‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد أدبي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد أدبي. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 5 يونيو 2026

عن الخيال العلمي والواقع، واستحالة الحركة والوصول، والمشي بخطوات هادئة


كيف تُخفق في كتابة قصّة خيال علمي

"قلتُ لحسام مرَّةً إنه من ضروب المستحيل أن يفهم أحدٌ، أيُّ أحد، الآخر."

عيادة الأدب الرديء، ص33

ماذا سيكتب رجل أمنٍ متقاعد إذا قرّر كتابة قصصٍ قصيرة؟ الإجابات عديدة، ومن بينها إجابة ربما تؤدي إلى "آه، صح والله!": قصص الخيال العلمي. جنسٌ أدبيٌّ ملائمٌ لمن يرغب في تمويهٍ مجازي، مثلًا رجل أمنٍ تقاعد بعد عمرٍ في المنظومة الأمنيّة، يتحدّث عن إمبراطوريّة فضائيّة لا الحاكم، عن قراصنة فضائيين يخطفون الناس من أسرتهم لا المخابرات، عن فيروسات تلتهم العقول لا خطاب حكومة قائم على التضليل، وهلم جرًّا. الخيال العلمي ستارٌ رمزيٌّ ملائم. هذا ما حاوله المؤلف نديم عليمات في مجموعته القصصية "الطريق إلى تحت". تبدأ قصته الأولى، التي تحمل المجموعة اسمها، بأخبار غزوٍ فضائي نكتشف أنه ربما كان مجرّد تضليلٍ حكومي.

فهل كان نديم عليمات يحاول أن يكتب قصّة خيال علمي؟ أظن أنه حاول أن يتخيّل، ولكن يبدو أن نير الواقع محكمٌ حول عنقه.


في قصتي "الطريق إلى تحت" و"بحثًا عن الجمال العظيم" ملامح خيال علمي، محاولات لتخيّل شيء يتجاوز العلاقات الاجتماعيّة والقمع الحكوميّ والهوس الأدبي. لكن المؤلف سرعان ما يفقد بوصلته، إن كان يقتدي بواحدة أصلًا. في قصّة "هيستريا" يُسخّر المؤلف، بشجاعةٍ طريفة، عقدته مع الخيال العلمي. يحضر بطل القصة صفًا جامعيًّا عن أدب الخيال العلمي ثم يكتب قصةً لا علاقة لها بالخيال العلمي! لعل المؤلف يريد أن يقول لنا: لقد حاولت أن أتخيّل، أن أُشفّر، ولكن ثمّة أمور أهم من الكائنات الفضائيّة الخضراء. يقول ذلك صراحةً في "هيستيريا" على لسان طالب الأدب: "لستُ مرتاحًا في كتابة شيء "غير واقعي"" (ص130). يسأل الطالب المحاضِرة: "أليس ممكنًا أن نكتب خيالًا علميًّا، دون أن ينتمي المكتوب إلى الخيال العلمي، على الأقل للوهلة الأولى، أو... قد لا ينتمي له على الإطلاق؟" (ص131). هذا الإخفاق (المتعمّد) نراه بوضوح في القصّة التي ذكرتُ أن بطلها كتب قصّة لا تمت بصلة إلى الخيال العلمي (السياسة أكثر حضورًا في القصّة)، كما نرى ملامحه في قصة "بحثًا عن الجمال العظيم" التي تُطرح فيها مسألة جدوى الفن في مواجهة الواقع، كما تُطرح فيها مسألة الشجاعة السياسيّة أيضًا حينما ينتقد حسام عليمات (سنعود لحسام الذي يشارك المؤلف لقبه) جُبن الفنان فادي أبو وردة في مواجهة الواقع السياسي. في القصة ذاتها تغمر حسام عليمات نشوة حينما يستمع لأغنية سياسيّة تنتقد الوضع القائم.

يحضر موضوع الأمن والسياسة في أربع قصص من قصص المجموعة الخمس. وهو موضوعٌ لنا أن نسقطه على تفاصيل أخرى أيضًا: هوس الشخصيات بالمسموح قوله والممنوع؛ التفكير المفرط؛ القلق والهلع. أعراض طبيعيّة ومتوقّعة في علاقات الحب والصداقة ومسائل الصحة العقلية، ولعلّها تنبع من السياسية أيضًا، صح؟ كلنا رقيبٌ على ذاته في عالمنا المخنوق، كلنا نفكّر بإفراط في كلّ تصرفاتنا وفي كلّ ما نكشفه للناس وللحكومة. لم يخطر الأمر ببالي من قبل، ولكن ما أشبه هواجس العلاقات الاجتماعيّة بهواجس العيش في دولٍ بوليسيّة.

وإن كان نديم عليمات يُخفق في كتابة قصة خيال علمي بسبب الحاجة إلى الحديث عن شيء أهم، أفكل ما يتحدث عنه هو السياسة؟ من الواضح أن خواطر المؤلف موشومةٌ بتاريخه الأمني: التفاصيل الحميميّة عن تصرفات رجال الأمن في قصة "تقرير عن الفن المفاهيمي"؛ التضليل الحكومي في ثلاث قصصٍ من المجموعة؛ تكرار صورة امتلاك السلطات الأمنية يد الكاتب ("أفهمناهم أن يدهم الأخرى تصير ملكنا مجرّد أن يشتغلوا معنا..."(ص189)، "هات يديك، هاتهما ولا تخف. هل تراهما؟ هاتان اليدان لي، أصابعك النحيلة، عقلك، مشاعرك، كلّها لي..." (ص243))؛ اليأس من الحراك الجماهيري وعقم المظاهرات؛ وبعض الجرأة، بعض الأمل الذي نلمحه في قصة "بحثًا عن الجمال العظيم". لكن شيئًا آخر يتكرّر في كلّ القصص: ابنه، حسام عليمات.

القصص كلها من جنس الأدب المافوقي أو meta-fiction (ما فوق أو ما وراء النص). تعريفات الأدب المافوقي كثيرة، أبسطها أن النصّ واعٍ بأنه نصّ، كأن يخترق النصُّ نفسه ويخاطبنا مباشرةً، أو أن يحيل إلى ذاته أو إلى مؤلّفه. في قصة "عيادة الأدب الرديء" يُذكر نديم عليمات بوصفه مؤلف المجموعة القصصيّة ذاتها. في قصّة "هيستريا" تشير شخصية إلى قصّة "بحثًا عن الجمال العظيم" وتنسبها إلى حسام عليمات. وفي أوضح تطبيق للمافوقيّة، يخاطبنا المؤلّف "المتخيّل" في أكثر من موضع، يشككنا مرّةً إن كان راويًّا عليمًا، ويفكّر في وصف شخصية بأنها حزينة، ينتقد تصرفات إحدى الشخصيات لأنها لا تعرف أنها في قصة، يموّه مصادر معرفته بالأحداث (وفي القصّة ذاتها يُنسب له قول "لا تخفي مصادرك"!). القصص واعية بأنها قصص، واعيةٌ بعالمها الذي تعيش فيه، بكل أحداثه وشخصياته المتكررة عبر النصوص: فادي أبو وردة، ونذير ملكاوي، وصدام القرعان، وجميل بك، ومصطفوي، إلى جانب حسام عليمات طبعًا، المؤلّف "المتخيَّل" للقصص. هذا العالم المتداخل ربّما يوهمنا أن الكتاب رواية، ولكن لدي معلومة مؤكّدة أنه ليس كذلك (ومثلما يفعل الراوي في إحدى القصص، فسأقول إنني لن أكشف مصادري الآن!). إضافةً إلى ذلك، في كلّ القصص مستويات من السرد: "الطريق إلى تحت" فيها ثلاثة أصوات، أحدها حسام عليمات؛ "عيادة الأدب الرديء" بصوت حسام عليمات ويتوسطها نص لإحدى الشخصيات، وتُختتم بإلحاق مقابلة مع حسام عليمات الحقيقي (!)؛ "هيستريا"، وربّما يصعب عليكم تصديق ذلك، تروى بصوت حسام عليمات، وتتضمن محاضرة عن أدب الخيال العلمي لأستاذة فنلنديّة، ونصوص لنذير ملكاوي؛ "بحثًا عن الجمال العظيم" صوت سردي واحد، وهو بالطبع حسام عليمات، لكنه يروي قصته وقصة فادي أبو وردة كما رواها له، وتتخللها بيانات وتدوينات وتعليقات؛ "تقرير عن الفن المفاهيمي" فيها صوت سردي واحد ربما، هل حزرتم؟ صح، حسام عليمات، ولكن تتخللها مقابلات ورسائل وفصول من مسرحية لشخصيات أخرى.

هذا النمط المافوقي يدفعني لتخيّل أن نديم عليمات أراد أن يكتب كثيرًا، أن يتخيّل، أن يتعمّق، ربما أراد أن يستكشف هويةً من عدّة زوايا، الكاتبة، الفنان، الأستاذة الجامعيّة، المعالَج نفسيًّا، ضحية رجال الأمن، الطالب، العاشق المتوتر، المغترب، القارئ، الكاتب... لو كان نديم عليمات يشبه أبطال قصصه لقلتُ إنه ربّما فرط خيط هويته ونثر حبّاتها المتعدّدة في نصوص متداخلة، وجلس يلقطها ويتأملها. النتيجة أسلوبٌ مافوقيٌّ مميز، يلف ويدور في فلك هويات متداخلة. لكن حسب ما تكشفه لنا النصوص عن نديم عليمات هذه "الهويات" لا تشبهه، أو على الأقل أغلبها لا يشبهه. فما الذي لف نديم عليمات حوله ودار؟ من الذي يمكن أن تنتظم كلّ تلك الشخصيات في خيط هويته؟

وهنا أعود إلى ما قلته قبل فقرتين: ابنه، حسام عليمات.

السبت، 13 أغسطس 2022

عن الأدب الليبيّ أو عن حيرتي قارئًا للأدب أو عن نقد النقد: هل ثمّة أمل في جوائز الأدب العربيّة؟


عمّاذا نكتب حين نكتب عن القراءة؟ سؤال "كتابة إبداعيّة"، أليس كذلك؟ أعني أنّ تعدّد سبل الإجابة عليه لن يجعل أيّا من تلك الإجابات إجابةً خاطئة، قد تكون الإجابات عمليّة أو علميّة، قد تكون شخصيّة، فلسفيّة، سياسيّة، قد تكون كلّ ذلك، ولا شيء مما سبق، قد تكون واجبَ إنشاءٍ أو بحثًا تفكيكيًّا أو روايةً أو مقالةً عن روايةٍ. أظنني أستطيع الزعم بأننا نكتب أوّلًا عن تجربتنا الشخصيّة، أو بعبارات أخرى عن كيف قرأنا وما قادتنا إليه قراءتنا. هذه بسيطة. لكنّ السؤالَ يصير عندها: ماذا نختار من هذه التجربة لنكتبه؟ ولماذا؟ أعرف أنني قلت "السؤال يصير" ثم أردفْتُه بسؤالين، لكن – ولأكُن صريحًا – ستتكاثر الأسئلة فلا داعي للتدقيق.


عن القضيّة؟

ربّما اخترنا أكثر ما أثارنا؟ ثم نكتبه لأسباب كثيرة لعلّ أقلها إثارةً للجدل رغبتنا في مشاركة الآخرين. ربّما. ولعلّني لهذا السبب حين قرأتُ "خبز على طاولة الخال ميلاد" لمحمد النعّاس شعرتُ أوّل الأمر أنني أريد الكتابة عن قضيّة الرواية المحوريّة: المعايير الاجتماعيّة للرجولة (أو ما أُشير إليه كثيرًا بوصفه قضيّة جندريّة).  وأظنّ أنّني يجب أن أعترف هنا أنني تأثّرت بشيءٍ من خارج الرواية: بالحملة التي شُنّت عليها (وعلى مؤلّفها وقُرّائها وقارئاتها) حين أُعلِنَ عن حيازتها الجائزة العالميّة للرواية العربيّة. أثارت قضيّة الرواية تحفّظات كثيرين فور ظهور النتيجة، لا سيّما بعد إشادة لجنة الجائزة بتناول الرواية لقضيّة تعريف الرجولة والمعايير الاجتماعية المقبولة وتحدّي الرواية لها، فبدأت مواقع التواصل تتداول صورًا لصفحات أو سطورٍ من الرواية رأى بعض الناس – مثلما اعتدنا مع نصوصٍ مُشابِهة – أنّها تنشرُ الرذيلة وتخالفُ الآداب العامّة وتتعدّى على الذاتِ الإلهيّة وتشوّهُ صورة ليبيا والليبيّين إلى آخر ذلك من كلام مُعاد (حدث الشيء ذاته مع أنطولوجيا "شمس على نوافذ مغلقة" منذ بضع سنوات). قد تكونُ الحملة  هدأتْ الآن، أو كالعادة مرّت مثل أي "ترند" آخر على مواقع التواصل، لكنّ آثارها الواقعيّة تجاوزتْ العالمَ الافتراضيّ، فوزارة الثقافة الليبيّة التي هنأت الكاتب محمد النعّاس على ترشيحه ثم باركت له "بأصدق التهاني" حين حَصَدَ الجائزة، مدّعيةً أنّ هذا الفوز يدعمُ "مكانة الكتاب والكتّاب الليبييّن في الخارج ويثري الإنتاج الثقافي الليبيّ ويُعرّف به على نطاقٍ أوسع"، سرعان ما رضخت للهبّة الشعبيّة الليبيّة فأصدرت بيانًا جديدًا تزعم فيه أنّ الرواية لم تُحل إلى إدارة المطبوعات و"لم تتحصّل على الموافقة المطلوبة وفق القوانين النافذة، أو الإذن بالطباعة أو النشر أو التداول".

استفزّني ذلك أكثر من هجوم الناس ابتداءً وتبرُّئِهِم من الرواية وكاتبها. ورغم أنّ موضوع كتابتي لم يكن متّضحًا لديّ تمامًا، كان الاستفزاز والإثارة حاضِرَيْن بدورهما. أردتُ إذن أنْ أكتب عن تناول الكاتب محمد النعّاس في الرواية لمعايير الرجولة.

الاثنين، 8 يونيو 2020

"حياة كاملة" و"ستونر": الانتصار الهزيمة والدمار





قرأتُ في الفترة الماضية رواية حياة كاملة لروبرت زيتالر. بداية مملة جداً أليس كذلك؟ أهلاً، لقد فعلتُ شيئاً! حسناً، لعلي أحاول تحسين هذه البداية بذكر ما يحدث في الرواية. ما الذي يحدث في الرواية؟ لا شيء. أعني، تحدث فيها حياةٌ كاملة، ولكن لا شيء يحدث فعلاً. مازالت بداية مملة؟ نعم، مشكلة... حسناً، عرفت: قرأتُ منذ سنوات رواية ستونر.

لحظة، أسمعكَ تعترض أيها القارئ العزيز، ألم تبدأ بالحديث عن رواية حياة كاملة؟! هذا صحيح، بدأتُ بذكر حياة كاملة. وأسمعكِ توضحين الاعتراض أيتها القارئة العزيزة، فلماذا انتقلت فجأةً إلى رواية ستونر؟! سؤال جميل (وكأني أستاذ ثانوية لا يريد تحطيم معنويات تلاميذه)، والإجابة بسيطة: لأن إيجر ابن عم ستونر (من جديد وكأني أستاذ ثانوية لا يعرف الإجابة فيعطي إجابة أغمض من السؤال!). ولكن بعيداً عن التفاهة (آسف)، أندرياس إيجر بطل حياة كاملة هو بالفعل ابن عم ويليام ستونر بطل ستونر، على الأقل من حيث الأنساب الأدبية.

إيجر يكبر في مزرعة، يبلغ ويستقل، ينتقل بين عدة أعمال ووظائف، يتزوج، يحب ويفقد، يذهب إلى حرب لا يفهم أسبابها، يجد بيتاً، ويموت مسناً كبيراً منسياً وحيداً دون ندم في بيته. ستونر يكبر في مزرعة، يبلغ ويدخل الجامعة ويستقل، يدرس الأدب، يتعين في الجامعة، لا يذهب لحربٍ لا يفهم أسبابها، يتزوج، يحب ويفقد، يؤلف كتاباً، ويموت مسناً كبيراً منسياً وحيداً دون ندم وهو يتناول كتابه. فماذا يحدث بين البداية والنهاية؟ ما يحدث لإيجر وستونر متشابه: تحدث الحياة لهما. وهذا سبب ظهور ستونر من بين صفحات حياة إيجر بالنسبة لي: الحياة حدثت لهما، كلاهما لم يواجها الحياة، لم يصارعاها، لم يحقدا عليها، لم يندما، لم يفعلا شيئاً سوى قبول كل شيء والاستمرار في المضي قدماً نحو الموت الحتمي في أحد الأيام.

الأحد، 2 يونيو 2019

إفلات الأصابع: حين تجد كاتباً يستحق أن تتمسك به






الفترة الماضية كانت (ومازالت) فترةً صعبةً في حياتي، لا أعلم بالضبط هل سأنجو من عاصفة الظروف هذه أم أنها ستبتلعني وسأطير في وسطها مثل تلك البقرة في المشهد الشهير من فيلم Twister! شكراً مقدماً على تعاطفكم. على كل حال، في وسط هذا الحال المزري مررتُ على تعليق لصديق يتحدث عن رواية شد اهتمامي. الصديق هو يزن الحاج، أعتبره قارئاً شغوفاً أحترم آراءه وإن اختلفتُ مع بعضها، ويعتبره آخرون رقيباً متعالياً على الذوق العام ومترجماً سيئاً (هذه نكتة سيفهمها يزن، فلا داعي للتعصب!). يزن طرح سؤالاً: "هل جربت يوماً شعور الغرق في رواية؟". ذاكرتي سيئة ولا أذكر بالتحديد الروايات أو الكتب التي كان لها هذا التأثير علي (باستثناء كتب تولستوي طبعاً! ولكن هذه استثناءات لا أقيس عليها)، ولكنني إن لم أذكر السبب فإنني أذكر النتيجة وأعرف ذلك الشعور. لذلك: نعم، جربت هذا الشعور، لقد أثرت فضولي، أرجوك استمر. يتابع يزن في تعليقه فيقول: "لا أعني الغرق في أحداث الرواية فقط، بل الإحساس أن الرواية ابتلعتك. متاهة مغوية لا يملك المرء إلا الاستسلام لسردها المرعب من فرط الجمال. كذلك هي رواية محمد خير "إفلات الأصابع". ينبغي أن تُمنع مثل هذه الروايات لأنها تسبب الإدمان." ما حدث تالياً أظن أنه متوقع، في وسط العاصفة التي أعانيها (آسف على الدارما) قررتُ أنني أحتاج لبعض الغرق. وجدتُ الرواية وقرأتها.

صورة لي مع الظروف...

حسناً، لا أعرف من أين أبدأ، والسبب أنني لدي ملاحظات إيجابية وأُخرى.. فلنقُل "بنَّاءة" لنبتعد عن الكلمة الشينة التي تبدأ بحرف السين! أظن أنني سأتتبع انطباعاتي كما راودتني أثناء القراءة، هيكلية سيئة ولكن الله غالب علينا لستُ مُحترفاً!
أول ما لاحظته حين بدأت القراءة كان أن الرواية بالفعل تسحب المرء نحو أعماق متاهتها، ربما لم أغرق كلياً، ولكنني كنتُ أشعر بأنني يجب أن أتابع القراءة، كان السرد بالفعل يفرض عليك أن تستسلم له كما ذكر يزن. المؤلف محمد خير نجح في كتابة قصص تقيدك بألغازها وتدهشك في أحيانٍ أخرى. وهنا يجدر بي أن أذكر ملاحظة معينة. محمد خير استخدم أساليباً متاهية، إن جاز لنا التعبير، ففي بعض الأحيان تجد نفسك عالقاً في حلم أو ربما هلوسة أو في خليط حلهلوسي من الذكريات والمشاعر والأفكار التي لا تعرف هل هي واقعٌ أم خيال – حلهلوسي نحت من حلم وهلوسي، لا شكر على واجب. هذه الأساليب كانت أحياناً تأتي بصفتها منعطفات تبتعد عن خط السرد الأساسي للقصة (مثلاً أحد الشخصيات يسترجع ذكريات، أو يركز على مشاعره، إلخ)، وهي منعطفات خطيرة لأن الكاتب يُجازف بأن يضيع القارئ (يَضيع ويُضيِّع!) خاصةً حين تكون القصة لغزاً أحداثه مشوقة؛ فالقارئ حين يجلس على طرف مقعده متحمساً، كما يقول التعبير الشائع، قد ينزلق من على المقعد ويرمي الكتاب إن طالت تلك الانعطافة! أو يشعر بالملل، أو يستغرب هذا التعمق في تفاصيل لا داعي لها (كما قد يظن القارئ! تشويق!). محمد خير حقق شيئاً بارعاً جداً، فقد وجد التوازن المناسب لهذه الانعطافات السردية: بمجرد أن تشعر باقتراب الملل أو فقدان الاهتمام يعود بك محمد خير فوراً إلى الأحداث الرئيسة واللغز الذي شدك من البداية! أظن أنه على مدى الرواية كلها لم تطل تلك الانعطافات إلا مرة أو مرتين، وهذا ليس عيباً بقدر ما هو إنجاز حين ندرك أن الأمر حدث بهذه الندرة!

الاثنين، 22 مايو 2017

زرايب العبيد لنجوى بن شتوان: قليلاً (أو كثيراً!) من الصراحة.



وجاءت جائزة الرواية العربية ومضت، وكانت ليبيا مُمثلة هذه السنة من قِبل نجوى بن شتوان وروايتها زرايب العبيد. سأكون صريحاً جداً وأقول إنني لم أهتم كثيراً بالرواية حين صدرت، أعني أثار فضولي صدور رواية لكاتبة ليبية من إحدى أشهر دور النشر العربية (دار الساقي)، ولكنني لم أهتم كثيراً.

ترشح الرواية لجائزة البوكر العربية منحها دفعة كبيرة، وشجع الكثيرين على قراءتها. حتى ولو كانت الجائزة قد أثبتت تدني مستواها أحياناً، وحتى وإن أثارت جدلاً كبيراً بتحولها إلى جائزة لدور النشر، فهنالك من تلفت انتباهه هذه الترشيحات فيقرأ. هؤلاء القُراء كانت تعليقاتهم في الأغلب إيجابية. يمدحون الرواية كثيراً، ويقولون إنها تستحق الجائزة (كانت حماسة القُراء الليبيين بالأخص كبيرة!). لم أستطع تجاهل الرواية بعد كل هذه الضجة، وقرأتها. وبما أن الجائزة قد جاءت ومضت كما قلنا، فأظن أننا هدأنا قليلاً ونستطيع الحديث عن الرواية بصراحة.

وبكل صراحة سوف أقول بأن الرواية لا تستحق جائزة. أي جائزة.

وأظن أنني يجب أن أوضح هنا نقطتين: الأولى أن الجوائز الأدبية ليست معياراً أصلاً، فهي في النهاية تمثل الرأي الضيق للجنة التحكيم فقط، وحتى أشهر جائزة أدبية في العالم (جائزة نوبل للأدب) يقال عنها كثيراً إنها لا تمثل الرأي العام للأدباء ولا الرأي العام للقراء، بل إن ذلك قيل عنها في أول سنة مُنحت فيها الجائزة! مُنحت الجائزة سنة 1901 للشاعر الفرنسي سولي برودوم، بعد أن تم تجاهل ترشيح تولستوي عمداً لأسباب سياسية (أولاد الكلب... تولستوي تاج راسهم!)، بعد أن وقعت هذه.. هذه الجريمة الفاضحة! بعث 42 كاتباً وناقداً وفناناً سويدياً رسالة إلى تولستوي يخبرونه فيها بأنهم لا يتفقون مع قرار لجنة الجائزة وأنهم يعتبرون أن المؤسسة التي تسيطر على الجائزة "لا تعبر لا عن رأي الفنانين ولا عن الرأي العام". منذ البداية كانت حقيقة الجوائز الأدبية معروفة. النقطة الثانية أن جائزة البوكر العربية تحولت إلى جائزة لدور النشر، وليس للكُتَّاب، شروط التقدم للجائزة تهتم بدور النشر فتضع شروطاً مثل أن يكون عمر دار النشر سنتين، وإذا سبق لها الفوز تستطيع تقديم كتابين، ولا أعلم، كلام كثير غريب هكذا. وبالتالي الفوز بالجائزة من عدمه ليس معياراً لقيمة أي عمل أدبي، أو بالأحرى ليس تقييماً لا يمكن انتقاده، وإنما هو تقييم تحكمه اعتبارات تجارية وسياسية وغيرها. ولكننا نعتبر أن الجائزة تعني أن العمل الأدبي قد حقق مستويات عالية من الإبداع والاتقان استحق عليها إشادة لجنة متخصصة، وإن كان هذا ما نفكر فيه حين نتحدث عن استحقاق الجوائز، فإن زرايب العبيد لا تستحق أي جائزة.

هل هي رواية سيئة لهذا الحد؟ كلا، عدم استحقاقها لأي جائزة سببه أن الرواية عادية – وهذه وجهة نظري الشخصية، فلا داعي للتحمس! وجهة نظري الشخصية هي أن الرواية عادية ومليئة بالعيوب لدرجة أنه من المُدهش أن تُمدح الرواية لهذه الدرجة. وهذا المدح لم يصدر من القُراء وحسب، بل صدر عن نُقاد وأدباء وتناقلته مواقع مشهورة وصحف عربية مشهورة، يعني بصراحة كانت فضيحة من وجهة نظري! أن يمدح بعض القراء على تويتر روايةً معينة لأنهم مثلاً استمتعوا بها ولم يهتموا بعيوبها شيء، وأن تُمدح الرواية على مستوى كُتاب وشعراء وأدباء وصحف معتبرة شيء آخر تماماً وفضيحة!

دعونا نتحدث عن هذه العيوب قليلاً.

السبت، 20 مايو 2017

سوانح فتاة؟ أم كنوز امرأة عظيمة؟





القارئ العربي في الأغلب يعرف عباس محمود العقاد، ويعرف طه حسين، ويعرف جبران خليل جبران، وعلى الأرجح يعرف أيضًا مي زيادة. وإن سألته عن كتب العقاد؟ فربما يقول لك أشهر ما كتب العبقريات. طه حسين؟ سيرته الشهيرة الأيام. جبران؟ النبي. ومي زيادة؟ آه.. كانت رائدة وما إلى ذلك، وكان يحبها العقاد وجبران والرافعي وكل من كان يقرأ ويكتب من معاصريها! ألا تعرف شيئًا عن أعمالها؟ كانت.. أديبة مميزة، ومن الرائدات. قرأتَ لها يومًا؟ قرأتُ مقالات عن صالونها الأدبي وحب كل أولئك العباقرة العظماء لها. وهي؟ أين مي زيادة؟ يا عمي قلنا لك رائدة وأديبة! خلاص!

هذه في الأغلب كانت سوف تكون ردة فعلي أنا نفسي منذ فترة. كلنا نعرف أن مي زيادة رائدة، كلنا نعرف أن كثيرين من معاصريها ذابوا فيها عشقًا. كلنا نعرف أنها رائدة. رائدة. رائدة. فهل نعرفها هي؟ كلا. وهنالك مجال كبير للحديث عن الهيمنة الذكورية التاريخية وعن اقتران ذكر هذه المرأة بعلاقاتها مع الرجال! سيرتها تكاد تُختزل في أن رجالًا أحبوها، على الأقل في الذاكرة الجمعية لقُراء العربية ذوي الثقافة المتواضعة (مثل حالاتي).

وفي مقابل هذه الذكورية المقيتة (أحلى تحية للنسوية) فإننا نجد أن لمي زيادة من يدركون قيمتها ويدرسون أعمالها ويهتمون بنتاجها فعلًا، وليس فقط برسائل حب جبران لها، وبعلاقتها بالعقاد.

على كل حال، كنتُ أرغب في القراءة لها منذ زمن بعيد، وازدادت هذه الرغبة مؤخرًا (ربما بسبب الصديقة المهووسة بها، أو ربما هي فقط تلك الرحلة التائهة بين الكتب والبحث عن الكتاب التالي). وعلى كل حال وجدتني أقرأ كتابها سوانح فتاة – وهو متوفر مجاناً على موقع مؤسسة هنداوي (بصيغ pdf وepub وkindle)، بالإضافة إلى عدد من مؤلفاتها ومقالاتها. موقع مؤسسة هنداوي رائع على فكرة فيه كمية كبيرة من الكتب الرائعة.

لقد كانت تجربةً رائعة.. وقبل أن أتحدث عن الكتاب سوف أقول إنني أُوصي بقراءته لكلّ من لا يعرف أو تعرف مي زيادة أو لم تتعرّف أو يتعرّف على أعمالها بعد.



حسناً، ما هو سوانح فتاة؟ هو مجموعة نصوص كتبتها مي، خواطر، مقالات، تأملات، وربما حتى قصص (أو مقالة/خاطرة قصصية)، ومسرحية. ويبدو من التواريخ التي تحملها بعض النصوص أن مي كتبتها ما بين 1913 و1916، أي ما بين 26 و30 من عمرها تقريبًا (هذه ملاحظة مهمة جدًّا، فلنتذكرها جيدًا). حسنًا. هذا وصف عاديٌّ جدًّا للكتاب. أعني، ماذا أقول أيضًا؟ في الأغلب طُبع الكتاب على ورق، أنا قرأته إلكترونيًّا (الرابط موجود في الأعلى، لا تدعوا الفرصة تفوتكم!). آه، نعم، الموضوعات. كلا هذا ليس مهمًّا. سأتحدث عن الدهشة!

الجمعة، 14 أبريل 2017

في بلاد الرجال لهشام مطر: عن الرعب تحت الشمس وإرهاق الماضي.




لقد كان كتاباً مرهقاً.. مرهقاً جداً... لم أتوقع أبداً أن يكون الكتاب هكذا. 

لقد سمعتُ عن الكتاب كثيراً، منذ صدوره وإلى اليوم (تقريباً 10 سنوات). وكيف لا، والكاتب هشام مطر ليبي حقق شهرةً في الخارج، في العالم الآخر. في السنوات الأولى لصدور الكتاب ربما كنا نتجاهله لأنه كتاب يتحدث عن جماهيرية القذافي، يتحدث عن ليبيا التي كنا لا نتحدث عنها إلا همساً بعد النظر حولنا ألف مرة. ربما هذا كان سبباً لاواعياً في تجاهل الكتاب، بالرغم من أن مثل هذه الكتب الممنوعة والخطيرة كانت خطيئة يحرص كثيرون على ارتكابها زمن القذافي، كانت الخطيئة الكبرى، المتعة القصوى، التمرد السري البائس ضد هذه البلاد وهذا الطاغية – الكتب الممنوعة كانت سلعةً أثمن من المخدرات وأقوى نشوةً منها، فربما لم يكن هذا السبب فعلاً. وإن كنت لا أعلم هل هذا السبب له دوره أم لا، فإنني أعلم يقيناً أن السبب الأساسي في إهمالي لقراءة الكتاب هو أنني كنتُ دائماً أشعر بأن هذا الكتاب ليس مهماً بالنسبة لي. ألفه رجلٌ لم يعش في ليبيا فعلاً، عاش أغلب حياته خارجها. ألفه بالإنجليزية. كان يكتبه للعالم، وليس لليبيا. كان يتحدث عن أشياء أعيشها، وتجارب اختبرتها. فلماذا سأقرؤه؟

ربما لم أكن مخطئاً فيما يخص طبيعة الكتاب، ولكنني كنتُ بلا شك مخطئاً في تجاهله.

مؤخراً أثار كتاب هشام مطر الجديد "العودة" ردود فعل عالمية إيجابية بشكل كبير. لقد فاز بجائزتين مرموقتين حتى الآن (حسب علمي). قلتُ في نفسي ربما حان الوقت لأقرأ كتبه. اشتريت "في بلاد الرجال" و"العودة"، وبقيتُ متردداً بخصوص الكتاب الذي في المنتصف "اختفاء". وكالعادة دائماً بقيتُ أتعطل وأتعطل وأقلب الصفحات الأولى لرواية "في بلاد الرجال" وأؤجل الأمر. إلى أن فاز كتاب "العودة" بجائزته الثانية مؤخراً. حسناً، هذه السنة أريد القراءة لكُتَّاب ليبيين والتعرف على الأدب الليبي. هشام مطر كاتب ليبي، وإن كنتُ مازلتُ متوجساً من كتابه هذا باعتباره كتاباً "أجنبياً". حفزتُ نفسي بخبر الجائزة الجديدة وبمشروع قراءتي الليبي. وبدأت في قراءة رواية "في بلاد الرجال".

لقد كان فخاً!

بداية الكتاب كانت مليئة بالابتسامات. إنها ليبيا. إنها بلادي التي تربيت فيها! نعم، سليمان (بطل الرواية والراوي) كان يعيش في طرابلس، وطرابلس مختلفة نسبياً عن بنغازي، وفي فترة زمنية تسبق طفولتي. لكنه كان يعيش حياةً شبيهةً بحياتي. حياة صغيرة. عائلة صغيرة، شارع واحد، جيران. كنتُ أبتسم كثيراً، كل شيء كان يجعلني أشعر بالحنين. حتى اسم دلع البطل الذي يناديه به البعض "سلومة"، كان يجعلني أشعر بالحنين بالرغم من أنه ليس اسمي، ولكنني كنت أقرأ اسم الدلع هذا بلهجة ليبية، أقرأ فيه الطفولة. إن هشام مطر يتذكر طفولته بوضوح دقيق، وضوح يلتقط حتى نبرة الناس وحركاتهم بالضبط وهم يلقون التحية على "سلومة" ويقولون له "يا بطل". لقد جذبني الكتاب بهذه النوستالجيا. احتواني، وطمأنني، ولف ذراعيه حولي.. ولم أكن أعلم أنه كان يمد يده إلى داخل صدري...

لقد بدأ الكتاب يمد يده إلى قلبي...

شيئاً فشيئاً بدأت الأحداث تتسارع.. شيئاً فشيئاً كانت يد الكتاب تقبض على قلبي.. شيئاً فشيئاً كان هشام مطر يستعيد كل مشاعر الطفولة في الجماهيرية: كل عدم الفهم الطفولي لتصرفات الكبار وخوفهم وسرية أحاديثهم وهمسهم وتحذيراتهم من تكرير الكلام، كل الرعب مما يحدث للآخرين وتسمعه وتراه، كل الخوف حتى من سماعة الهاتف والمكالمات.. لقد انغلقت يد الكتاب على قلبي، وعصرته! عصرت منه كل مشاعر وذكريات الطفل الذي يعيش في بلاد يتعلم فيها الخوف وهو صغير دون أن يفهمه، وشيئاً فشيئاً يكبر ليفهم تماماً سبب هذا الخوف فيبدأ في تعليم الأطفال هذا الخوف من جديد: لا تذكر ما سمعته لأحد! لا تُكرر هذا الكلام! اذهب والعب قليلاً أريد الحديث مع عمو، لا تتحدث في الهاتف عن شيء سلم عليه واعطني السماعة، لا تخرج هذه الكتب من البيت، لا تتحدث مع أولاد هذا الجار، ولا تعد للعب مع أولاد ذاك... لقد عصر الكتاب قلبي وأخرج من داخلي كل تلك المشاعر القديمة... مشاعر الطفل الخائف الذي لا يفهم شيئاً، ومشاعر الرجل الذي يكبر ويفهم ويحمد الله أنه لم يفعل شيئاً خاطئاً في صغره ويبدأ فوراً في الحذر حول الأطفال...

لقد عصر الكتاب قلبي!

وأرهقني.. كان وكأنه يفرض علي إعادة عيش تجارب نفسية مؤلمة... لا أذكر أن فرداً واحداً من عائلتي الممتدة الكبيرة، أعني أخوالي وأعمامي، كان يؤيد القذافي أو يدعمه، بل كان الجميع ينتقده ويتحدث عن جرائمه، غالبيتهم كانوا يتحدثون عن المملكة، "العهد البايد" (و"الباهي" في روايات أخرى)، غالبيتهم يقرأون ويتبادلون الكتب الممنوعة بسرية... وكثيرون سُجنوا وتعذبوا في سجون القذافي، غيرهم مهاجرون لم يكونوا يستطيعون العودة لأسباب أمنية، وآخرون كانوا معارضين صريحين في المنفى... كان هنالك الكثير من الرفض للقذافي في العائلة، وكل ذلك جعل نقد جماهيرية القذافي شيئاً عادياً داخل بيوت العائلة، ولكنه أيضاً زاد من الخوف.. عتبات البيوت كانت المكان الذي تخلع فيه حذاءك وحذرك، وحين تخرج ترتدي الاثنين وتنطلق في عالمٍ من الصمت. الكلام مسموحٌ به داخل البيت فقط. جدران بيوت العائلة وحدها ليست لها آذان، لكن بقية جدران المدينة كلها آذان وأعين.

هشام مطر أعادني إلى طفولتي، وجعلني أعيد عيش كل ذلك الرعب وعدم الفهم. لم أكن أخاف على سليمان، سلومة.. لم يكن رعبي هو على سلومة بطل الرواية الصغير، وأنه يتوجَّب عليه أن لا يتحدث مع رجال اللجان الثورية، أن لا يعطيهم معلومات، أن يكون حذراً، وأن يسمع كلام أهله.. لم أكن أخاف على سلومة، كنت أخاف على نفسي... ياه كم يتذكر هشام مطر طفولته الليبية. لقد اقتنعت بأنه بالفعل كتب ليبيا كما هي.

لقد أرهقني الكتاب لدرجة أنني وصلتُ مرحلةً كنت أخشى فيها من العودة لقراءته. لقد حاولت، بعد أحد الفصول الذي كاد أن يقتلع قلبي من مكانه، حاولت أن أغادر جسدي قبل أن أعود للقراءة! قلت في نفسي يجب أن أكمل قراءة الكتاب، ولن أستطيع فعل ذلك وأنا موجود! لا أستطيع أن أترك قلبي وروحي في داخلي ليقبض عليهما الكتاب مرةً أخرى ويعصرهما! ولكن، لحسن الحظ أو بؤسه، كان ذلك الأثر قد اختفى حين بدأت الرواية تصف أحداثاً حقيقية.

الرواية كلها حقيقية. كل تفاصيلها. ولكن ما أعنيه هو أنه حين بدأت الرواية تصف أحداثاً نعرفها جميعاً ونعرف بشاعتها وعشنا مع رعبها طويلاً نُغذي بها رفضنا الدائم للقذافي، حين بدأت الرواية تصف هذه الأحداث وتغيرها قليلاً (للتماشي مع طبيعة الرواية "المتخيلة" المبنية على أحداث واقعية)، فقدت الرواية سيطرتها العنيفة علي، أعني أن قبضتها العاطفية التي كانت تعصر قلبي ارتخت.

حدث ذلك بالتحديد مع أحداث إعدام الصادق الشويهدي رحمه الله، طبعاً أقصد الشخصية في القصة المبنية على الصادق الشويهدي رحمه الله. إنها قصةٌ أعرفها جيداً، حفظتها، رأيت صورها، أعلم كل شيءٍ حولها واكتسبت تجاهها مناعةً من نوعٍ ما. إن كان يمكن وصف الاعتياد على الألم بأنه مناعة، فأنت ستشعر بالألم، كل ما في الأمر أنه لن يكون جديداً. هذه الأحداث كانت منعطفاً في الرواية، ربما كان منعطفاً يمثل انتقال الرواية من رواية تشارك الليبيين ذكرياتهم، إلى رواية تخاطب العالم غير الليبي – العالم الآخر. في ذلك المنعطف تحررتُ من الرواية، لم تعد تقبض علي، وكأنها تركتني وذهبت تبحث عن آخرين لتقبض على قلوبهم وتعصرها (إحدى الصديقات، التي ليست من ليبيا، أخبرتني عن صدمتها وخوفها من الرواية وعن ألمها الذي لا تريد تذكره والذي تسببت به هذه الأجزاء من الرواية.. يبدو أن الرواية بالفعل نجحت في القبض على قلوب غير الليبيين في هذه الأجزاء...).

بعد هذه الأجزاء، كانت هنالك أجزاء قصيرة أخرى قد تعود بالقارئ الليبي إلى واقعه وتثير فيه مشاعر دفينة. هي الأجزاء التي تتحدث عن المعتقلين والبوح بأسماء الرفاق والخيانة والبطولة والصمت. إنه شيءٌ بشعٌ بلا شك، أن ينكسر الإنسان تحت التعذيب ويُدفع نحو الخيانة. ولكن ذكرياتي عن الأمر، القصص التي كنت أسمعها طوال الوقت عن المعتقلين ومنهم، مختلفة قليلاً عما في الرواية. الرواية تضع تلك الصورة المعتادة لخيبة الأمل في الخيانة والتقزز منها، وربما هذا للتوافق مع إحدى عبر الرواية التي يريدها هشام مطر، والتي سأذكرها لاحقاً. الواقع في ليبيا كان مختلفاً. كان التعذيب قد وصل بالناس إلى تقبل الخيانة. نعم، لهذه الدرجة كان الوضع سيئاً. لقد سمعتُ قصصاً كثيرةً جداً عن رفاق يعتذرون لبعضهم ويسامحون بعضهم، ولم يكن الأمر محصوراً بالرفاق في جريمة معارضة النظام، فهنالك قصص كثيرة عن أشخاص أبرياء لا علاقة لهم بشيء ينهارون تحت التعذيب وينطقون بأسماء لأشخاص آخرين أبرياء. أحد هؤلاء أعطى المحققين اسم أحد أصدقائه، وحين التقيا في السجن اعتذر له وقال له قلت في نفسي أنت لن تعترض على مؤازرة صديقك والتسكع معه قليلاً، خاصةً وأنهم هددوني بإحضار أبي وأمي للسجن! لقد اختار الرجل البريء أن يعطيهم اسم صديق هو الآخر بريء لأن صديقه سوف يتفهم، وبعد سنوات السجن الطويلة يروي لك القصة ضاحكاً. ونعم، كانت هنالك قصص بطولية، سوف تسمع عن أشخاص اشتهروا بأنهم لا يمكن كسرهم وإخراج ولو حرف واحد من بين شفاههم، سوف تسمع عن أشخاص لم يكونوا يدخلون لجلسة تعذيب ولكن لجلسة مصارعة فيلكمون ويركلون ويعضون معذبيهم! سوف تسمع عن أشخاص كانوا يعترفون على أنفسهم ويبرئون رفاقهم. ولكنك سوف تدرك أن الجميع تقبلوا الخيانة حين تكون نتيجةً للتعذيب. ولكن ليس الوشاية! هذه كانت آفة البلاد، وبالتالي كانت أكبر خطيئة يمكن ارتكابها في أعين الناس. التبليغ عن شخص ما. ولكن في السجن، تحت التعذيب، كانت الخيانة مختلفةً تماماً...

بعد أن تعبر الرواية ذلك المنعطف، أعني بعدما شعرتُ أن الرواية بدأت في مخاطبة العالم، فهي تنتهي بثلاثة أصوات...

صوت ليبيا يتراجع في الخلفية، يصبح قصصاً بعيدة. يعرفها كل الليبيون جيداً، ويعيشونها، ولا تعود الرواية تشدهم فعلاً – على الأقل هذه تجربتي، القبضة ارتخت من على قلبي وذهبت تبحث عن ضحايا آخرين!

صوتٌ آخر أعلى يخاطب العالم الخارجي (أو ربما يسمعه العالم الخارجي بوضوحٍ أكثر)، صوتٌ يقول بأن هنالك عالم بالرغم من أنه يقع تحت الشمس مباشرةً ويكاد يحترق تحت ضوئها إلا أنكم لا تعرفون عنه شيئاً ولا ترونه، وفي هذا العالم لا نهاية هوليوودية سعيدة، في هذا العالم الدماء بشعة وليست شيئاً نبيلاً بطولياً، في هذا العالم ينهار الأبطال، يبكون، يتبولون على أنفسهم، يخونون رفاقهم، لا يوجد بطل يحتفظ بصمته ويموت مرفوع الرأس (وهذه العبرة التي ربما تكون السبب في تصوير هشام مطر للخيانة في صورة مخزية قد تخالف الواقع). في هذا العالم الحياة ليست طبيعية. أشعر بأن هذا الصوت موجه للعالم الخارجي، العالم حول ليبيا، فهذه الحياة "غير الطبيعية" التي لا تنتهي نهايةً سعيدة هي الحياة التي نعيشها، الحياة التي كنا نعيشها تحت القذافي، والتي مازلنا نعيشها في ظروف أسوأ اليوم...

الصوت الثالث هو صوت الليبي المنفي. صوت الليبي الذي يقول بأنه انقطع عن بلاده بسهولة كبيرة. لم يستبدلها ببلاد أخرى، ولكن حبل الوطنية الرفيع جداً (كما يصفه هشام مطر، معقباً بأن هذا قد يكون سبب هوس الجميع بحمايته!) ينقطع، وتبقى البلاد مجرد فراغ في صدرك. الليبي المنفي، المغترب، الذي يتساءل بغضب عما تريدُ تلك البلاد من أولادها بعد، ألا يكفيها ما أخذته منهم؟! هذا صوتٌ لا أظن أن العالم الخارجي سوف يسمعه، ولا أظن أن ليبيا سوف تسمعه بوضوح، ولكن أي ليبي اغترب قليلاً سيسمعه ويفهمه جيداً.

لا أريد الحديث عن المعاني الكامنة في الرواية. أظن أن أبرز معنى في هذه الرواية التي تقف فجأةً لتخاطب العالم هو أن هناك حقيقة تقع تحت الشمس مباشرةً لا يراها العالم، حقيقة لا نهاية سينمائية سعيدة وبطولية فيها. وربما هناك رسالة أخرى، رسالة ضمنية في علاقة سلومة بأمه نجوى، أمه التي يمكنها أن تكون رمزاً لليبيا، الفتاة التي تزوجت رغماً عنها، والتي ربطتها علاقة متقلبة بابنها، فهو يحبها ويريد إنقاذها، وأحياناً يكرهها ويغضب منها – ليبيا هي أمنا التي نغيب عنها ونتفادى الاتصال بها، ولكن حين نراها نصيح بشوق "ماما! ماما! ماما!". ربما هذه أبرز المعاني في الرواية. باقي الكلام نعرفه، الليبيون عاشوه، كثيرون في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والعالم الثالث عاشوه واختبروه جيداً. القارئ الأوروبي ستختلف ردة فعله مع هذه الرواية الأجنبية تماماً عليه، القارئ الشرقي ستكون له ردة فعل أكثر وعياً بتفاصيل هذه الرواية، والقارئ الليبي سيعرف كل شيء. والتجربة الشخصية لكل قارئ مختلف أيضاً ستحكم الأمر، ردة فعلي المرتبطة بالرواية كثيراً على المستوى العاطفي ستبقى أبعد بكثير من ردة فعل أحد أقربائي أو أصدقائي أو جيران طفولتي الذين اعُتقل أهاليهم مثلاً والذين سيكونون أقرب للرواية. ردة فعلي على الجزء الأخير من الرواية وأنا مغترب سيختلف بلا شك عن ردة فعل شخص لا يزال في ليبيا، وسيختلف عن ردة فعل شخص لم يضطر يوماً للتفكير في مغادرة بلاده.

وبالحديث عن التجارب الشخصية في القراءة، فقد كنتُ أشعر بنوع من الصدمة وأنا أقرأ الكتاب. صدمة أن يكون هشام مطر كاتباً بارعاً لهذه الدرجة. كيف تأخرتُ في قراءة الكتاب لهذه الدرجة؟ كيف يمكن أن يكون هنالك كاتب ليبي بهذا المستوى؟ لا توجد أية أخطاء في الكتاب!

هشام مطر كاتبٌ حقيقي، شاعرٌ حقيقي. إنه يُجيد الوصف، والتقاط التفاصيل العابرة، يجيد وصف  مشاعر الناس وتحليلها، ويُجيد استخدام التشبيهات التي تجعل القارئ يفهم تماماً ما يقصد (براعته في التشبيه براعة شاعر!)، كما يجيد السرد والتشويق. إن خلاصة ذلك أن الرواية تكون عملاً أدبياً فنياً متقناً، وليس مجرد رواية مشوقة أو سيرة ذاتية أو كتابة رجل يُحدث العالم عن مكان غريب اسمه ليبيا (أو الجماهيرية!).

أظن أنني وصلتُ إلى نهاية حديثي.. لا شيء جديد حقاً في هذه "المراجعة"، إن جاز لي وصفها  بذلك. هي فقط تجربتي الشخصية في قراءة هذا الكتاب. لم أندم إطلاقاً على قراءة الكتاب، بل ندمت على تغافلي عن هذا الكاتب طيلة هذه الفترة. أشعر بأن زمن هذا الكتاب قد ولى، خاصةً بعد سقوط القذافي وسقوط ليبيا نفسها في جحيم مختلف كلياً الآن، وإن كان الكتاب يبقى (مثل الكثير من الأعمال الكلاسيكية في الأدب العالمي التي استحق هشام مطر مكانه بجدارة بينها) يبقى شاهداً على عصره. شاهداً يقول الحقيقة، وهذا شيءٌ نادرٌ جداً في عالم الأدب الخيالي...

هشام مطر كاتب حقيقي. وكتاب "في بلاد الرجال" عمل فني حقيقي، حقيقي واقعياً وحقيقي فنياً...

ولقد كان كتاباً مرهقاً...

5 أبريل 2017.