيليّة إلى أخرى أو من دولة إلى أخرى، أو مقيمون في مجتمعهم لكن حياتهم الظاهرة ليست حياتهم الباطنية (الشبكة السريّة التي تساعد مارشيلو والآخرين). ربما أوضح رمزيّة للاغتراب، لا سيما في حالة اللاجئين أمثال مارشيلو، نراها في تخلّيهم مُكرهين عن أسمائهم الحقيقيّة، مارشيلو اسمٌ مستعار.

السبت، 13 يونيو 2026

كلام عن النشر والاستياء ودوستويفسكي ودوستويفسكي ودوستويفسكي و...

 

أصدرت دار التنوير طبعات جديدة لترجمات سامي الدروبي لأعمال دوستويفسكي. وأصدرت مكتبة جرير طبعات جديدة لترجمات سامي الدروبي لأعمال دوستويفسكي. وأصدر متجر عصير الكتب طبعات جديدة لترجمات سامي الدروبي لأعمال دوستويفسكي. أصدرت دار إسكرايب طبعات جديدة لترجمات سامي الدروبي لأعمال دوستويفسكي. هذا ما بلغنا حتّى تاريخ هذه الكتابة، والحبل – بلا أدنى شك – عالجرّار.

 لقد تنبأ البعض بهذه الموجة الإصداريّة منذ سنوات: بمجرّد أن تسقط حقوق ترجمات الراحل الدروبي، ستسارع دور النشر إلى طبعها. فما سبب الاستياء المنتشر بين الناس؟ أهي القواعد الرأسماليّة المعتادة التي تلتزم بها شركات ومحلات رأسماليّة في عالمنا الرأسماليّ؟ الأغلفة القبيحة لبعض الطبعات؟ تحوّل الفن إلى سلعة ينادي بها الباعة في السوق؟ واقع أن سوق الكتب لا يختلف كثيرًا عن سوق الخضار؟

الأسباب كثيرة، بعضها ربما نقول بتعالٍ (لديَّ وعيٌّ ذاتي، لا داعٍ للقلق) إنها ليست مفاجئة، وحتّى إن لم تفاجئنا فهي تبرّر الاستياء. ولأن هذا عصر خضوعنا للخوارزميات واستياؤنا مما يستاء منه الآخرون، فلا بد أن أستاء أنا أيضًا لصدور هذه الطبعات الجديدة لأعمال كاتب لا أحبّه أصلًا ولا يهمني ولا أدري أما زال في عالمنا العربي أناسٌ لم يقرأوا أعماله؟ فإذن كيف يحبه الجميع ويقتبسونه بسرعة البرق؟! لكن الأجيال تتداعى، فهذا كلام كُرهٍ غير عقلاني.

على كلّ حال، لعلّي أستطيع أن أضيف إلى أسباب الاستياء: سرعة إصدار ترجمات الدروبي في طبعات جديدة دون إضافة أي شيء سوى أغلفة جديدة وأسعار غالية.

ليس غريبًا أن تُطبع الأعمال التي سقطت حقوقها مرارًا وتكرارًا. دار البطريق البريطانيّة تطبع وتعيد طباعة ترجمات الزوجين مود الإنجليزيّة لأعمال تولستوي (الكاتب الجدير بالحب والاهتمام حقًّا، لكن الله غالب). لكنها نشرت وتنشر ترجمات إنجليزيّة أخرى (روزماري إدمُندز، أنثوني برِجز، بيفر وفولكُنسكي، إلخ). فلماذا لم يستغل الناشرون هذه الهبّة لتنافس السوق بترجمات جديدة؟

ولماذا لم يتوقفوا قليلًا مع ترجمات الدروبي رحمه الله ويصدروا ترجمةً منقّحة؟ وهو ما فعلته دار رادوغا الروسيّة التي أصدرت ترجمات الدروبي بمراجعة أبو بكر يوسف (وهي حسب علمي طبعات نادرة ونافدة)، وقد مرّ بي سابقًا مقارنة لأحد القراء مدح فيها طبعة دار رادوغا. فما الضرر من إمكانية تحسين ترجمات الراحل الدروبي؟ لقد ذكرتُ الزوجين مود، وهما من أبرز مترجمي تولستوي، ربطتهما به صداقة قريبة ومدح ترجماتهما وباركها، ومع ذلك لا تنتقص المراجعة من ترجمتهما الجميلة المهمة، بل ترتقي بها أكثر، وهو حال طبعة ترجمتهما الإنجليزيّة للحرب والسلام الصادرة عن جامعة، فقد صدرت بمراجعة أستاذة الأدب المقارن إيمي ميندلكر وتعليقاتها، وهي الترجمة الإنجليزيّة المفضّلة عندي للحرب والسلام.

يا سيدي لا داعي للتنقيح، ولعل في هذا مشاكل قانونية مع الملكية الفكريّة أصلًا. ماذا عن إصدار جديد لترجمة الدروبي مع مقدمة؟ مع حواشٍ؟ مع أي إضافات فنيّة، لوحات أو خرائط أو أي شيء؟ ولا حتّى ربع إضافة؟ بصراحة لا أعرف إن كانت النسخ الجديدة تخلو تمامًا من الإضافات، لكن حسب صور الأغلفة والإعلانات فلم يذكر أحد أي إضافات أو مراجعات أو مقدمات.

ولا داعي لأن نتحسّس مثلًا من الاستشهاد بتصرّفات دور النشر الأجنبيّة في الغرب الرأسماليّ المتوحّش، لأن إعادة إصدار الكتب التي ليس لها حقوق فكريّة شيء عادي وطبيعي ودارج عندنا في عالم النشر العربي، تحديدًا في الكتب التراثيّة. نحن نبحث عن دواوين الشعراء بإصدارات دور نشر معيّنة لأن تحقيقها أفضل وحواشيها أفضل، نبحث عن الجاحظ بتحقيق عبد السلام هارون، رسالة الغفران بتحقيق بنت الشاطئ، الجرجاني بتحقيق محمود شاكر. نستفيد من المقدمات والحواشي، نستنكر أخطاء تلك الطبعة، نمدح إضافات تلك. الأمر ليس من أعاجيب الفرنجة التي نعجز عن الإتيان بها.

إن هيمنة ترجمات الدروبي طبيعيّة، وقد ذكرتُ استمرار صدور ترجمات الزوجين مود بالإنجليزيّة لتولستوي مثلًا، ولذلك لا غرابة في أن تميل دور النشر إلى المراهنة على الرائج والمقبول، ولا غرابة في أن يميل القراء إلى هذه الترجمات التي لا تخلو من جمال. لكن لا ضرر من فتح الباب لمترجمين ومترجمات جدد. ليست لدي خبرة كبيرة في هذا المجال، لكنني أعلم مثلًا أن ترجمة هفال يوسف لرواية الحاج مراد ممتازة، وبلا شك لا تخلو الساحة العربية من مترجمين ومترجمات عن الروسية يستطيعون الإضافة إلى المكتبة العربية، دون أن يُرى ذلك على أنه هرطقة تمس بقداسة الدروبي والجهيم مثلًا. ولا ضرر من إضافات إلى الطبعات الجديدة تميّزها وتمنح القراء شيئًا جديدًا. كثيرًا ما أختار طبعة معينة لكتابٍ ما لأن له مقدمة من كاتبٍ أو كاتبةٍ يغريني الفضول إلى معرفة رأيهما في الكتاب أو أثق فورًا بأنهما سيضيفان إلى فهمي ومعرفتي. لعل دور النشر لا تستطيع التدخّل في تنقيح أو تعديل ترجمات الدروبي، لعلّها تتردد من المراهنة على مترجمين جدد، لكن ما الذي يمنعها من إضافة مقدمات تلقي الضوء على معاني الكتب وسياقها التاريخي وآراء الناس فيها؟

أظن أن سبب استيائي يتبلوّر في أن هذه الهبّة لنشر طبعات جديدة من ترجمات الدروبي لدوستويفسكي تلقي الضوء على مشكلة راسخة في عالمنا الثقافي، عدم احترام القرّاء والقارئات، بل عدم احترام الأدباء (كتّابًا ومترجمين) والكتب ذاتها. كلنا "قوى شرائيّة مستهدفة" وكل الكتب "سلع". المشكلة أن الرأسماليّة الملعونة، التي لا بد أن تحتقرنا وتقنعنا أن نحتقر أنفسنا، تعلم أحيانًا أن في الاختلاف أفضليّة تساعدها على التنافس في السوق تنافسًا أقوى حين تعرض على "الجمهور المستهدف" سلعةً فيها إضافات أو اختلافات. بل لا داعي للحديث عن الرأسماليّة، إن أبسط بائع متجوّل في الشارع يعرف ذلك. وحتّى إن كانت الرأسماليّة أو البائع المتجوّل نصّابين، فإن النصب في النهاية فيه احترام أكبر لهدف النصب! احترام يرى أنه يجب خداع هذا الهدف واستمالته بمزايا أكثر ليشتري.

الموضوع ينتهي نهاية سوداويّة، كلنا منصوبٌ علينا. لكنني أظن أن السوداويّة أهون من المثاليّة الفنطازيّة التي تتخيّل دور نشر تهتم فعلًا بالثقافة والأدب والفكر والقرّاء والقارئات، لا سيما في يومنا هذا مع انحدار مستويات القراءة وتشتت التركيز. لعلّ سوق النشر في مرحلة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولعلّ طبعات دوستويفسكي الجديدة تساعد هذه الدار أو تلك على كسب ما يكفي من أجل الاستمرار، مصدر يساعد على الاهتمام بالثقافة، ربّما ولعل.

خطرت ببالي دار نشرٍ شيوعيّة تنشر نسخًا إلكترونيّة مجانيّة من الكتب مع خيارات شراء نسخ ورقيّة لمن يشاء، ومقدمة صنع الله إبراهيم لنسخ أعماله التي نشرتها مؤسسة هنداوي إلكترونيًّا مجانًا، وحديثه عن حلمه صغيرًا بأن تكون الكتب بالمجان. أحلام وعوالم مختلفة، لعلّ المثاليّة ليست فنطازيّة...

وهذا هذا...

12 يونيو 2026 

 

رواية المقامر لدوستويسفسكي طبعة دار رادوغا (المصدر)

الجمعة، 5 يونيو 2026

عن الخيال العلمي والواقع، واستحالة الحركة والوصول، والمشي بخطوات هادئة


كيف تُخفق في كتابة قصّة خيال علمي

"قلتُ لحسام مرَّةً إنه من ضروب المستحيل أن يفهم أحدٌ، أيُّ أحد، الآخر."

عيادة الأدب الرديء، ص33

ماذا سيكتب رجل أمنٍ متقاعد إذا قرّر كتابة قصصٍ قصيرة؟ الإجابات عديدة، ومن بينها إجابة ربما تؤدي إلى "آه، صح والله!": قصص الخيال العلمي. جنسٌ أدبيٌّ ملائمٌ لمن يرغب في تمويهٍ مجازي، مثلًا رجل أمنٍ تقاعد بعد عمرٍ في المنظومة الأمنيّة، يتحدّث عن إمبراطوريّة فضائيّة لا الحاكم، عن قراصنة فضائيين يخطفون الناس من أسرتهم لا المخابرات، عن فيروسات تلتهم العقول لا خطاب حكومة قائم على التضليل، وهلم جرًّا. الخيال العلمي ستارٌ رمزيٌّ ملائم. هذا ما حاوله المؤلف نديم عليمات في مجموعته القصصية "الطريق إلى تحت". تبدأ قصته الأولى، التي تحمل المجموعة اسمها، بأخبار غزوٍ فضائي نكتشف أنه ربما كان مجرّد تضليلٍ حكومي.

فهل كان نديم عليمات يحاول أن يكتب قصّة خيال علمي؟ أظن أنه حاول أن يتخيّل، ولكن يبدو أن نير الواقع محكمٌ حول عنقه.


في قصتي "الطريق إلى تحت" و"بحثًا عن الجمال العظيم" ملامح خيال علمي، محاولات لتخيّل شيء يتجاوز العلاقات الاجتماعيّة والقمع الحكوميّ والهوس الأدبي. لكن المؤلف سرعان ما يفقد بوصلته، إن كان يقتدي بواحدة أصلًا. في قصّة "هيستريا" يُسخّر المؤلف، بشجاعةٍ طريفة، عقدته مع الخيال العلمي. يحضر بطل القصة صفًا جامعيًّا عن أدب الخيال العلمي ثم يكتب قصةً لا علاقة لها بالخيال العلمي! لعل المؤلف يريد أن يقول لنا: لقد حاولت أن أتخيّل، أن أُشفّر، ولكن ثمّة أمور أهم من الكائنات الفضائيّة الخضراء. يقول ذلك صراحةً في "هيستيريا" على لسان طالب الأدب: "لستُ مرتاحًا في كتابة شيء "غير واقعي"" (ص130). يسأل الطالب المحاضِرة: "أليس ممكنًا أن نكتب خيالًا علميًّا، دون أن ينتمي المكتوب إلى الخيال العلمي، على الأقل للوهلة الأولى، أو... قد لا ينتمي له على الإطلاق؟" (ص131). هذا الإخفاق (المتعمّد) نراه بوضوح في القصّة التي ذكرتُ أن بطلها كتب قصّة لا تمت بصلة إلى الخيال العلمي (السياسة أكثر حضورًا في القصّة)، كما نرى ملامحه في قصة "بحثًا عن الجمال العظيم" التي تُطرح فيها مسألة جدوى الفن في مواجهة الواقع، كما تُطرح فيها مسألة الشجاعة السياسيّة أيضًا حينما ينتقد حسام عليمات (سنعود لحسام الذي يشارك المؤلف لقبه) جُبن الفنان فادي أبو وردة في مواجهة الواقع السياسي. في القصة ذاتها تغمر حسام عليمات نشوة حينما يستمع لأغنية سياسيّة تنتقد الوضع القائم.

يحضر موضوع الأمن والسياسة في أربع قصص من قصص المجموعة الخمس. وهو موضوعٌ لنا أن نسقطه على تفاصيل أخرى أيضًا: هوس الشخصيات بالمسموح قوله والممنوع؛ التفكير المفرط؛ القلق والهلع. أعراض طبيعيّة ومتوقّعة في علاقات الحب والصداقة ومسائل الصحة العقلية، ولعلّها تنبع من السياسية أيضًا، صح؟ كلنا رقيبٌ على ذاته في عالمنا المخنوق، كلنا نفكّر بإفراط في كلّ تصرفاتنا وفي كلّ ما نكشفه للناس وللحكومة. لم يخطر الأمر ببالي من قبل، ولكن ما أشبه هواجس العلاقات الاجتماعيّة بهواجس العيش في دولٍ بوليسيّة.

وإن كان نديم عليمات يُخفق في كتابة قصة خيال علمي بسبب الحاجة إلى الحديث عن شيء أهم، أفكل ما يتحدث عنه هو السياسة؟ من الواضح أن خواطر المؤلف موشومةٌ بتاريخه الأمني: التفاصيل الحميميّة عن تصرفات رجال الأمن في قصة "تقرير عن الفن المفاهيمي"؛ التضليل الحكومي في ثلاث قصصٍ من المجموعة؛ تكرار صورة امتلاك السلطات الأمنية يد الكاتب ("أفهمناهم أن يدهم الأخرى تصير ملكنا مجرّد أن يشتغلوا معنا..."(ص189)، "هات يديك، هاتهما ولا تخف. هل تراهما؟ هاتان اليدان لي، أصابعك النحيلة، عقلك، مشاعرك، كلّها لي..." (ص243))؛ اليأس من الحراك الجماهيري وعقم المظاهرات؛ وبعض الجرأة، بعض الأمل الذي نلمحه في قصة "بحثًا عن الجمال العظيم". لكن شيئًا آخر يتكرّر في كلّ القصص: ابنه، حسام عليمات.

القصص كلها من جنس الأدب المافوقي أو meta-fiction (ما فوق أو ما وراء النص). تعريفات الأدب المافوقي كثيرة، أبسطها أن النصّ واعٍ بأنه نصّ، كأن يخترق النصُّ نفسه ويخاطبنا مباشرةً، أو أن يحيل إلى ذاته أو إلى مؤلّفه. في قصة "عيادة الأدب الرديء" يُذكر نديم عليمات بوصفه مؤلف المجموعة القصصيّة ذاتها. في قصّة "هيستريا" تشير شخصية إلى قصّة "بحثًا عن الجمال العظيم" وتنسبها إلى حسام عليمات. وفي أوضح تطبيق للمافوقيّة، يخاطبنا المؤلّف "المتخيّل" في أكثر من موضع، يشككنا مرّةً إن كان راويًّا عليمًا، ويفكّر في وصف شخصية بأنها حزينة، ينتقد تصرفات إحدى الشخصيات لأنها لا تعرف أنها في قصة، يموّه مصادر معرفته بالأحداث (وفي القصّة ذاتها يُنسب له قول "لا تخفي مصادرك"!). القصص واعية بأنها قصص، واعيةٌ بعالمها الذي تعيش فيه، بكل أحداثه وشخصياته المتكررة عبر النصوص: فادي أبو وردة، ونذير ملكاوي، وصدام القرعان، وجميل بك، ومصطفوي، إلى جانب حسام عليمات طبعًا، المؤلّف "المتخيَّل" للقصص. هذا العالم المتداخل ربّما يوهمنا أن الكتاب رواية، ولكن لدي معلومة مؤكّدة أنه ليس كذلك (ومثلما يفعل الراوي في إحدى القصص، فسأقول إنني لن أكشف مصادري الآن!). إضافةً إلى ذلك، في كلّ القصص مستويات من السرد: "الطريق إلى تحت" فيها ثلاثة أصوات، أحدها حسام عليمات؛ "عيادة الأدب الرديء" بصوت حسام عليمات ويتوسطها نص لإحدى الشخصيات، وتُختتم بإلحاق مقابلة مع حسام عليمات الحقيقي (!)؛ "هيستريا"، وربّما يصعب عليكم تصديق ذلك، تروى بصوت حسام عليمات، وتتضمن محاضرة عن أدب الخيال العلمي لأستاذة فنلنديّة، ونصوص لنذير ملكاوي؛ "بحثًا عن الجمال العظيم" صوت سردي واحد، وهو بالطبع حسام عليمات، لكنه يروي قصته وقصة فادي أبو وردة كما رواها له، وتتخللها بيانات وتدوينات وتعليقات؛ "تقرير عن الفن المفاهيمي" فيها صوت سردي واحد ربما، هل حزرتم؟ صح، حسام عليمات، ولكن تتخللها مقابلات ورسائل وفصول من مسرحية لشخصيات أخرى.

هذا النمط المافوقي يدفعني لتخيّل أن نديم عليمات أراد أن يكتب كثيرًا، أن يتخيّل، أن يتعمّق، ربما أراد أن يستكشف هويةً من عدّة زوايا، الكاتبة، الفنان، الأستاذة الجامعيّة، المعالَج نفسيًّا، ضحية رجال الأمن، الطالب، العاشق المتوتر، المغترب، القارئ، الكاتب... لو كان نديم عليمات يشبه أبطال قصصه لقلتُ إنه ربّما فرط خيط هويته ونثر حبّاتها المتعدّدة في نصوص متداخلة، وجلس يلقطها ويتأملها. النتيجة أسلوبٌ مافوقيٌّ مميز، يلف ويدور في فلك هويات متداخلة. لكن حسب ما تكشفه لنا النصوص عن نديم عليمات هذه "الهويات" لا تشبهه، أو على الأقل أغلبها لا يشبهه. فما الذي لف نديم عليمات حوله ودار؟ من الذي يمكن أن تنتظم كلّ تلك الشخصيات في خيط هويته؟

وهنا أعود إلى ما قلته قبل فقرتين: ابنه، حسام عليمات.

الأربعاء، 27 مايو 2026

كلام عن القارئة الأولى وخلود النصوص وأفلاطون مرّةً أخرى


زوجتي قارئتي الأولى. لا أعني أنها أوّل من يقرأ نصوصي (وهي في الأغلب أوّل من يقرأ)، لكنني الآن أقصد أسبقيتها إلى قراءةٍ أعمق وأنفذ، أنها أوّل من يقرأني بكلّ معاني القراءة: أوّل من يقرأ الفكرة ربّما من قبل أن تتبلوّر في خاطري، أوّل من يقرأ مقصدي بالكتابة وغايتي منها، أوّل من يقرأ نصوصي من قبل أن تُكتب (لأنني أصدّعها بالحديث عنها!)، وأوّل من يتأوّل نصوصي ويعثر على معانيها حتّى لعلّها تسبقني إلى ذلك. وهذا ما حدث عندما قرأتْ خاطرتي السابقة.

سألتني: لما لم تذكر المُثُل الأفلاطونية؟ أليس هذا معنى ما اقتبسته في خاطرتك حول سعي الرجلين إلى تذكّر نص مفقود، ووصف ما ينتج عن تذكّرهما بأنه "النص الحق"؟ سألتني ببساطة عابرةٍ، وكأنها تتوقع أن أقول لها: آه، بالطبع لقد كان الأمر في بالي طيلة كتابتي خاطرة في مركزها "جمهورية أفلاطون"! كل ما في الأمر أنني فضّلتُ أن أختزل النصَّ قليلًا، فهي مجرّد كتابة سريعة. سألتني كأنها التقطت فكرةً وقعت مني سهوًا، تقول "أهذه فكرتك؟" وهي تناولني المُثُل الأفلاطونيّة.

كانت ردّة فعلي صدمة إدراك! لم يخطر ببالي أفلاطون نفسه عند كتابة ذلك الكلام! ولكن كيف غاب عني عالمه المثالي؟! فكرته عن عالمٍ سابقٍ عرفنا فيه كلّ شيءٍ وما عالمنا الراهن إلا تذكّر، هي في صميم ما كتبت عنه في الخاطرة السابقة (كلام مينار عن تذكّره الكيخوته أراه الآن تطبيقًا لمثل أفلاطون، وعناء التذكّر في فهرناهيت 451).

أسرعتُ إلى الأمانة التي أودعني إياها ذاك الصديق، قلّبتُ نصوصها حتّى وقعتُ على نصٍّ نظريٍّ في النقد الأدبيّ جاء فيه:

"ثم إن هذه الرؤية الشاملة تتجاوز الخصوصيّة العربيّة. فإذا هي فكرةٌ عالميَّة (...) كان بيكن الإنجليزي قد استشهد بما قاله سليمان الحكيم من أنه "ليس تحت الشمس جديد"، وبتصوّر أفلاطون للمعرفة أنه "كل معرفة ليست إلا تذكّرًا"؛ ليغلق بيكن حلقة استشهاداته من حيث بدأ، أي بسليمان ثانيةً، بقوله بأن: "كل جِدَّةٍ ليست سوى نسيان"..." [يقصد المتحدّث (أم المحدّث؟) بالرؤية الشاملة عملية التأليف في التراث العربيّ ودورانها حول الكتابة والحفظ والحديث والسماع والكتابة إلخ. يستطرد المحدث بعد ذلك في كلامٍ يستحضر قول بورخس "ما أفتأ أتوصَّلُ إلى الأشياء بعدما تطالعني في الكتب"!]

كأن زوجتي تذكرت المعرفة الأفلاطونيّة نيابةً عني. كان نسياني الجدّة المتوهّمة وتذكّرها المعرفة الشاملة. فكانت زوجتي القارئة الأولى بمعنى أفلاطوني، تتذكّر معرفةً سابقة نسيُتها! لي أن أتحدث هنا عن الحبّ، عن هذه الرفقة التي لا تميّز بين قلبين أو خاطرين، تخطر لي الفكرة في ذهنها، وتتذكر هي قراءاتي السابقة، أنظم النصَّ وتمنحه معناه، أبدأ الكتابة وتختمها. لكنني أريد أن أبقى مع دهشةٍ أثارها كلّ هذا...

عندما قرأتُ أوراق تلك الأمانة مررتُ على مقالاتٍ عن طبيعة النصّ والقراءة والتأليف، شعرتُ بمبالغاتٍ أدبيّة في التنظير، شطحات فلسفيّة، ألاعيب برخسيّة أو فرويديّة، تستلهم أفكارًا أدبيّة لكنها لا ترتقي نظريات يُقاس عليها بإطلاق. لكنني حينما وصلتُ إلى بعض التقارير التي تسجّل أحداثًا وشهادات، وحتّى بعض القصص التي تخلط الواقع بالخيال، صرتُ أرى تلك الأفكار التي تبرّمتُ منها أو شككتُ فيها تتجسّد واقعًا، فإذا بالنصوص تمشي بيننا، والحفظ والرواية والترجمة (بل والقراءة ذاتها) بانت لي أشكالًا لخلودٍ فريد لا تحققه إلا النصوص. بل إنني عدتُ إلى مقالة مينار وكيخوتته أُحلّلها بتلك الأفكار وكأنها نحوٌ أو منطقٌ مستقرٌ (وكلاهما علمٌ لا باع لي فيه، لكن نقول على المجاز وقد علمنا أن الأمر ليس كما نقول!). صار تذكّر الرجلين اللذين يسترجعان نصًّا مفقودًا "النصّ الحق" فعلًا؛ تجسّدت الأمانة واقعًا بعد أن كانت ورقًا؛ تذكّر مينار الكيخوته؛ تحوّل ذاك الحافظ "جمهورية أفلاطون"؛ تذكرت الزوجة ما نساه الزوج... ويجري النهر...

ختمتُ تلك الخاطرة بإشارةٍ (شيوعيّةٍ بطبيعة الحال) إلى جماعيّة هذا الخلود: يتحقّق بتكاتفنا جميعًا:

"لا أحد يستطيع الخلود، أنا وأنتِ وأنتَ لا يستطيع أيٌّ منَّا الخلود، لكننا نستطيع خلود النص، أي حفظه، استمرار جريانه، تحولّه هو إلى الوعاء الذي ننسكب نحن فيه، لا يستمر النصّ إلا بنا، ولا يجري إلا بنا، هو منبعنا ومجرانا ومصبنا، كلنا جمهورية أفلاطون، كلنا الشعر، كلنا الليالي."

هذه العملية الجماعية تقودنا إلى إنتاج "النص الحق"، مُثُل أفلاطون التي لم أكتبها لكن زوجتي قرأتها، يعيش دون كيخوتي أحداثًا فيسجّلها سيدي حميد بن الأيل ويترجمها سرفانتس ويتذكّرها مينار ويمدحها بورخس، الليالي المؤلّفة ومؤلّفوها المؤلّفون، يعيش النص لأنّ عمله لا ينقطع.

صباح اليوم، شاءت "الصدف المدبّرة" أن أقرأ قصيدةً لبرخت عنوانها "لمَ يجدر باسمي أن يُخلّد؟"، يعدّد ما يظنه الشاعر أنه سيحفظ اسمه "في الأزمان البعيدة / بعد أن تهدّمت المباني التي عشتُ فيها / وتآكلت السفن التي سافرت بها"، يذكر معارضته الظلم ووقوفه مع الناس وثقته بهم وكتابته وتعليمه، ثم يقول:

"ولكنني اليوم

أتقبّل أن اسمي سيُنسى.

لمَ يُنادى الخبّاز إذا كان لدينا ما يكفي من الخبز؟

لمَ يُمدح الثلج الذي ذاب

إذا كان ثلجٌ جديدٌ على وشك الهطول؟

لم يجب أن يكون ثمّة ماضٍ

إن كان هنالك مستقبل؟"

 

لعلّ بريخت قصد التضحية الثوريّة في سبيل المستقبل، أسماؤنا ليست مهمّة ما دام الحلم تحقّق. ولكن هذه القصيدة أعادت لذهني قصيدةً أخرى لبريخت "عن كيفية بناء أعمال دائمة"، يقول فيها:

"إلى متى تدوم الأعمال؟

تدوم ما لم تكتمل؛

فما دامت الأعمال تحتاج إلى مجهود

لن تتلاشى.

تدعو إلى المزيد من العمل،

تكافئ المساهمة،

وجودها مستمرٌ ما استمرت

دعواتها ومكافآتها.

الأعمال المفيدة

تحتاج إلى الناس

(...)

من يمنح الأعمال دوامها؟

أولئك الذين سيكونون أحياءً حينها.

من تختار ليبنوا المستقبل؟

أولئك الذين لم يولدوا بعد.

عندما قرأت قصيدة دوام الأعمال أوّل مرّة، وجدتُ فيها، إضافةً إلى المعنى الشيوعيّ، معنىً أدبيًّا: الكتابة عملٌ مستمر، لا أريد كتابة مقالة أو خاطرة وينتهي الأمر، فلا داعي لأن أكتب كل الأفكار في مقالةٍ واحدة، العمل مستمر والنظر مستمر، ستدوم الكتابة ما احتاجت إلى مجهود. أرى القصيدة من زاويةٍ جديدةٍ الآن، امتدادًا لفكرة خلود النص التي ألهمتني إياها (أو ربما التهمتني بها؟) تلك الأمانة: يدوم النصُّ ما استمرّ يدعو الناس إلى القراءة والترجمة والتأويل والإحالة والتأليف والحفظ والتذكر، وبه يدوم الناس. يدوم النصُّ ونصير كلّنا جزءًا منه، حتّى يُنسى اسم المؤلّف أحيانًا. وهنا لعلّي أعود من جديد إلى بورخس الذي يقول:

"كثيرًا ما أجد أنني [حينما أكتب] لا أفعل سوى اقتباس شيءٍ قرأته منذ زمن، فيصير الأمر إعادة اكتشاف. لعلّ الأجدر أن يبقى الشاعر بلا اسم."

نتيجة بورخس، ولو كانت في خدمة النصّ والإبداع، تشابه نتيجة بريخت الملتزمة سياسيًّا: شاعرٌ يرضى أن يُنسى اسمه وتبقى قصيدته بعد أن يتهدم ويتآكل كلّ شيء.

ولكن لعلّ النصَّ نفسه يُنسى؟ 

لعلّ هذا مستوىً آخر من الأمر، نسيان النصّ في سبيل إنتاجه من جديد، في سبيل "بشارة غامضة بكتابٍ لم يُؤلّف بعد". نسيتُ مُثُل أفلاطون، لكن هل نسيته فعلًا وأنا أكتب تلك الخاطرة التي تجري فيها فكرته عن التذكّر؟ هل نسيته فعلًا أم كنته دون أن أدري، حتّى تذكرته زوجتي نيابةً عني؟ فكانت الأمانة وأصحابها أفلاطون، وكنتُ أنا أفلاطون، وكانت زوجتي أفلاطون، وكلنا أفلاطون، كلنا بورخس يقتبس ما نسي، كلنا التوحيدي يحرق كتبه ويراجعها (وهذه مقابلة جديدة مع فهرنهايت 451 نسيتها ولم أنسها)، كلنا مينار يتذكّر الكيخوته ليؤلفها، كلنا حفظة الشعر الذين ينسون أسماء الرواة. نحن نهر الحياة الذي تنمو على ضفافه أشجار الخلود، خلود النصوص، وهو خلودٌ يحتاج إلينا، حتّى إن لم نتذكّر الأسماء...

وهذا هذا.

وكل عام ومن يقرأ أو تقرأ الخاطرة اليوم بألف خير...

26 مايو 2026.


 

الأربعاء، 13 مايو 2026

كلام عن النصوص والحفظ وجمهورية أفلاطون

 

سلّمني صديق أمانةً لأقرأها، نصوصاً مجمّعة غير منشورة، مخطوطات لقصص وأفكاراً أو ربّما هي خريطة. لعلَّ في حديثي عن الأمانة خيانة لها، لكنني سأحاول التمويه قليلًا، أصديقٌ من سلّمني هذه الأمانة المرهقة أم عدو؟ كتابٌ أم خريطة؟ قصصٌ أم قصّة؟ خيالٌ أم فلسفة؟ هل أكشف أسماء أصحاب النصوص أم أقطّعها حروفًا؟ لعلّ صاحب الأمانة لن يغضب إن قرأ هذه الخاطرة يومًا، أو لعلّه قارئها الأوّل؟ هل أقصد أنه حقًّا أوّل من سيقرأها، أم أنه القارئ الأوّل لأنه أصلاً صاحب الأمانة التي أدّت إلى هذه الكتابة؟ لا أحد يدري!

والآن وقد فرغتُ من هذا التمويه الفاشل، كنتُ أقرأ في الأمانة نصًّا عن نصوصٍ مفقودة، يحاول شخصان استرجاعها بالذاكرة "أما النصُّ، فينسال بطيئًا من ذاكرتهما إلى الورق… هذا هو النصُّ الحقّ." لنرمز إليهما بالحرفين ياء وطاء. يصفُّ النصُّ عمل ياء وطاء الدؤوب: "راحا يجتران النص مما داخَلَهما منه، مقتطفاته العالقة والمؤثرة. صار هذا عملهما بل همها اليومي، أن يتسقَّطا النص من ذاكرتهما، خالصًا من شوائب ذاتية كالخلط والنسيان والهوى بل الفهم..." حين قرأتُ هذه الفقرة عن عمل هذين الرجلين وجدتني أتذكّر روايةً لم تخطر ببالي منذ زمنٍ بعيد، انسلّت نهايتها من ذاكرتي: فهرنهايت 451.

في نهاية فهرنهايت 451 يمضي مونتاغ وهو يُردّد لنفسه آية من الإنجيل، يستحضر نص الكتاب الذي عثر عليه وحماه. تخيّل راي برادبري في روايته مستقبلًا ديستوبيًّا كف الناس فيه عن القراءة، ضاعوا في عالمٍ استهلاكيٍّ يُلهيهم بسرعة إشباع رغباتهم، عالمٍ صارت فيه الكتب مُحرّمةً، ورجال المطافئ صارت وظيفتهم البحث عن الكتب وحرقها (بالإنجليزيّة اسمهم رجال النار firemen فالاسم يلائم تحوّل مهنتهم). وفي خضم هذا العالم الاستهلاكي الراكض بجنونٍ نحو هاوية الحرب النووية، يعيش في الخفاء معارضون رُحّل، مثقفون وقارئات، فلاسفة وعالمات، أساتذة أدبٍ وكاتبات، وسيلتهم في المقاومة هي استظهار الكتب والنصوص. حين يلتقي مونتاغ، رجل المطافئ المنشق، بمجموعةٍ من هؤلاء الرحّالة الحفظة، يحدّثه أحدهم عن حفظهم الكتب. يستغرب مونتاغ، فيقول له الرجل نحن حارقو كتب أيضًا، نحفظها ثم نحرقها، فلا تجد السلطات دليلًا لاتهامنا.

الحفظ فعل مقاومةٍ، مقاومة السلطات ومقاومة ضياع الكتب والنصوص في محرقة الانهيار الاجتماعيّ. إذن طبيعي أن تستحضر ذاكرتي هذه التفصيلة من فهرنهايت 451، خاصةً أن وصفها لعناء التذكّر من أشدّ التفاصيل التصاقًا بذهني، قلق ومخاوف مونتاغ من عجزه عن الحفظ ومحاولاته المتكرّرة (شوكةٌ بَرَتْْها عقدةٌ نفسيّة عند قارئ يخشى نسيان ما يقرأ بلا شك). لكن الفقرة السابقة من الأمانة التي أعطانيها صاحبها، عن مجهودات ياء وطاء في استرجاع نصٍّ مفقود، لم تكن عن مجرّد الحفظ أو استعادة المفقود، فمن سجّل الأمر علّق تعليقًا مثيرًا للاهتمام: "هذا هو النصّ الحق". كيف يكون عناء التذكّر الصافي هو النصَّ الحق؟

لعلّ السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل حفظ النصوص مجرّد حفظ؟ وعاء أو خزانة؟ وهذا السؤال يشي بسؤال آخر من ورائه: ما طبيعة النصوص في عالمنا؟ أهي "كنوزٌ أدبية" تُدفن على الأرفف؟ سبائك ذهب في مخازن المكتبات؟ لعلّه من البديهيٌّ أن نقول مثلًا، على نحوٍ لا يخلو من رومنسيّة، إن النصوص أقرب ما تكون إلى أناسٍ، أفراد يمشون بيننا ويعلِّموننا ويؤثّرون فينا، ويتناقل تأثيرهم من شخصٍ لآخر. بهذا المعنى حفظ النصوص يعني استمرارها، خلودها إن جاز لنا التعبير، لا استيعابها في وعاء الذاكرة فحسب. لا بد أن أوّل ما قد يخطر ببال عربيٍّ مسلمٍ مثلي "إنا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون"، هل القرآن أبرز مثالٍ على كتابٍ محفوظٍ حفظ الاستمراريّة؟ أظن أن حفظ الصدور، هذا التمظهر الإنسانيّ لمعجزة الحفظ الربّاني، مثالٌ قوي على طبيعة الحفظ الاستمراريّة، لكنه مثال يصعب التمثّل به ومناقشته في مساحةٍ قصيرة (ولا يبعد عنه الحديث والسنة). لعلّ المثال الذي يناسب هذا الكلام أكثر هو رواية الشعر وحفظه.

 حين يلتقي مونتاغ بأولئك الحفظة الصعاليك في فهرنهايت 451 يقول له متصدرهم: "هل تحب، يومًا ما، يا مونتاغ، أن تقرأ جمهورية أفلاطون؟" يجيبه مونتاغ "بالطبع!" فيرد الرجل: "أنا جمهوريّة أفلاطون." ألا يستحضر هذا التعريف العجيب تاريخ الشعر عندنا؟ كم نعرف من الرواة حقًّا؟ أحسبني – بكلّ تواضع – قرأتُ قدرًا لا بأس به من الشعر، ولكنني لستُ خبيرًا في تاريخ النقد الأدبي عند العرب (جايك يا كتاب المرحوم إحسان عباس، جايك)، ولكن قبل انتشار التدوين والتأليف وطبقات ابن سلام وابن المعتز، من رواة امرئ القيس مثلًا؟ حمّاد وخلف؟ لا أحد سواهما؟ فمن رواة المتنبي؟ ابن جني؟ أم لعل جهلي يفضحني هنا وعصره كان عصر تدوين؟ ولكن في كلّ الحالات بُني الشعر العربي على الحفظ، وذاب الرواة في أشعار الجاهليين والأمويين على الأقل، إهمالٌ تأريخيٌّ أم تقمّص؟ هل صار الرواة الشعراء؟ كلامٌ يستحضر للذهن أيضًا، على اختلاف المقصد، قول الشاعر "ومثل الشاعر الراوية".  ولكن يجب ألا أستبعد التدوين تمامًا، ألم تُدوَّنُ دواوينُ كثيرةٌ وكتبٌ (وأحاديثُ وأخبارٌ) موضوعةٌ ومنحولة؟ ما زلتُ أذكر جلوسي قديمًا في فناء بيت جدي سعيدًا باقتنائي ديوان الإمام علي رضي الله عنه، أفتحه، فيطالعني في أوّل صفحةٍ اقتباسٌ للزركلي يقول فيه إن الديوان "معظمة أو كله مدسوس عليه"! يا له من افتتاح، ولكن أكان مدسوسًا فعلًا، أم كان محاولةً لتسقّط شعره رضي الله عنه من الذاكرة؟ في الديوان قصائد موضوعاتها متكرّرة، كأن مؤلّفًا واحدًا أو عدّة مؤلّفين يحاولون تذكّر القصيدة ذاتها. فهل كانوا كلهم الإمام علي؟ أما لعلّهم بالأحرى كانوا قصائده؟

في نصٍّ آخر من نصوص تلك الأمانة يستعرض صاحبه تاريخ ألف ليلة وليلة، ويناقش فكرةً عن النصوص التي يضيع مؤلّفوها، لا يموتون، بل ربما ينتشرون فيتوحدون فينصهرون في النص، وبشكلٍ أو بآخر يكتسبون الخلود بفنائهم هذا، يضيع اسم المؤلّف ويبقى النص خالدًا. من مؤلّف ألف ليلة وليلة؟ بل من مؤلّفو ألف ليلة وليلة؟! كُتّاب وشعراء ورواة ومُدوّنون ومترجمون كلهم ألّفوا الليالي، سيبقون ما بقيت الليالي. وهنا هل أمامي مفرٌّ من بيير مينار؟

يقول بورخِس في مقالته الشهيرة عن مينار إنه "لم يرد تأليف كيخوته آخرى... إنما أراد أن يؤلّف الكيخوته ذاتها." أبتقمّص المؤلّف أم النص يتحقّق ذلك؟ يقول بورِخس إن تقمّص مينار شخصيّة سرفانتس مستحيل، ومن بين كلّ المستحيلات فهذا المستحيل أقل إثارةً للاهتمام من أن "يستمر [مينار] في أن يكون بيير مينار ويأتي إلى الكيخوته عبر تجارب بيير مينار". هل يعني هذا أنه يتذكّر النصّ كمن يتذكّر تجاربه القديمة حتّى ليصير هو مؤلّفه؟ يقتبس بورخِس حديث مينار عن ذكرياته العامة حول الكيخوته التي "تبسّطها بالنسيان واللامبالاة، فكأنها بشارةٌ غامضة بكتابٍ لم يؤلّف بعد". بشارةٌ بالكتاب لا المؤلّف؟ باهي، في مقالة بورخِس، التي تفيض بما يستحث تنقيب المحققين، أدلة أخرى أراها ألصق بموضوع هذه الخاطرة الغريبة التي استفزتها تلك الأمانة.

يُعدّد بورخِس مؤلفات مينار، ويذكر مقالةً عن تحسين لعبة الشطرنج بحذف أحد الجنود. يقترح مينار الفكرة، يدعمها ثم ينتقدها، يجادل نفسه، ثم ينتهي إلى رفضها. يذكر بورخِس عملًا آخر: نقدًا حادًّا للشاعر بول فاليري، ويؤكّد لنا بورخِس أن هذا النقد على النقيض تمامًا من رأي مينار الحقيقيّ في فاليري. إذن لدى مينار ميولٌ لأن يكون الجميع، الكاتب والقارئ والموافق والناقد والناقض والمدافع والمهاجم. هل لكاتبٍ أن تجتمع فيه كلّ هذه الصفات في عملٍ واحدٍ من أعماله؟! أم هل النص وحده من يجمع بين هذه الصفات؟ النص يلد كل أولئك بمجرد قراءته. إذن ليس التقمّص ذوبانًا في المؤلّف بل في النصّ. الدليل الأقوى، حسب رأيي، هو تعليق مينار على مشروعه في تأليف (إعادة تأليف؟ تذكّر تأليف؟) الكيخوته، حيث يقول إنه مشروعٌ صعب ولكن "إن استطعتُ الخلود، فسأنجزه". فمن من الاثنين، المؤلّف والنص، يستطيع الخلود حقًّا؟ من منهما لا تمسه يد الموت، فيبقى، ربما ليس إلى الأبد، ولكن إلى عقودٍ أو قرونٍ؟ «كل من عليها فانٍ ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام» فيلزم أن نكون واقعيين ونقول عقوداً أو قروناً، في حدود فكرتنا البسيطة عن الخلود التي نقيسها على قصر أعمارنا، كأننا مينوطور بورخِس الذي يعدّ أبواب متاهته اللانهائية أربعة عشر بابًا!

لا أعلم ما سؤال هذه الخاطرة حقًّا، لقد بدأت بالحفظ، بياء وطاء يحاولان استرجاع نصٍّ بذاكرتهما (رجلان كانا أم حرفان في نصٍّ؟)، وانتقلت إلى مونتاغ يعبر ديستوبيا نهاية العالم مردِّدًا ما حفظه (يمشي نحو الخلود؟)، برواةٍ لولاهم لما كانت دواوين (أم كانوا الدواوين؟)، بنصوصٍ تؤلّف ذاتها وينصهر فيها مؤلّفوها إلى حدّ الفناء، وبرجلٍ يُحدّد شرط نجاحه في التحوّل إلى نصّ "إن استطعتُ الخلود...". لا أعلم ما السؤال، لكن أظن أن الإجابة هي أن لا أحد يستطيع الخلود، أنا وأنتِ وأنتَ لا يستطيع أيٌّ منَّا الخلود، لكننا نستطيع خلود النص، أي حفظه، استمرار جريانه، تحولّه هو إلى الوعاء الذي ننسكب نحن فيه، لا يستمر النصّ إلا بنا، ولا يجري إلا بنا، هو منبعنا ومجرانا ومصبنا، كلنا جمهورية أفلاطون، كلنا الشعر، كلنا الليالي.

ولعلي واحدٌ منا، نحن الذين نكون فهرنهايت 451، ودون أن أدرى أستحضر ما يردده مونتاغ في تلك الصفحة الأخيرة: "وعلى النهر من هنا ومن هناك، شجرة حياة...".  

وهذا هذا.

12 مايو 2025



لوحة ذاتية (!) رسمها بورخِس لنفسه بعد أن فقد بصره. أوّل ما استحضره ذهني عند التفكير في التحوّل إلى نص!

(المصدر Open Culture)