‏إظهار الرسائل ذات التسميات هشام مطر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات هشام مطر. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 23 أغسطس 2022

العودة إلى النفس: عن إعادة القراءة والحبّ واستئناف الحياة

العودة من أجل المواساة

"ونفسُ المُحبِّ متخلّصةٌ عالِمة بمكانِ ما كان يُشركها في المجاورة، طالبةٌ له، قاصدةٌ إليه، باحثةٌ عنه، مشتهيةٌ لملاقاته، جاذبةٌ له لو أمكنها كالمغنطيس والحديد."

ابن حزم

"ألا ليت عيني قد رأت من رآكم"

مجنون ليلى

سافرت زوجتي منذ مدّة. أواسي نفسي في غيابها بأشياء كثيرة: المكالمات الطويلة والصور الكثيرة والنوم والعمل والأصدقاء والقراءة، القراءة كثيرًا. أحاول استحضار سارة بالقراءة، أُقرّبها عبر هذا البُعد. أقرأ كتبها وأتتبع أثر تخطيطها وتعليقاتها في الهوامش، تعجبني أفكارها وأضحك معها (في غيابها) على تعليقاتها الساخرة. أقرأ ما مدحته وما تحبّه. أكملتُ روايةً كنتُ قد بدأتها وتركتها قبل أن أعرف سارة، عدتُ لها لأنّ سارة أخبرتني أنّها فيما مضى قد قرأتها وأعجبتها (في إحدى فقرات الرواية تُوصف مشاعر وأفكار إحدى الشخصيّات الرئيسيّة التي وجدتْ الحبّ، ينطبق الوصف عليَّ حين وجدتُ الحبّ مع سارة: "لم تعتقد يومًا أنها جديرة بأن يُحبّها أحد. ولكنها الآن تعيش حياةً جديدةً هذه لحظتها الأولى، وحتّى بعد مرور سنواتٍ عديدة ستظلُّ تقول في نفسها: نعم، تلك كانت بداية حياتي."). أقرأ أعمال أحد شعرائها المفضّلين ("أنتِ غائبة. أنا غائبٌ. والأشياء غائبة أيضًا. إذ يعجز العالم أن يكون في غيابكِ."). وأقرأ شعرًا أبحث عن صورتها فيه وأُعلّم صفحاته لأقرأ لها منه ("أبحث عن ذكراك. / أتسلل بمصباحٍ إلى بيوتٍ فارغةٍ لأسرق صورتكِ / رغم أنّني مُتيقّنٌ مما سأجده").

أواسي نفسي بمحاولة عبور المسافات نحو سارة بالقراءة. ثمّة قراءات أخرى تتخلّل قراءات الشوق والمواساة: ما أقرأه لبحثٍ حول مقالةٍ ما، ما أقرأه في ازدحام القطار متّجهًا إلى العمل في الصباح، ما أقرأه في عصر نهاية الأسبوع الخامل، ما أقراه عند محاولة النوم. قراءات لها أهدافٌ ودوافع متعدّدة، بحث، توصيات، ملء الساعات، ولكنّني أدرك الآن أن كلّ قراءة تصير قراءة مواساة في غياب سارة. قد لا تكون قراءة مواساة مباشرة، كتلك التي أقتفي فيها أثر سارة أو أبحث عنها فيها، ولكنّ حتّى هذه المواساة العَرَضيّة فيها إعانةٌ على الصبر (نحاول صبرًا ومواساةً أو نموتُ شوقًا فنعذرا!). وقد دفعني هذا الإدراك إلى التفكير في ممارسة قرائيّة أراها منذ زمنٍ بعيد قراءة مواساة، وقد لجأتُ إليها بطبيعة الحال في هذا الغياب: إعادة القراءة.

قرأتُ رواية "اختفاء" لهشام مطر منذ بضع سنوات. قرأتُ أعماله متأخّرًا، والتأخّر هنا هو بالنسبة إلى تاريخ صدورها، أما بالنسبة إلى حاجتي لها وقدرتي على احتواء ما قد تمنحه لي، فقد قرأتها في الوقت المناسب تمامًا، فإذن لا غرابة أنّني صرتُ عاشقًا لأعمال هشام مطر أحاول قراءة كلّ ما كتبه (وأظنني قريبٌ من ذلك، لولا بعض مقالاته القديمة المفلتة من بين يدي، ولكنني وراءها والزمن طويل!). صار هشام مطر من كتّابي المفضّلين على الإطلاق، وهذه ملحوظةٌ مهمّة لأن هذا يعني لي – من بين ما يعنيه – أنني أستطيع قراءة أعماله في أي وقت، حتّى في فترات الاكتئاب الشديد أو الشوق الشديد، حين نفقد القدرة على التركيز وتتضاءل أهمية كلّ شيء في مواجهة ما نمرّ به من كربٍ يتمركز وسط حياتنا ضخمًا ملقيًا بظلالٍ ضخمةٍ مثله تحجب عنا كلّ شيء. عندي – ولله الحمد – مجموعةٌ صغيرةٌ من هؤلاء الكتّاب والكاتبات والكتب، لا يشفي حضورهم من الاكتئاب مثلًا أو يُعوّضني عن غياب حبيبتي، ولكنه يواسي، يُعين على الصبر والتجلّد في حين يُخفق آخرون وتُخفق أمورٌ كثيرة.

ومع هذا الارتباط العميق، تتكوّن مع تلك المجموعة من الكتب ومؤلّفيها ومؤلّفاتها علاقة، شيءٌ لعلّه يشبه الحبَّ، حيث يصير الكتاب مصدر راحة ومؤانسة ومواساة، يصير مساحة أمانٍ وأُلفة، فتكون في العودة إلى هذا الكتاب المؤازر عودةٌ إلى كلّ ما أحببناه فيه أوّل مرّة وكلّ ما نحبّه في مؤلّفه أو مؤلّفته. يشبه ذلك الحبّ، أليس كذلك؟ أعود لمن أحبّ لأنني أعلم أنها مصدر راحة ومؤانسة ومواساة، أنجذب إلى كلّ ما أحببته وأحبّه فيها وأقصد إلى المساحة الآمنة التي يخلقها حضورها، باحثًا عن أمانها المألوف.

وهكذا، أعدتُ قراءة رواية "اختفاء" بحثًا عن المواساة.

 

الأحد، 26 يوليو 2020

السعداء لا يكتبون



مررتُ على اقتباسٍ يقولُ إنّ السعداء لا يكتبون. وعندي مشكلة، أو مشكلتان، أو أكثر مع الفكرة!

أوّل ما استدعته ذاكرتي مقابلةً أجراها بلال فضل مع هشام مطر؛ لا أتذكّر تفاصيلها حرفيًّا، وأنا بصراحة أكسلُ من أن أعودَ إليها (ولكنّني لستُ أكسل من أن أُحضر رابطيْ المقابلة! رابط الجزء الأوّل، رابط الجزء الثاني). بعيدًا عن كسلي، وبالالتفات إلى ذاكرتي التي قد تكون أنشط من كسلي (بطبيعة الحال!)، فإنّني أتذكّر أنّ هشام مطر تحدّث عن اكتئابٍ يُصيبه حين لا يكتب، عن تناقصٍ في متعة الحياة وقيمة الوقت، وعن أنّه ليس مُحصّنًا ضدّ المشاعر السوداء. علّق بلال فضل قائلًا إن هذا أمرٌ مفهوم ومتوقّع نسبةً إلى الحياة التي عاشها هشام! ضحك الاثنان، ثم روى هشام قصةً طريفة عن شخصٍ التقى به. كان الشخص مُعجبًا بأعمال هشام وراغبًا في لقائه، ولكنهما حين التقيا أخيرًا وتحدّثا لفترةٍ من الزمن، كان في هيئة الشخص تشنّجٌ يشي بعلامة استفهام، كما يصفه هشام. فجأةً انفلت الشخص وقال له بصراحة إنّه توقّع أن يكون هشام شخصًا جادًّا ومتحفّظًا، فإذا به يلتقي بإنسانٍ طبيعيّ، رجلٍ يتحدّث بأريحية ويضحك!

هل لنا أن نلومَه على توقّعه ذاك؟ إن كان قد قرأ روايتي هشام "في بلاد الرجال" و"تشريح اختفاء"، فلا يُلام أبدًا على ما تشكّل في ذهنه من صورة كئيبةٍ وسوداويّة لمؤلّف تلك الروايتين المؤلمتين!

أمرٌ آخر خطر ببالي، يتعلّق بكاتبٍ آخر، شيخي تولستوي (كما توقعتم بالضبط!). لم أقابله شخصيًّا بالطبع، (أرجو من المشتغلين على ابتكار آلة للسفر عبر الزمن أن يُسرعوا قليلًا)، ولكنني تعرّفت على الشيخ بتدرّجٍ اعتيادي. بدأ شغفي به بقراءةٍ في أعماله الأدبيّة، ثم ما لبثتُ أن شُغفت بالأعمال الفكريّة أيضًا. كنتُ قد وقعتُ في الحب، ولكن صورة تولستوي عندي كانت صورةً افتراضية نمطيّة، كوّنتها كما كوّن ذلك الشخص صورته عن هشام مطر: تخيلتُ تولستوي شيخًا جليلًا جادًّا وكئيبًا. مُبدع هذه الأعمال العميقة، المُفكّر الجادّ الملتزم الناشط في قضاياه الفكريّة والاجتماعيّة، المُصلح الاجتماعي والواعظ الدينيي، كيف كان لي أن أتخيّله إلا وقورًا؟ الوقار بالمعنى المنقوص المعتاد، المعنى الذي يسلب من الرجال والنساء بعض صفاتهم الإنسانية (الضعف، الفكاهة، المتعة، السعادة، إلخ) مقابل صفات مُترفّعة. بعد ذلك، بعد وقوعي في الحبّ جدًّا، شرعتُ أقرأ أكثر في سيرة الشيخ. وصُدمت! نعم، لقد كان شيخًا وقورًا، مُصلحًا ملتزمًا بقضاياه، بل حتى مُفكّرًا وأديبًا مكتئبًا وحزينًا ويزعم أنّه لم يعرف السعادة يومًا في حياته (وهو زعمٌ رفض تشيخوف تصديقه، ربّما لرِقة قلبه ورِقة صداقته بتولستوي، بينما صدّقه غوركي المتشائم دون تشكيك). ولكنّني وجدتُ شيئًا آخر، بل أشياء أخرى، وجدتُ إنسانية تولستوي الكاملة: الأب الذي يلعب مع أطفاله، بل والذي يتآمر مع أطفاله في إعداد مقالب لضيوف المنزل؛ الزوج الذي يعاني مشاكل حادّة مع زوجته؛ الأب المُقرّب روحانيًا وفكريًّا من بناته؛ الشخصية الشهيرة الخجولة التي لا تحب المحافل والاحتفاء؛ الصديق الذي يتحدّث بأريحية وبألفاظٍ سوقية (يقول غوركي: حين كان تولستوي يتلفّظ بها، كانت تكتسب جمالًا عجيبًا!)؛ الصديق الذي يُمازح أصدقاءه وضيوفه ويحرجهم (غوركي راح ضحيّة مشاغبات وأسئلة مُحرجة!)؛ الناقد الساخر الذي يمزّق كتابًا رديئًا بجملةٍ واحدة؛ الشيخ الذي يُحبّ المشي والتجوال والذي يُصفّر مع الطيور في جولاته، أو يقفز ويلاحق أرنبًا بريًّا بمتعةٍ طفولية، أو يتوقّف ليتحدّث مع سحليةٍ تتشمّس في الطريق!

الصور التي نُكوّنها عادةً ما تكون محكومةً بمفاهيم تقليديّة لا شيء يُبرّرها سوى الجهل؛ وأعني هنا الجهل بالآخرين. هذا الجهلُ قد ينتجُ عن تقدير، مثل حال ذاك الشخص المعجب بهشام مطر، وحالي أنا مع تولستوي. وهذا التقدير قد يؤدي إلى صناعة صورة رومانسية مثاليّة (أي رمسنة أو رمنسة، مش مهم)، تغفلُ عن كثيرٍ من الصفات بينما تضخّم أخرى تتّسق مع الصورة النمطيّة تلك، مثل الجديّة والحزن والكآبة. وهكذا تصير السعادة والفكاهة والمتعة أشياء عابرة وتافهة، والأدهى من ذلك أنّها تصير أشياء غير معينةٍ على الخلق والإبداع؛ فالسعداء لا يكتبون!

وجودُ تجربة واحدة لا ينفي وجود تجارب أخرى، مثلما أنّ وجود صفة إنسانيّة واحدة لا ينفي وجود صفات إنسانيّة أخرى (وقار تولستوي لا ينفي فكاهته، وأسى كتابات هشام مطر لا ينفي المرح في شخصيّته). المشكلة في خلقِ صورٍ مُطلقة: صورة الكاتبة السوداوية المنعزلة، صورة الشاعر المتهوّر المكتئب، صورة الشيخ الوقور حدّ الملل، صورة الكاتب المُعذّب بماضيه أبد الدهر. الرمسنة تأليهٌ لصورٍ معيّنة تُلغي إمكانية وجود تجارب مختلفة.

تجربتي مختلفة (نعم، سأتحدّث عن نفسي). ثمة كُتاب وكاتبات وشاعرات وشعراء يكتبون ألمًا وحزنًا. تجربتي لا تنفي تجربة غيري، ولكنها قد تكشفُ اختزاليّة الرمسنة. أول خطوة لمواجهة التنميط هي الاعتراف باختلاف تجارب المكتئبين والمكتئبات. فلعلّنا نُميّز بين طريقتين في التعامل مع الاكتئاب: الخوض في الألم، أو الهروب من الألم. قد أكون ممن يهربون ويهربن بالكتابة. بعض تدويناتي على هذه المدوّنة تبدأ بالحديث عن الكآبة ومحاولاتي للهروب منها. وأعرف أنّ بعض التدوينات الأخرى كُتبت في أوقاتٍ صعبةٍ جدًّا من حياتي، فحتى إن لم أذكر فيها أنّني أفرّ فزعًا من الكآبة، فأنا أعرف أن هذا ما كنتُ أفعله. الفرار من الكآبة يجعلها "مكانًا"، يعني أنني كنتُ أفرّ إلى مكانٍ آخر، فما هو هذا المكان؟ لا بدّ أنّه السّعادة، أو ربّما النسيان المؤقّت. حجبٌ مؤقّتٌ للكآبة، لكنّه يسمح برؤية السّعادة التي كانت قبل ذلك محجوبة؛ ولكنّ الهاربين والهاربات إلى السّعادة لا يكتبون؟

الصور النمطيّة لا تتوقف عند تجاهل اختلاف التجارب، ولا عند التشكيك في تجاربنا الشخصية التي لا تطابق تلك الصور. مشاكلي كما ذكرتُ في البداية كثيرة! الصور النمطيّة لا بدّ أن يكون فيها تجاهلٌ للحالات النفسيّة التي نعيشها. إنّها تنتقي تجارب معيّنة وترمي بأخرى حتى تصل إلى نتيجة نمطيّة؛ نتيجة خاطئة في أغلب الأحيان، ولكنّها خفيفة ظريفة وسهلة الهضم: السعداء لا يكتبون.

فمن الذي يكتب؟ من ليس سعيدًا.
لماذا تكتب التي تكتب؟ لأنّها ليست سعيدة.
متى يكتب الرجال والنساء؟ حين لا يكونون ولا يكنّ سعداء وسعيدات.

هل تتضمّن هذه الإجابات الثلاث كلّ الاحتمالات الممكنة؟ لا، بالطبع. وكذلك إجابة أو قاعدة السعداء لا يكتبون لا تتضمّن كلّ الاحتمالات الممكنة. وهذا ما قد يدفعنا إلى قلب هذه القاعدة إلى سؤال، مثلما نفعل (أو يجدر بنا أن نفعل) مع كل المسلّمات التي نرمسنها ونتداولها دون تشكيك.

السعداء لا يكتبون؟
يمكننا الردّ على السؤال بطرح أسئلة أخرى: ماذا نفعل بكلّ النصوص التي كُتبت بسبب تجارب سعيدة؟ ماذا نفعل بكلّ الكُتّاب والكاتبات الذين يقولون إنّهم لا يشعرون بالسعادة إلّا حين يكتبون؟ لستُ مبدعًا أو كاتبًا على سنّ ورمح، ورغم أنّني أعاني من الكآبة، إلّا إنّني كتبتُ وأكتب وأنا سعيد. حين رحمني الله بالحبّ وأنقذني من الظلمات بنور حبيبتي، حين صرتُ سعيدًا حقًّا لأوّل مرّةٍ في حياتي؛ صرتُ أنشط، أكتب وأقرأ وأعمل أكثر. فكيف حدث هذا إن كان السعداء لا يكتبون؟

السعداء لا يكتبون؟
طريقةٌ أخرى للإجابة عن السؤال، ليس بطرح أسئلة، ولكن بإجابة طويلة فيها عشرون كلمة متشابهة: السعداء لا يكتبون ويكتبون، والسعيدات لا يكتبن ويكتبن، والمكتئبات يكتبن ولا يكتبن، والمكتئبون يكتبون ولا يكتبون. هذه ليست إجابة، صح؟ يعني، قلتُ فيها كلّ شيء، الجميع يفعلون ويفعلن ولا يفعلون ولا يفعلن في ذات الوقت! كيف؟! ببساطة لأن هذه إجابة تُوضّح عبثية السؤال، فنحن إن أردنا التحدّث عن "الجميع" فلا بدّ أن نتحدّث حقًّا عن الجميع، وهذا يعني أن نرمي في القمامة تلك الصور الرومانسية النمطيّة، التي تحاول اختزال "الجميع" في اقتباسٍ شاعريّ يتحدّث عن تجربةٍ واحدة.

صياغة أخرى للقاعدة: الجميع يعيشون ويعشن تجاربَ متنوّعة.

تحدٍّ أخير للسؤال العبثي: أنا سعيد، في قمّة السعادة، وكتبتُ هذا التدوينة. علّل!

26 -7- 2020

الأربعاء، 6 نوفمبر 2019

شهر في سيينا لهشام مطر: نحن هنا نتعلم كيف نعيش.



منذ فترة اكتشفتُ أنني ارتكبتُ خطأً فادحاً. رواية "في بلاد الرجال" لهشام مطر صدرت سنة 2006، وأنا بكل حماقة تعطلتُ في قراءتها 11 سنة! خطأ فادحٌ فاضح في هذه الحياة التي لا وقت فيها لقراءة كل شيء ولذلك نتمنى أن نقرأ ما يستحق القراءة قبل أن تُغلق كل الكُتب. ولكنني حاولت تصحيح هذا الخطأ. قرأتُ "في بلاد الرجال" سنة 2017، بعد 11 سنة من صدورها، ولكنني قرأتُ كتاب "العودة" المدهش سنة 2017، هذه المرة سنةً واحدةً فقط بعد صدور الكتاب في 2016. تقدمٌ جيد، أليس كذلك؟ حسناً، لقد حرصت على أن أتقدم أكثر.

كتاب هشام مطر الجديد "شهر في سيينا" A Month in Siena صدر بتاريخ 17 أكتوبر 2019. لماذا أعرف تاريخ صدور الكتاب بهذه الدقة؟ لأنني لأول مرةٍ في حياتي أطلب كتاباً قبل صدوره، وقد وصلني عبر البريد بتاريخ 17 أكتوبر بالضبط. لقد حاولتْ الظروف أو الصروف أن تتواطأ ضدي وضد الكتاب، هذه مشاغل وهذه هموم وهذه صاحبة الفخامة الكآبة وهذه حوادثٌ مؤلمة، ولكن هذا التواطؤ لم ينجح إلا في تعطيلي أسبوعين أو ثلاثة فقط!

حين قرأت "في بلاد الرجال" صُدمت: كيف تعطلت لهذه الدرجة؟ كيف لم أنتبه لهذا الكتاب الممتاز ولهذه الرواية التي قد تكون إحدى أفضل الروايات اللاتي قرأتهن؟ وحين قرأت "العودة" لم أُصدم، بل فقط تأكدت أن هشام مطر كاتبٌ وشاعرٌ حقيقيٌّ جداً، وشعرتُ بأن "العودة" كتابٌ اقترب كثيراً من درجة الكمال. والآن وقد قرأت "شهر في سيينا" فها أنا ذا أزداد يقيناً فوق يقيني بأن هشام مطر من أفضل الكُتَّاب المعاصرين.

اللغة تشبه الذاكرة أليس كذلك؟ نستخدم كلمات من ذاكرتنا للتعبير عن شيء جديد أو بالأحرى لتذكير بعضنا بعضاً بشيء قديم لنفهم شيئاً جديداً. وأظن أن المقارنة كذلك نوعٌ من أنواع اللغة الذاكرية. ولذلك سأبدأ بهذا الاستذكار: لقد ذكرني الكتاب بإدوارد سعيد وخورخي لويس بورخيس وعبدالفتاح كيليطو. سنجد عقلانية وأناقة إدوارد الأكاديمية، وسنجد شغف بورخيس بالتفاصيل والأحلام والخيال، وسنجد فضول كيليطو وهو يحاول فك ألغاز الأعمال الفنية. ولكن هذا لا يعني أن هشام مطر ليس موجوداً، بل موجود، فالعقلانية عقلانيته والأناقة أناقته، والشغف شغفه وأحلامه وخياله، والفضول فضوله، واللغة لغته الرائعة المدهشة بدقتها. ولهذا السبب كذلك، لحضور هشام في كتابه الجميل هذا، فقد ذَكَّرني بكتاب "وليمة متنقلة" لهيمنغواي، ذلك الكتاب الصغير الذي أهديت منه نسخاً عديدة، والشيء بالشيء يُذكر فقد تحدثت وأوصيت وأعرت وأهديت كتابي هشام مطر "في بلاد الرجال" و"العودة" عدة مرات كذلك. وهذه الذكرى القديمة عن كتاب هيمنغواي الذي كتب فيه عن تجارب شبابه في باريس بجمالٍ حميميٍّ (أو ربما بروستي) مُدهش تقودني لوصف الذكرى الجديدة التي هي كتاب هشام هذا.

"شهر في سيينا" كتاب يتحدث فيه هشام عن شهرٍ أمضاه في مدينة سيينا الإيطالية بعد الانتهاء من تأليف كتابه "العودة". "العودة" كتابٌ جميلٌ ويقترب من درجة الكمال كما ذكرتُ سابقاً، ولكن جماله هو ذاك الجمال الشاعري، جمال قصائد الرثاء التي تتمكن بمعجزةٍ سليمانية من تذويب فضة الحزن وتشكيل الجمال منها. حين كتبت عن "في بلاد الرجال" قلت إنه كان كتاباً مرهقاً، "العودة" لم يكن مختلفاً في إرهاقه العاطفي الجميل. في كتاب "العودة" يذكر هشام عادته في الذهاب إلى المتاحف ليختار لوحةً ويقف أمامها لزمنٍ طويل يدرس كل تفاصيلها. هكذا قد نفهم لماذا قرر هشام أن يذهب إلى سيينا ليشاهد اللوحات السيينية الغامضة التي قال عنها:

"كانت تقف منفردةً، لا من العصر البيزنطي ولا من عصر النهضة، طفرة بين الفصول، مثل الأوركسترا تُدوزِن أوتارها في الاستراحة."

الجمعة، 14 أبريل 2017

في بلاد الرجال لهشام مطر: عن الرعب تحت الشمس وإرهاق الماضي.




لقد كان كتاباً مرهقاً.. مرهقاً جداً... لم أتوقع أبداً أن يكون الكتاب هكذا. 

لقد سمعتُ عن الكتاب كثيراً، منذ صدوره وإلى اليوم (تقريباً 10 سنوات). وكيف لا، والكاتب هشام مطر ليبي حقق شهرةً في الخارج، في العالم الآخر. في السنوات الأولى لصدور الكتاب ربما كنا نتجاهله لأنه كتاب يتحدث عن جماهيرية القذافي، يتحدث عن ليبيا التي كنا لا نتحدث عنها إلا همساً بعد النظر حولنا ألف مرة. ربما هذا كان سبباً لاواعياً في تجاهل الكتاب، بالرغم من أن مثل هذه الكتب الممنوعة والخطيرة كانت خطيئة يحرص كثيرون على ارتكابها زمن القذافي، كانت الخطيئة الكبرى، المتعة القصوى، التمرد السري البائس ضد هذه البلاد وهذا الطاغية – الكتب الممنوعة كانت سلعةً أثمن من المخدرات وأقوى نشوةً منها، فربما لم يكن هذا السبب فعلاً. وإن كنت لا أعلم هل هذا السبب له دوره أم لا، فإنني أعلم يقيناً أن السبب الأساسي في إهمالي لقراءة الكتاب هو أنني كنتُ دائماً أشعر بأن هذا الكتاب ليس مهماً بالنسبة لي. ألفه رجلٌ لم يعش في ليبيا فعلاً، عاش أغلب حياته خارجها. ألفه بالإنجليزية. كان يكتبه للعالم، وليس لليبيا. كان يتحدث عن أشياء أعيشها، وتجارب اختبرتها. فلماذا سأقرؤه؟

ربما لم أكن مخطئاً فيما يخص طبيعة الكتاب، ولكنني كنتُ بلا شك مخطئاً في تجاهله.

مؤخراً أثار كتاب هشام مطر الجديد "العودة" ردود فعل عالمية إيجابية بشكل كبير. لقد فاز بجائزتين مرموقتين حتى الآن (حسب علمي). قلتُ في نفسي ربما حان الوقت لأقرأ كتبه. اشتريت "في بلاد الرجال" و"العودة"، وبقيتُ متردداً بخصوص الكتاب الذي في المنتصف "اختفاء". وكالعادة دائماً بقيتُ أتعطل وأتعطل وأقلب الصفحات الأولى لرواية "في بلاد الرجال" وأؤجل الأمر. إلى أن فاز كتاب "العودة" بجائزته الثانية مؤخراً. حسناً، هذه السنة أريد القراءة لكُتَّاب ليبيين والتعرف على الأدب الليبي. هشام مطر كاتب ليبي، وإن كنتُ مازلتُ متوجساً من كتابه هذا باعتباره كتاباً "أجنبياً". حفزتُ نفسي بخبر الجائزة الجديدة وبمشروع قراءتي الليبي. وبدأت في قراءة رواية "في بلاد الرجال".

لقد كان فخاً!

بداية الكتاب كانت مليئة بالابتسامات. إنها ليبيا. إنها بلادي التي تربيت فيها! نعم، سليمان (بطل الرواية والراوي) كان يعيش في طرابلس، وطرابلس مختلفة نسبياً عن بنغازي، وفي فترة زمنية تسبق طفولتي. لكنه كان يعيش حياةً شبيهةً بحياتي. حياة صغيرة. عائلة صغيرة، شارع واحد، جيران. كنتُ أبتسم كثيراً، كل شيء كان يجعلني أشعر بالحنين. حتى اسم دلع البطل الذي يناديه به البعض "سلومة"، كان يجعلني أشعر بالحنين بالرغم من أنه ليس اسمي، ولكنني كنت أقرأ اسم الدلع هذا بلهجة ليبية، أقرأ فيه الطفولة. إن هشام مطر يتذكر طفولته بوضوح دقيق، وضوح يلتقط حتى نبرة الناس وحركاتهم بالضبط وهم يلقون التحية على "سلومة" ويقولون له "يا بطل". لقد جذبني الكتاب بهذه النوستالجيا. احتواني، وطمأنني، ولف ذراعيه حولي.. ولم أكن أعلم أنه كان يمد يده إلى داخل صدري...

لقد بدأ الكتاب يمد يده إلى قلبي...

شيئاً فشيئاً بدأت الأحداث تتسارع.. شيئاً فشيئاً كانت يد الكتاب تقبض على قلبي.. شيئاً فشيئاً كان هشام مطر يستعيد كل مشاعر الطفولة في الجماهيرية: كل عدم الفهم الطفولي لتصرفات الكبار وخوفهم وسرية أحاديثهم وهمسهم وتحذيراتهم من تكرير الكلام، كل الرعب مما يحدث للآخرين وتسمعه وتراه، كل الخوف حتى من سماعة الهاتف والمكالمات.. لقد انغلقت يد الكتاب على قلبي، وعصرته! عصرت منه كل مشاعر وذكريات الطفل الذي يعيش في بلاد يتعلم فيها الخوف وهو صغير دون أن يفهمه، وشيئاً فشيئاً يكبر ليفهم تماماً سبب هذا الخوف فيبدأ في تعليم الأطفال هذا الخوف من جديد: لا تذكر ما سمعته لأحد! لا تُكرر هذا الكلام! اذهب والعب قليلاً أريد الحديث مع عمو، لا تتحدث في الهاتف عن شيء سلم عليه واعطني السماعة، لا تخرج هذه الكتب من البيت، لا تتحدث مع أولاد هذا الجار، ولا تعد للعب مع أولاد ذاك... لقد عصر الكتاب قلبي وأخرج من داخلي كل تلك المشاعر القديمة... مشاعر الطفل الخائف الذي لا يفهم شيئاً، ومشاعر الرجل الذي يكبر ويفهم ويحمد الله أنه لم يفعل شيئاً خاطئاً في صغره ويبدأ فوراً في الحذر حول الأطفال...

لقد عصر الكتاب قلبي!

وأرهقني.. كان وكأنه يفرض علي إعادة عيش تجارب نفسية مؤلمة... لا أذكر أن فرداً واحداً من عائلتي الممتدة الكبيرة، أعني أخوالي وأعمامي، كان يؤيد القذافي أو يدعمه، بل كان الجميع ينتقده ويتحدث عن جرائمه، غالبيتهم كانوا يتحدثون عن المملكة، "العهد البايد" (و"الباهي" في روايات أخرى)، غالبيتهم يقرأون ويتبادلون الكتب الممنوعة بسرية... وكثيرون سُجنوا وتعذبوا في سجون القذافي، غيرهم مهاجرون لم يكونوا يستطيعون العودة لأسباب أمنية، وآخرون كانوا معارضين صريحين في المنفى... كان هنالك الكثير من الرفض للقذافي في العائلة، وكل ذلك جعل نقد جماهيرية القذافي شيئاً عادياً داخل بيوت العائلة، ولكنه أيضاً زاد من الخوف.. عتبات البيوت كانت المكان الذي تخلع فيه حذاءك وحذرك، وحين تخرج ترتدي الاثنين وتنطلق في عالمٍ من الصمت. الكلام مسموحٌ به داخل البيت فقط. جدران بيوت العائلة وحدها ليست لها آذان، لكن بقية جدران المدينة كلها آذان وأعين.

هشام مطر أعادني إلى طفولتي، وجعلني أعيد عيش كل ذلك الرعب وعدم الفهم. لم أكن أخاف على سليمان، سلومة.. لم يكن رعبي هو على سلومة بطل الرواية الصغير، وأنه يتوجَّب عليه أن لا يتحدث مع رجال اللجان الثورية، أن لا يعطيهم معلومات، أن يكون حذراً، وأن يسمع كلام أهله.. لم أكن أخاف على سلومة، كنت أخاف على نفسي... ياه كم يتذكر هشام مطر طفولته الليبية. لقد اقتنعت بأنه بالفعل كتب ليبيا كما هي.

لقد أرهقني الكتاب لدرجة أنني وصلتُ مرحلةً كنت أخشى فيها من العودة لقراءته. لقد حاولت، بعد أحد الفصول الذي كاد أن يقتلع قلبي من مكانه، حاولت أن أغادر جسدي قبل أن أعود للقراءة! قلت في نفسي يجب أن أكمل قراءة الكتاب، ولن أستطيع فعل ذلك وأنا موجود! لا أستطيع أن أترك قلبي وروحي في داخلي ليقبض عليهما الكتاب مرةً أخرى ويعصرهما! ولكن، لحسن الحظ أو بؤسه، كان ذلك الأثر قد اختفى حين بدأت الرواية تصف أحداثاً حقيقية.

الرواية كلها حقيقية. كل تفاصيلها. ولكن ما أعنيه هو أنه حين بدأت الرواية تصف أحداثاً نعرفها جميعاً ونعرف بشاعتها وعشنا مع رعبها طويلاً نُغذي بها رفضنا الدائم للقذافي، حين بدأت الرواية تصف هذه الأحداث وتغيرها قليلاً (للتماشي مع طبيعة الرواية "المتخيلة" المبنية على أحداث واقعية)، فقدت الرواية سيطرتها العنيفة علي، أعني أن قبضتها العاطفية التي كانت تعصر قلبي ارتخت.

حدث ذلك بالتحديد مع أحداث إعدام الصادق الشويهدي رحمه الله، طبعاً أقصد الشخصية في القصة المبنية على الصادق الشويهدي رحمه الله. إنها قصةٌ أعرفها جيداً، حفظتها، رأيت صورها، أعلم كل شيءٍ حولها واكتسبت تجاهها مناعةً من نوعٍ ما. إن كان يمكن وصف الاعتياد على الألم بأنه مناعة، فأنت ستشعر بالألم، كل ما في الأمر أنه لن يكون جديداً. هذه الأحداث كانت منعطفاً في الرواية، ربما كان منعطفاً يمثل انتقال الرواية من رواية تشارك الليبيين ذكرياتهم، إلى رواية تخاطب العالم غير الليبي – العالم الآخر. في ذلك المنعطف تحررتُ من الرواية، لم تعد تقبض علي، وكأنها تركتني وذهبت تبحث عن آخرين لتقبض على قلوبهم وتعصرها (إحدى الصديقات، التي ليست من ليبيا، أخبرتني عن صدمتها وخوفها من الرواية وعن ألمها الذي لا تريد تذكره والذي تسببت به هذه الأجزاء من الرواية.. يبدو أن الرواية بالفعل نجحت في القبض على قلوب غير الليبيين في هذه الأجزاء...).

بعد هذه الأجزاء، كانت هنالك أجزاء قصيرة أخرى قد تعود بالقارئ الليبي إلى واقعه وتثير فيه مشاعر دفينة. هي الأجزاء التي تتحدث عن المعتقلين والبوح بأسماء الرفاق والخيانة والبطولة والصمت. إنه شيءٌ بشعٌ بلا شك، أن ينكسر الإنسان تحت التعذيب ويُدفع نحو الخيانة. ولكن ذكرياتي عن الأمر، القصص التي كنت أسمعها طوال الوقت عن المعتقلين ومنهم، مختلفة قليلاً عما في الرواية. الرواية تضع تلك الصورة المعتادة لخيبة الأمل في الخيانة والتقزز منها، وربما هذا للتوافق مع إحدى عبر الرواية التي يريدها هشام مطر، والتي سأذكرها لاحقاً. الواقع في ليبيا كان مختلفاً. كان التعذيب قد وصل بالناس إلى تقبل الخيانة. نعم، لهذه الدرجة كان الوضع سيئاً. لقد سمعتُ قصصاً كثيرةً جداً عن رفاق يعتذرون لبعضهم ويسامحون بعضهم، ولم يكن الأمر محصوراً بالرفاق في جريمة معارضة النظام، فهنالك قصص كثيرة عن أشخاص أبرياء لا علاقة لهم بشيء ينهارون تحت التعذيب وينطقون بأسماء لأشخاص آخرين أبرياء. أحد هؤلاء أعطى المحققين اسم أحد أصدقائه، وحين التقيا في السجن اعتذر له وقال له قلت في نفسي أنت لن تعترض على مؤازرة صديقك والتسكع معه قليلاً، خاصةً وأنهم هددوني بإحضار أبي وأمي للسجن! لقد اختار الرجل البريء أن يعطيهم اسم صديق هو الآخر بريء لأن صديقه سوف يتفهم، وبعد سنوات السجن الطويلة يروي لك القصة ضاحكاً. ونعم، كانت هنالك قصص بطولية، سوف تسمع عن أشخاص اشتهروا بأنهم لا يمكن كسرهم وإخراج ولو حرف واحد من بين شفاههم، سوف تسمع عن أشخاص لم يكونوا يدخلون لجلسة تعذيب ولكن لجلسة مصارعة فيلكمون ويركلون ويعضون معذبيهم! سوف تسمع عن أشخاص كانوا يعترفون على أنفسهم ويبرئون رفاقهم. ولكنك سوف تدرك أن الجميع تقبلوا الخيانة حين تكون نتيجةً للتعذيب. ولكن ليس الوشاية! هذه كانت آفة البلاد، وبالتالي كانت أكبر خطيئة يمكن ارتكابها في أعين الناس. التبليغ عن شخص ما. ولكن في السجن، تحت التعذيب، كانت الخيانة مختلفةً تماماً...

بعد أن تعبر الرواية ذلك المنعطف، أعني بعدما شعرتُ أن الرواية بدأت في مخاطبة العالم، فهي تنتهي بثلاثة أصوات...

صوت ليبيا يتراجع في الخلفية، يصبح قصصاً بعيدة. يعرفها كل الليبيون جيداً، ويعيشونها، ولا تعود الرواية تشدهم فعلاً – على الأقل هذه تجربتي، القبضة ارتخت من على قلبي وذهبت تبحث عن ضحايا آخرين!

صوتٌ آخر أعلى يخاطب العالم الخارجي (أو ربما يسمعه العالم الخارجي بوضوحٍ أكثر)، صوتٌ يقول بأن هنالك عالم بالرغم من أنه يقع تحت الشمس مباشرةً ويكاد يحترق تحت ضوئها إلا أنكم لا تعرفون عنه شيئاً ولا ترونه، وفي هذا العالم لا نهاية هوليوودية سعيدة، في هذا العالم الدماء بشعة وليست شيئاً نبيلاً بطولياً، في هذا العالم ينهار الأبطال، يبكون، يتبولون على أنفسهم، يخونون رفاقهم، لا يوجد بطل يحتفظ بصمته ويموت مرفوع الرأس (وهذه العبرة التي ربما تكون السبب في تصوير هشام مطر للخيانة في صورة مخزية قد تخالف الواقع). في هذا العالم الحياة ليست طبيعية. أشعر بأن هذا الصوت موجه للعالم الخارجي، العالم حول ليبيا، فهذه الحياة "غير الطبيعية" التي لا تنتهي نهايةً سعيدة هي الحياة التي نعيشها، الحياة التي كنا نعيشها تحت القذافي، والتي مازلنا نعيشها في ظروف أسوأ اليوم...

الصوت الثالث هو صوت الليبي المنفي. صوت الليبي الذي يقول بأنه انقطع عن بلاده بسهولة كبيرة. لم يستبدلها ببلاد أخرى، ولكن حبل الوطنية الرفيع جداً (كما يصفه هشام مطر، معقباً بأن هذا قد يكون سبب هوس الجميع بحمايته!) ينقطع، وتبقى البلاد مجرد فراغ في صدرك. الليبي المنفي، المغترب، الذي يتساءل بغضب عما تريدُ تلك البلاد من أولادها بعد، ألا يكفيها ما أخذته منهم؟! هذا صوتٌ لا أظن أن العالم الخارجي سوف يسمعه، ولا أظن أن ليبيا سوف تسمعه بوضوح، ولكن أي ليبي اغترب قليلاً سيسمعه ويفهمه جيداً.

لا أريد الحديث عن المعاني الكامنة في الرواية. أظن أن أبرز معنى في هذه الرواية التي تقف فجأةً لتخاطب العالم هو أن هناك حقيقة تقع تحت الشمس مباشرةً لا يراها العالم، حقيقة لا نهاية سينمائية سعيدة وبطولية فيها. وربما هناك رسالة أخرى، رسالة ضمنية في علاقة سلومة بأمه نجوى، أمه التي يمكنها أن تكون رمزاً لليبيا، الفتاة التي تزوجت رغماً عنها، والتي ربطتها علاقة متقلبة بابنها، فهو يحبها ويريد إنقاذها، وأحياناً يكرهها ويغضب منها – ليبيا هي أمنا التي نغيب عنها ونتفادى الاتصال بها، ولكن حين نراها نصيح بشوق "ماما! ماما! ماما!". ربما هذه أبرز المعاني في الرواية. باقي الكلام نعرفه، الليبيون عاشوه، كثيرون في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والعالم الثالث عاشوه واختبروه جيداً. القارئ الأوروبي ستختلف ردة فعله مع هذه الرواية الأجنبية تماماً عليه، القارئ الشرقي ستكون له ردة فعل أكثر وعياً بتفاصيل هذه الرواية، والقارئ الليبي سيعرف كل شيء. والتجربة الشخصية لكل قارئ مختلف أيضاً ستحكم الأمر، ردة فعلي المرتبطة بالرواية كثيراً على المستوى العاطفي ستبقى أبعد بكثير من ردة فعل أحد أقربائي أو أصدقائي أو جيران طفولتي الذين اعُتقل أهاليهم مثلاً والذين سيكونون أقرب للرواية. ردة فعلي على الجزء الأخير من الرواية وأنا مغترب سيختلف بلا شك عن ردة فعل شخص لا يزال في ليبيا، وسيختلف عن ردة فعل شخص لم يضطر يوماً للتفكير في مغادرة بلاده.

وبالحديث عن التجارب الشخصية في القراءة، فقد كنتُ أشعر بنوع من الصدمة وأنا أقرأ الكتاب. صدمة أن يكون هشام مطر كاتباً بارعاً لهذه الدرجة. كيف تأخرتُ في قراءة الكتاب لهذه الدرجة؟ كيف يمكن أن يكون هنالك كاتب ليبي بهذا المستوى؟ لا توجد أية أخطاء في الكتاب!

هشام مطر كاتبٌ حقيقي، شاعرٌ حقيقي. إنه يُجيد الوصف، والتقاط التفاصيل العابرة، يجيد وصف  مشاعر الناس وتحليلها، ويُجيد استخدام التشبيهات التي تجعل القارئ يفهم تماماً ما يقصد (براعته في التشبيه براعة شاعر!)، كما يجيد السرد والتشويق. إن خلاصة ذلك أن الرواية تكون عملاً أدبياً فنياً متقناً، وليس مجرد رواية مشوقة أو سيرة ذاتية أو كتابة رجل يُحدث العالم عن مكان غريب اسمه ليبيا (أو الجماهيرية!).

أظن أنني وصلتُ إلى نهاية حديثي.. لا شيء جديد حقاً في هذه "المراجعة"، إن جاز لي وصفها  بذلك. هي فقط تجربتي الشخصية في قراءة هذا الكتاب. لم أندم إطلاقاً على قراءة الكتاب، بل ندمت على تغافلي عن هذا الكاتب طيلة هذه الفترة. أشعر بأن زمن هذا الكتاب قد ولى، خاصةً بعد سقوط القذافي وسقوط ليبيا نفسها في جحيم مختلف كلياً الآن، وإن كان الكتاب يبقى (مثل الكثير من الأعمال الكلاسيكية في الأدب العالمي التي استحق هشام مطر مكانه بجدارة بينها) يبقى شاهداً على عصره. شاهداً يقول الحقيقة، وهذا شيءٌ نادرٌ جداً في عالم الأدب الخيالي...

هشام مطر كاتب حقيقي. وكتاب "في بلاد الرجال" عمل فني حقيقي، حقيقي واقعياً وحقيقي فنياً...

ولقد كان كتاباً مرهقاً...

5 أبريل 2017.