‏إظهار الرسائل ذات التسميات القراءة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات القراءة. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 27 مايو 2026

كلام عن القارئة الأولى وخلود النصوص وأفلاطون مرّةً أخرى


زوجتي قارئتي الأولى. لا أعني أنها أوّل من يقرأ نصوصي (وهي في الأغلب أوّل من يقرأ)، لكنني الآن أقصد أسبقيتها إلى قراءةٍ أعمق وأنفذ، أنها أوّل من يقرأني بكلّ معاني القراءة: أوّل من يقرأ الفكرة ربّما من قبل أن تتبلوّر في خاطري، أوّل من يقرأ مقصدي بالكتابة وغايتي منها، أوّل من يقرأ نصوصي من قبل أن تُكتب (لأنني أصدّعها بالحديث عنها!)، وأوّل من يتأوّل نصوصي ويعثر على معانيها حتّى لعلّها تسبقني إلى ذلك. وهذا ما حدث عندما قرأتْ خاطرتي السابقة.

سألتني: لما لم تذكر المُثُل الأفلاطونية؟ أليس هذا معنى ما اقتبسته في خاطرتك حول سعي الرجلين إلى تذكّر نص مفقود، ووصف ما ينتج عن تذكّرهما بأنه "النص الحق"؟ سألتني ببساطة عابرةٍ، وكأنها تتوقع أن أقول لها: آه، بالطبع لقد كان الأمر في بالي طيلة كتابتي خاطرة في مركزها "جمهورية أفلاطون"! كل ما في الأمر أنني فضّلتُ أن أختزل النصَّ قليلًا، فهي مجرّد كتابة سريعة. سألتني كأنها التقطت فكرةً وقعت مني سهوًا، تقول "أهذه فكرتك؟" وهي تناولني المُثُل الأفلاطونيّة.

كانت ردّة فعلي صدمة إدراك! لم يخطر ببالي أفلاطون نفسه عند كتابة ذلك الكلام! ولكن كيف غاب عني عالمه المثالي؟! فكرته عن عالمٍ سابقٍ عرفنا فيه كلّ شيءٍ وما عالمنا الراهن إلا تذكّر، هي في صميم ما كتبت عنه في الخاطرة السابقة (كلام مينار عن تذكّره الكيخوته أراه الآن تطبيقًا لمثل أفلاطون، وعناء التذكّر في فهرناهيت 451).

أسرعتُ إلى الأمانة التي أودعني إياها ذاك الصديق، قلّبتُ نصوصها حتّى وقعتُ على نصٍّ نظريٍّ في النقد الأدبيّ جاء فيه:

"ثم إن هذه الرؤية الشاملة تتجاوز الخصوصيّة العربيّة. فإذا هي فكرةٌ عالميَّة (...) كان بيكن الإنجليزي قد استشهد بما قاله سليمان الحكيم من أنه "ليس تحت الشمس جديد"، وبتصوّر أفلاطون للمعرفة أنه "كل معرفة ليست إلا تذكّرًا"؛ ليغلق بيكن حلقة استشهاداته من حيث بدأ، أي بسليمان ثانيةً، بقوله بأن: "كل جِدَّةٍ ليست سوى نسيان"..." [يقصد المتحدّث (أم المحدّث؟) بالرؤية الشاملة عملية التأليف في التراث العربيّ ودورانها حول الكتابة والحفظ والحديث والسماع والكتابة إلخ. يستطرد المحدث بعد ذلك في كلامٍ يستحضر قول بورخس "ما أفتأ أتوصَّلُ إلى الأشياء بعدما تطالعني في الكتب"!]

كأن زوجتي تذكرت المعرفة الأفلاطونيّة نيابةً عني. كان نسياني الجدّة المتوهّمة وتذكّرها المعرفة الشاملة. فكانت زوجتي القارئة الأولى بمعنى أفلاطوني، تتذكّر معرفةً سابقة نسيُتها! لي أن أتحدث هنا عن الحبّ، عن هذه الرفقة التي لا تميّز بين قلبين أو خاطرين، تخطر لي الفكرة في ذهنها، وتتذكر هي قراءاتي السابقة، أنظم النصَّ وتمنحه معناه، أبدأ الكتابة وتختمها. لكنني أريد أن أبقى مع دهشةٍ أثارها كلّ هذا...

عندما قرأتُ أوراق تلك الأمانة مررتُ على مقالاتٍ عن طبيعة النصّ والقراءة والتأليف، شعرتُ بمبالغاتٍ أدبيّة في التنظير، شطحات فلسفيّة، ألاعيب برخسيّة أو فرويديّة، تستلهم أفكارًا أدبيّة لكنها لا ترتقي نظريات يُقاس عليها بإطلاق. لكنني حينما وصلتُ إلى بعض التقارير التي تسجّل أحداثًا وشهادات، وحتّى بعض القصص التي تخلط الواقع بالخيال، صرتُ أرى تلك الأفكار التي تبرّمتُ منها أو شككتُ فيها تتجسّد واقعًا، فإذا بالنصوص تمشي بيننا، والحفظ والرواية والترجمة (بل والقراءة ذاتها) بانت لي أشكالًا لخلودٍ فريد لا تحققه إلا النصوص. بل إنني عدتُ إلى مقالة مينار وكيخوتته أُحلّلها بتلك الأفكار وكأنها نحوٌ أو منطقٌ مستقرٌ (وكلاهما علمٌ لا باع لي فيه، لكن نقول على المجاز وقد علمنا أن الأمر ليس كما نقول!). صار تذكّر الرجلين اللذين يسترجعان نصًّا مفقودًا "النصّ الحق" فعلًا؛ تجسّدت الأمانة واقعًا بعد أن كانت ورقًا؛ تذكّر مينار الكيخوته؛ تحوّل ذاك الحافظ "جمهورية أفلاطون"؛ تذكرت الزوجة ما نساه الزوج... ويجري النهر...

ختمتُ تلك الخاطرة بإشارةٍ (شيوعيّةٍ بطبيعة الحال) إلى جماعيّة هذا الخلود: يتحقّق بتكاتفنا جميعًا:

"لا أحد يستطيع الخلود، أنا وأنتِ وأنتَ لا يستطيع أيٌّ منَّا الخلود، لكننا نستطيع خلود النص، أي حفظه، استمرار جريانه، تحولّه هو إلى الوعاء الذي ننسكب نحن فيه، لا يستمر النصّ إلا بنا، ولا يجري إلا بنا، هو منبعنا ومجرانا ومصبنا، كلنا جمهورية أفلاطون، كلنا الشعر، كلنا الليالي."

هذه العملية الجماعية تقودنا إلى إنتاج "النص الحق"، مُثُل أفلاطون التي لم أكتبها لكن زوجتي قرأتها، يعيش دون كيخوتي أحداثًا فيسجّلها سيدي حميد بن الأيل ويترجمها سرفانتس ويتذكّرها مينار ويمدحها بورخس، الليالي المؤلّفة ومؤلّفوها المؤلّفون، يعيش النص لأنّ عمله لا ينقطع.

صباح اليوم، شاءت "الصدف المدبّرة" أن أقرأ قصيدةً لبرخت عنوانها "لمَ يجدر باسمي أن يُخلّد؟"، يعدّد ما يظنه الشاعر أنه سيحفظ اسمه "في الأزمان البعيدة / بعد أن تهدّمت المباني التي عشتُ فيها / وتآكلت السفن التي سافرت بها"، يذكر معارضته الظلم ووقوفه مع الناس وثقته بهم وكتابته وتعليمه، ثم يقول:

"ولكنني اليوم

أتقبّل أن اسمي سيُنسى.

لمَ يُنادى الخبّاز إذا كان لدينا ما يكفي من الخبز؟

لمَ يُمدح الثلج الذي ذاب

إذا كان ثلجٌ جديدٌ على وشك الهطول؟

لم يجب أن يكون ثمّة ماضٍ

إن كان هنالك مستقبل؟"

 

لعلّ بريخت قصد التضحية الثوريّة في سبيل المستقبل، أسماؤنا ليست مهمّة ما دام الحلم تحقّق. ولكن هذه القصيدة أعادت لذهني قصيدةً أخرى لبريخت "عن كيفية بناء أعمال دائمة"، يقول فيها:

"إلى متى تدوم الأعمال؟

تدوم ما لم تكتمل؛

فما دامت الأعمال تحتاج إلى مجهود

لن تتلاشى.

تدعو إلى المزيد من العمل،

تكافئ المساهمة،

وجودها مستمرٌ ما استمرت

دعواتها ومكافآتها.

الأعمال المفيدة

تحتاج إلى الناس

(...)

من يمنح الأعمال دوامها؟

أولئك الذين سيكونون أحياءً حينها.

من تختار ليبنوا المستقبل؟

أولئك الذين لم يولدوا بعد.

عندما قرأت قصيدة دوام الأعمال أوّل مرّة، وجدتُ فيها، إضافةً إلى المعنى الشيوعيّ، معنىً أدبيًّا: الكتابة عملٌ مستمر، لا أريد كتابة مقالة أو خاطرة وينتهي الأمر، فلا داعي لأن أكتب كل الأفكار في مقالةٍ واحدة، العمل مستمر والنظر مستمر، ستدوم الكتابة ما احتاجت إلى مجهود. أرى القصيدة من زاويةٍ جديدةٍ الآن، امتدادًا لفكرة خلود النص التي ألهمتني إياها (أو ربما التهمتني بها؟) تلك الأمانة: يدوم النصُّ ما استمرّ يدعو الناس إلى القراءة والترجمة والتأويل والإحالة والتأليف والحفظ والتذكر، وبه يدوم الناس. يدوم النصُّ ونصير كلّنا جزءًا منه، حتّى يُنسى اسم المؤلّف أحيانًا. وهنا لعلّي أعود من جديد إلى بورخس الذي يقول:

"كثيرًا ما أجد أنني [حينما أكتب] لا أفعل سوى اقتباس شيءٍ قرأته منذ زمن، فيصير الأمر إعادة اكتشاف. لعلّ الأجدر أن يبقى الشاعر بلا اسم."

نتيجة بورخس، ولو كانت في خدمة النصّ والإبداع، تشابه نتيجة بريخت الملتزمة سياسيًّا: شاعرٌ يرضى أن يُنسى اسمه وتبقى قصيدته بعد أن يتهدم ويتآكل كلّ شيء.

ولكن لعلّ النصَّ نفسه يُنسى؟ 

لعلّ هذا مستوىً آخر من الأمر، نسيان النصّ في سبيل إنتاجه من جديد، في سبيل "بشارة غامضة بكتابٍ لم يُؤلّف بعد". نسيتُ مُثُل أفلاطون، لكن هل نسيته فعلًا وأنا أكتب تلك الخاطرة التي تجري فيها فكرته عن التذكّر؟ هل نسيته فعلًا أم كنته دون أن أدري، حتّى تذكرته زوجتي نيابةً عني؟ فكانت الأمانة وأصحابها أفلاطون، وكنتُ أنا أفلاطون، وكانت زوجتي أفلاطون، وكلنا أفلاطون، كلنا بورخس يقتبس ما نسي، كلنا التوحيدي يحرق كتبه ويراجعها (وهذه مقابلة جديدة مع فهرنهايت 451 نسيتها ولم أنسها)، كلنا مينار يتذكّر الكيخوته ليؤلفها، كلنا حفظة الشعر الذين ينسون أسماء الرواة. نحن نهر الحياة الذي تنمو على ضفافه أشجار الخلود، خلود النصوص، وهو خلودٌ يحتاج إلينا، حتّى إن لم نتذكّر الأسماء...

وهذا هذا.

وكل عام ومن يقرأ أو تقرأ الخاطرة اليوم بألف خير...

26 مايو 2026.


 

الاثنين، 30 ديسمبر 2019

ترجمة "وليمة متنقلة" لهيمنغواي: هل أشبعت القراء حقاً؟


في الفترة الماضية بدأت إحدى الصديقات قراءة كتاب "وليمة متنقلة – A Moveable Feast" لإرنست هيمنغواي. هذا الكتاب الصغير لديه مكانة خاصة في قلبي، وقصتي معه طويلة.. القراءة الأولى، القراءات اللاحقة، تطور أهمية الكتاب عندي، اختلاف تجارب القراءة، كمية الناس الذين أهديتهم الكتاب وصدعتهم به... إنه كتاب عزيزٌ غالٍ، ولذلك سعدتُ بقراءة الصديقة له، رغم أنها كانت – كما سيتضح – قراءةً تشوبها خيبة الأمل. ورغم ما أحاط بقراءة الصديقة من مشاكل، فقد كتبتْ عنه بعض الملاحظات التي تشير لجوانب مهمة في الكتاب، ويمكن الاطلاع عليها في هذه التغريدات على تويتر.


غلاف الطبعة الأولى من الكتاب

وبالعودة إلى موضوعنا، فأنا شخصياً قرأتُ الكتاب وأعدتُ قراءته بالإنجليزية. الصديقة قرأته بترجمة الدكتور علي القاسمي العربية. وأثناء قراءتها شاركتني – بطبيعة الحال! - إحدى فقرات الكتاب التي يتحدث فيها هيمنغواي مع صديقه إيفان شيبمان عن الأدب الروسي ودوستويفسكي وتولستوي (تاج راسي وراسكم!) – لهذا قلتُ سابقاً "بطبيعة الحال"، 90% من الرسائل التي تصلني من الأصدقاء عبر تويتر رسائل عن تولستوي!

الفقرة التي شاركتني إياها الصديقة من الترجمة العربية هي التالية:

وقلت: "كنت أفكر بدوستويفسكي. كيف يستطيع رجل أن يكتب بذلك الأسلوب السيئ، سيئ لدرجة لا تُصدَّق، ومع ذلك فإنه يحرك مشاعرك بعمق؟"
فقال إيفان: "قد يكمن السبب في الترجمة، فالترجمة هي التي أظهرت تولستوي بصورة جيدة."
"أعرف ذلك. أتذكر كيف حاولت أن أقرأ تولستوي عدة مرات فلم أفلح حتى عثرت على ترجمة كونستانس غارنيت".
وقال إيفان: "يقولون إن بوسع الترجمة تحسين الأصل. وأنا متأكد من ذلك على الرغم من أنني لا أعرف الروسية. ولكننا – كلينا – نعرف الترجمات. بيد أن الحرب والسلام جاءت مترجمةً، روايةً رائعة حقاً، بل أفترض أنها الأعظم، وبإمكانك أن تقرأها مرةً تلو أخرى."

وقد بدأت الصديقة تتساءل عن أثر الترجمات على الأعمال الأصلية وعن فكرة أن الترجمة ربما بوسعها "تحسين الأصل"، ولكن قبل أن نتعمق في ذلك أكثر كانت حاستي العنكبوتية (نكتة عن سبايدرمان) قد أنذرتني بأن شيئاً ما غير سليم هنا... صحتُ في ذهني "إلى سيارة الوطواط!" (نكتة عن باتمان) وانطلقتُ إلى النسخة الإنجليزية لمراجعة الأصل.

السبت، 2 مارس 2019

المدن غير الموصولة: وللعبقرية مفاتيح أيضاً.







هذا الكتاب الرشيق الأنيق تحمستُ له جداً عند صدوره. ركضتُ خلفه إنترنتياً حتى تمكنتُ من شرائه، والفضل في ذلك يرجع لناشري الكتاب: دار بلسم؛ فقد سألتهم مرة عن شراء الكتاب من خارج مصر، ولم ينسوني! بل تابعوا الموضوع معي وأشاروا علي بمحاولة شراء الكتاب من مكتبة ديوان. اشتريته فوراً، وبقيتُ لقرابة أسبوع أتفقد البريد كل يوم، مع أني من المفترض أن أعلم أن الموضوع قد يأخذ وقتاً، بريد دولي وما نحو ذلك، لكن كل يوم أُلقي نظرةً متشوقة على كومة البريد في المبنى. وحين وصل الكتاب، فوراً أخرجته من طرده وجلستُ أقرأه وبصراحة أنقذني من يومٍ آخر من الكآبة واللافائدة.

لماذا تحمستُ للكتاب كل هذا الحماس؟ حسناً... من أين نبدأ...

الكتابة: محمود قطب

هذا تقسيم غريب لهذه التدوينة، لكن أظنه مفيد. على كل حال، نعم، فلنبدأ بالكتابة. الكتاب مجموعةٌ من القصص القصيرة، تتفاوت ما بين بضعة أسطر إلى صفحتين أو ثلاث، في كتاب من القطع المتوسط، باللغة العربية. حتى الآن كل شيء طبيعي والأوضاع مستقرة، ولكن اسمحوا لي بأن "أدخل عليكم بالعرض" كما يُقال وأن أخبركم بأنها قصص ذكرتني بجبران خليل جبران وتولستوي وبورخيس! مفاجأة؟ حسناً، قد لا تكون مفاجأة لك أيها القارئ العزيز، ولكنها كانت مفاجأةً لي! وقبل أن يتحمس أحد ويقول لي هدي أعصابك وخف علينا، أرجو متابعة القراءة.

سأعترف بأن توقعاتي للكتاب كانت عالية قليلاً، لديَّ اطلاعٌ بسيط على كتابات المؤلف، وكنتُ متحمساً لإخراج الكتاب الذي سيجمع بين النصوص والرسومات. ولكني كنتُ أتوقع شيئاً مثل الكوميكس (القصص/الروايات المصورة)، ولم يخطر ببالي أن تدفعني نصوص الكتاب إلى استحضار عظماء مثل جبران وتولستوي وبورخيس! فكيف ذكرتني هذه القصص بهم؟ دعونا نطرح سؤالاً آخر قبل ذلك: ما تصنيف هذه القصة؟

أهي قصص أطفال؟
قصصٌ للنشء والمراهقين؟
أم قصصٌ للبالغين؟

بصفتي أنتمي إلى فئة البالغين (على الأقل وفق شهادة الميلاد) فإجابتي على هذا السؤال أن نصوص الكتاب نصوص "مُتجاوزِة" أو "مُخترِقة". ماذا تتجاوز وتخترق؟ التصنيفات العمرية أو الأدبية. هذه القصص تتجاوز وصفها بأنها قصص للأطفال، وتخترق وصفها بأنها للنشء، وتصل إلى البالغين وربما تتجاوزهم كذلك (ملحوظة عابرة: أتحدث الآن عن القصص، لكن هذا الكلام ينطبق على الكتاب كله!). لقد ذكرتني القصص بتولستوي مثلاً لأنني ربطتها بالقصص التي كتبها تولستوي للصغار، وأذكر قصصه للصغار ليس للانتقاص من قيمة "المدن غير الموصولة" بل لبيان شيء عبقري في الكتاب، فمن مظاهر عبقرية تولستوي (الذي هو تاج راسي وراسكم) اتقانه لكتابة أدب الأطفال والنشء (وحتى الأدب الوعظي الموجه للكبار) بحيث لا تقول القصة مباشرةً ما الدرس الذي يجب علينا تعلمه، ولكنها تعلمنا الدرس عن طريق الحكاية وحدها. مثال ذلك مثلاً قصة "تخيل مدينةً نصف مغمورة في البحر"، أو قصة "تخيل مدينة معلقة في الهواء"، أو قصة "تخيل مدينة يراها سكانها مستودع الحكمة"، أو كل القصص في هذا الكتاب الصغير الرائع! الفكرة تصلك بوضوح أيها البالغ المثقف ما شاء الله عليك! وإن كنتُ مراهقاً أو حتى طفلاً فإنك ستشعر بالدرس، ستفهمه. وهذه القدرة التعليمية لقصص هذا الكتاب هي من مفاتيح العبقرية الكامنة فيه.

ولكن، هذه القصص ليست فقط للأطفال أو المراهقين، فقد ذكرتني كذلك بجبران وقصصه الرمزية. قصص جبران الرمزية لا أظنها مكتوبة للأطفال، فهي فلسفية أكثر من أن يفهمها الصغار، ولكنها تحمل ذلك الطابع الطفولي والبسيط، وهنا سأستحضر تولستوي من جديد، لأقول بأن "البساطة" في الكتابة، سواءً لغوياً أو سردياً، ليست عيباً بل فناً لا يُتقنه كثيرون. وهذه الرمزية في قصص محمود قطب لا تتوقف عند الرمزية الفلسفية الجبرانية (لعل أبرز مثال عليها قصة "تخيل مدينةً نصف مغمورة في البحر" أو قصة "تخيل مدينةً بلا خريطة")، بل تصل أيضاً إلى مستويات الرمزية العجائبية البورخيسية، وهنا لا أحتاج لمثال لأن كل المتاهات التي تلف وتدور في مدن محمود قطب لا بد أن تستحضر للذهن بورخيس، ناهيك عن قصص السكان وعاداتهم الغريبة والعوالم العجيبة التي ابتكرها محمود قطب. فالقارئ البالغ عمرياً، ولو أن بلوغ بعض القراء عقلياً مشكوكٌ فيه، ولكيلا يزعل أحد فأنا أقصد نفسي! أين كنا... القارئ البالغ، الذي يُتوقع منه أن ينظر أبعد من مجرد حبكة أو خيال قد يشد الصغار، سيجد في هذه القصص الكثير من المعاني والحكم، ولعله سيُفكر مثلي: هذه قصة يمكن إسقاط معناها على أوضاع هذه البلاد أو تلك، وهذه قصة يمكن إسقاط معناها على هذا الخلاف الفكري، وهذه قصة يمكن إسقاط معناها على هذه الظاهرة الاجتماعية أو النفسية، إلخ إلخ إلخ. وهذا ثاني مفتاح من مفاتيح عبقرية هذا الكتاب: الرمزية البارعة. وأقول الرمزية "البارعة" لأنني فاشلٌ في الكتابة ولم أجد كلمة أصف بها الرمزية التي لا تكون واضحةً لدرجة الابتذال ولا تكون غارقةً في الغموض لدرجة الامتناع! فقلتُ أنها بارعة لأنها جاءت موزونةً توازناً بارعاً. يعني، برع الكاتب في الكتابة البارعة ببراعة. وصلت؟ تمام.