"إذا
بدوت لهم أحمق جدًّا، فلعلهم يسمحون لي بالمرور". هذا ما يُفكّر فيه مايكل ك
حين يصل إلى نقطةٍ تفتيش أمنية. لا يسمحون له بالمرور، بل يأخذونه إلى مخيم اعتقال.
تتكرّر الحماقة في رواية ج. م. كويتزي The
Life and Times of Michael K بأشكالٍ مختلفة: 1) توهمنا تصرفات مايكل في بداية الرواية بأنه أحمق بل
ربّما حتّى لديه تأخّرٌ عقليٌّ من نوعٍ ما (نكتشف لاحقًا أن الرجل أذكى من أغلب
شخصيات الرواية)؛ 2) يسيطر افتراض الحماقة على نظرة الناس لمايكل، بدءًا من أمه فكلّ
الشرطة والعساكر الذين يلتقيهم ؛ 3) وعي مايكل بدور الحماقة، بفائدة لعب دور الغبي؛
4) نرى مقابل حماقة مايكل المفترضة حماقة
الآخرين الحقيقيّة، الفئة المهيمنة في المجتمع، لعلّ أبرز مثال نراه في الضابط
الطبيب الذي يعالج مايكل في النصف الثاني من الرواية، الرجل المهووس بمحاولة فهم
مايكل لكنه يتمسّك مصرًّا بمفاهيمه الغبيّة الخاطئة (أبرز مثال إصراره على تسميته
مايكلز، بناءً على كلام أحد العساكر الآخرين، ورفضه أن يقبل تصحيحات مايكل).
أثناء
قراءة الرواية، وجدتني أستحضر رواية كويتزي الأخرى Waiting for The Barbarians، وبطلها حاكم القلعة الشبيه كثيرًا بالضابط الطبيب. كلاهما عالق في
انتظار البرابرة، غارق في أوهام التفوق الأخلاقي والوعي ومساعدة المعذبين في الأرض.
يجد حاكم القلعة لنفسه مشروعًا لإنقاذ المرأة الأسيرة، ويجد الضابط الطبيب مشروع
شغفٍ في مايكل المريض/الأسير. التشابهات كثيرة، ولا غرابة فبين الشخصيتين نسبٌ
أدبيٌّ لعلّه يمتد إلى دروغو من رواية دينو بوزاتي The Tartar Steppe (التي استلهمها كويتزي في تأليف "في انتظار البرابرة").
ولعل شيئًا من أسلوب كويتزي ساهم في هذا الاستحضار، لا سيما براعته في الكتابة
بصوت شخصيات "مخطئة"، حاكم استعماريّ أو عسكري في دولة عنصريّة، فيُظهر
ما في أصواتها من تعقيد أو أوهام دون أن تتشوّش السرديّة الأخلاقيّة؛ فلا يصل بنا
إلى مرحلة التعاطف، بل إلى الفهم فحسب، إلى إدراك حماقة تلك المواقف.
لكن في الرواية
نسبًا آخر له صلةٌ بالحماقة، أو بالأحرى
بتصوّرات الحماقة: نسب مايكل ك الذي يربطه باللامباليين.
لا بد أن
تستحضر مشاهد رفض مايكل الطعام أو فعل أي شيء في المستشفى مشاهد رفض بارتلبي
الشهيرة، ذلك الرفض المُلغز. لعلّ سير مايكل في هذا العالم المدمر المحترق بسعير
الحرب والعنصريّة والاستغلال الاقتصادي، دون أي تأثّر، بل إنه ليبدو متقبّلًا
للعالم، لعل ذلك يستحضر للذهن أيضًا غريب كامو أو ويليام ستونر.
لقد كانت
تخطر بذهني كثيرًا عبارة مكارثي "الكتب مكوّنةٌ من كتب"، خطرت لي ليس
فقط للترابط أو الاستحضارات، لكن لأنني شعرتُ أيضًا أن كويتزي أراد تفادي ما في
بعض تلك الكتب التي صُنع منها كتابه (أو التي كُوّنت منها قراءتي على أقل تقدير).
يحيّرنا
بارتلبي برفضه، يحيّرنا إلى حد الشك في جنونه وحماقته. لكننا حين نقرأ مسيرة مايكل،
حين نفهم العالم القاسي الذي يعيش فيه، لا نستغرب رفضه الحديث أو الطعام، لقد رفض العالم
مايكل قبل أن يرفضه (بل إن رفض مايكل في بعض المشاهد فيه تحدٍّ واضح). أما ميرسول
الغريب فهو أبيضٌ مستعمرٌ تنبع لامبالاته من امتيازاته التي تجعله يعامل موت أمه
على أنه أمرٌ عبثي لا يستدعي الحزن ويجب ألا يوقفه عن الاستمتاع بالحياة العبثيّة
كلّها إلى حدّ قتل الرجل العربي بسبب ضربة شمس، وبالطبع يراه الآخرون غريبًا
مجنونًا. تستمر حياة مايكل ك أيضًا بعدما تموت أمه، لكنه يرثيها، يحلم بها، يحمل
رمادها إلى أرضها، يفكّر فيها، حتّى لو لم يكن رثاء مايكل يظهر للناس أو يظهر في
تصرفاته (من طرائف حماقات الضابط الطبيب أنه يفهم علاقة مايكل بأمه فهمًا غربيًّا
أبيض جدًّا، فيظن أن ذكراها تعذّبه عوضًا عن فهم تعقيد علاقة مايكل بها). يستمر
مايكل في المسير مع أمه وبعد وفاتها لأن العالم لا يسمح له بالتوقف. شتان تجلّد
مايكل ولامبالاة ميرسول. يدخل ستونر في الفئة المرفّهة بالخيارات والامتيازات
ذاتها، تتقبّل صروف الدهر مقابل أن تعرف نفسك، أن تتمسك بهويتك إلى حدّ أن تُرى
على أنك غريب أطوار، ويتساءل القارئ عن حماقة تقبّلك لكل ما يحدث. يقضي مايكل
الرواية كلها دون أوراق ثبوتيّة، لا يعرف حقًّا أين أرضه أو بلاده، يُسلب منه حتّى
اسمه في النهاية. احتمال مايكل لضربات الحياة صمود، في حين أن احتمال ستونر لضربات
الحياة رفاهية.
أحب
ستونر وبارتلبي، وأظن أن في قصتيهما دروسا مفيدة، لكن لكل مقامٍ مقالًا. حين نكون
في ظروف تشابه ظروف ستونر ربما سيكون كل ما يشغلنا هو أن نعرف أنفسنا ونتمسّك بها،
لكن في ظروف أشبه بظروف مايكل ستختلف الأولويات، وفي هذا العالم، عالم يتغلّب فيه
بث مباريات كرة القدم على أخبار الإبادة، عالم لا نملك فيه أنفسنا لنتمسّك بها مثل
ستونر، عالم يكون فيه رفض العالم مثل بارتلبي دون إدانته بوضوح تواطؤًا لا تحديًّا،
في مثل هذا الواقع أشعر أن كتاب كويتزي تفوّق على الكتب الأخرى التي استحضرها
لذهني، لأنه صوّر اللامبالاة أو البرود أو الحماقة (المفترضة أو المدعية) تصويرًا
أقرب لواقع المعذبين في الأرض، تصويرًا يوضّح أنها ليست لامبالاة حقًّا، ليست
حماقة، ليست غرابة أطوار، بل هي نوعٌ من أنواع الصمود أو حتّى الانكسار.
ربما
تبدو الشخصيات الأخرى ألغازًا، بارتلبي، ميرسول، ستونر، تدفعنا للتفكير والعثور
على الدرس أو العبرة. ليس مايكل لغزًا، بل إجابة تمشي على قدمين، المشكلة
الحقيقيّة هي في إلصاق صورة اللغز به (مايكل في الرواية إما مُدانٌ بالدونيّة في
أعين أغلبية الشخصيات، أو لغزٌ عصيٌّ على الفهم في أعين المتعاطفين منهم، فكأن
"الغموض" هو أقصى ما يصل له هذا الفهم الذي يتوهّم لنفسه وعيًّا
إنسانيًّا!).
لعلّه غرورٌ أن أستبعد الألغاز وأعلن تفوّق
الوضوح (وطبيعيٌّ هذا لمن يعشق تولستوي الواضح!)، أن ألعن – ضمنيًّا – الغموض
مقابل بساطة أن نقول: هذه حقيقة العالم وهذه ظروف البشر. لعلّي في زمن الإبادة
الأسود صرت أكثر حساسيّةً لمن يتعذّرون بالألغاز ليشيحوا بأعينهم عن الإجابات. لا
يُلغي الوضوحُ التعقيدَ، إنه يُلغي التضليل والتغافل. لعلّنا قلنا لأنفسنا
"إن بدونا حمقى جدًّا، لعلنا سيُسمح لنا بالمرور" أكثر مما يجب، لعلّنا
يجب ألّا نتحامق، لعلّنا يجب ألّا نمر، لعلّنا يجب أن نتوقف أمام العالم
ونواجهه... ولو مرّة!
وهذا
هذا.
الأحد 5
يوليو 2026
لوحة المساجين لفان غوخ (المصدر Wikipedia Commons).
يا إخوتي الذين
يعبرون في الميدان مطرقين،
منحدرين في نهاية
المساء
في شارع الإسكندر
الأكبر،
لا تخجلوا،
ولترفعوا عيونكم إلى؛
لأنكم مُعلَّقون
جانبي على مشانق القيصر،
فلترفعوا عيونكم إلي
لربما، إذا التقت
عيونكم بالموت في عينيّ،
يبتسم
الفناء داخلي
لأنكمْ
رفعتم رأسكم مرّة!
أمل
دنقل
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق