الجمعة، 5 يونيو 2026

عن الخيال العلمي والواقع، واستحالة الحركة والوصول، والمشي بخطوات هادئة


كيف تُخفق في كتابة قصّة خيال علمي

"قلتُ لحسام مرَّةً إنه من ضروب المستحيل أن يفهم أحدٌ، أيُّ أحد، الآخر."

عيادة الأدب الرديء، ص33

ماذا سيكتب رجل أمنٍ متقاعد إذا قرّر كتابة قصصٍ قصيرة؟ الإجابات عديدة، ومن بينها إجابة ربما تؤدي إلى "آه، صح والله!": قصص الخيال العلمي. جنسٌ أدبيٌّ ملائمٌ لمن يرغب في تمويهٍ مجازي، مثلًا رجل أمنٍ تقاعد بعد عمرٍ في المنظومة الأمنيّة، يتحدّث عن إمبراطوريّة فضائيّة لا الحاكم، عن قراصنة فضائيين يخطفون الناس من أسرتهم لا المخابرات، عن فيروسات تلتهم العقول لا خطاب حكومة قائم على التضليل، وهلم جرًّا. الخيال العلمي ستارٌ رمزيٌّ ملائم. هذا ما حاوله المؤلف نديم عليمات في مجموعته القصصية "الطريق إلى تحت". تبدأ قصته الأولى، التي تحمل المجموعة اسمها، بأخبار غزوٍ فضائي نكتشف أنه ربما كان مجرّد تضليلٍ حكومي.

فهل كان نديم عليمات يحاول أن يكتب قصّة خيال علمي؟ أظن أنه حاول أن يتخيّل، ولكن يبدو أن نير الواقع محكمٌ حول عنقه.


في قصتي "الطريق إلى تحت" و"بحثًا عن الجمال العظيم" ملامح خيال علمي، محاولات لتخيّل شيء يتجاوز العلاقات الاجتماعيّة والقمع الحكوميّ والهوس الأدبي. لكن المؤلف سرعان ما يفقد بوصلته، إن كان يقتدي بواحدة أصلًا. في قصّة "هيستريا" يُسخّر المؤلف، بشجاعةٍ طريفة، عقدته مع الخيال العلمي. يحضر بطل القصة صفًا جامعيًّا عن أدب الخيال العلمي ثم يكتب قصةً لا علاقة لها بالخيال العلمي! لعل المؤلف يريد أن يقول لنا: لقد حاولت أن أتخيّل، أن أُشفّر، ولكن ثمّة أمور أهم من الكائنات الفضائيّة الخضراء. يقول ذلك صراحةً في "هيستيريا" على لسان طالب الأدب: "لستُ مرتاحًا في كتابة شيء "غير واقعي"" (ص130). يسأل الطالب المحاضِرة: "أليس ممكنًا أن نكتب خيالًا علميًّا، دون أن ينتمي المكتوب إلى الخيال العلمي، على الأقل للوهلة الأولى، أو... قد لا ينتمي له على الإطلاق؟" (ص131). هذا الإخفاق (المتعمّد) نراه بوضوح في القصّة التي ذكرتُ أن بطلها كتب قصّة لا تمت بصلة إلى الخيال العلمي (السياسة أكثر حضورًا في القصّة)، كما نرى ملامحه في قصة "بحثًا عن الجمال العظيم" التي تُطرح فيها مسألة جدوى الفن في مواجهة الواقع، كما تُطرح فيها مسألة الشجاعة السياسيّة أيضًا حينما ينتقد حسام عليمات (سنعود لحسام الذي يشارك المؤلف لقبه) جُبن الفنان فادي أبو وردة في مواجهة الواقع السياسي. في القصة ذاتها تغمر حسام عليمات نشوة حينما يستمع لأغنية سياسيّة تنتقد الوضع القائم.

يحضر موضوع الأمن والسياسة في أربع قصص من قصص المجموعة الخمس. وهو موضوعٌ لنا أن نسقطه على تفاصيل أخرى أيضًا: هوس الشخصيات بالمسموح قوله والممنوع؛ التفكير المفرط؛ القلق والهلع. أعراض طبيعيّة ومتوقّعة في علاقات الحب والصداقة ومسائل الصحة العقلية، ولعلّها تنبع من السياسية أيضًا، صح؟ كلنا رقيبٌ على ذاته في عالمنا المخنوق، كلنا نفكّر بإفراط في كلّ تصرفاتنا وفي كلّ ما نكشفه للناس وللحكومة. لم يخطر الأمر ببالي من قبل، ولكن ما أشبه هواجس العلاقات الاجتماعيّة بهواجس العيش في دولٍ بوليسيّة.

وإن كان نديم عليمات يُخفق في كتابة قصة خيال علمي بسبب الحاجة إلى الحديث عن شيء أهم، أفكل ما يتحدث عنه هو السياسة؟ من الواضح أن خواطر المؤلف موشومةٌ بتاريخه الأمني: التفاصيل الحميميّة عن تصرفات رجال الأمن في قصة "تقرير عن الفن المفاهيمي"؛ التضليل الحكومي في ثلاث قصصٍ من المجموعة؛ تكرار صورة امتلاك السلطات الأمنية يد الكاتب ("أفهمناهم أن يدهم الأخرى تصير ملكنا مجرّد أن يشتغلوا معنا..."(ص189)، "هات يديك، هاتهما ولا تخف. هل تراهما؟ هاتان اليدان لي، أصابعك النحيلة، عقلك، مشاعرك، كلّها لي..." (ص243))؛ اليأس من الحراك الجماهيري وعقم المظاهرات؛ وبعض الجرأة، بعض الأمل الذي نلمحه في قصة "بحثًا عن الجمال العظيم". لكن شيئًا آخر يتكرّر في كلّ القصص: ابنه، حسام عليمات.

القصص كلها من جنس الأدب المافوقي أو meta-fiction (ما فوق أو ما وراء النص). تعريفات الأدب المافوقي كثيرة، أبسطها أن النصّ واعٍ بأنه نصّ، كأن يخترق النصُّ نفسه ويخاطبنا مباشرةً، أو أن يحيل إلى ذاته أو إلى مؤلّفه. في قصة "عيادة الأدب الرديء" يُذكر نديم عليمات بوصفه مؤلف المجموعة القصصيّة ذاتها. في قصّة "هيستريا" تشير شخصية إلى قصّة "بحثًا عن الجمال العظيم" وتنسبها إلى حسام عليمات. وفي أوضح تطبيق للمافوقيّة، يخاطبنا المؤلّف "المتخيّل" في أكثر من موضع، يشككنا مرّةً إن كان راويًّا عليمًا، ويفكّر في وصف شخصية بأنها حزينة، ينتقد تصرفات إحدى الشخصيات لأنها لا تعرف أنها في قصة، يموّه مصادر معرفته بالأحداث (وفي القصّة ذاتها يُنسب له قول "لا تخفي مصادرك"!). القصص واعية بأنها قصص، واعيةٌ بعالمها الذي تعيش فيه، بكل أحداثه وشخصياته المتكررة عبر النصوص: فادي أبو وردة، ونذير ملكاوي، وصدام القرعان، وجميل بك، ومصطفوي، إلى جانب حسام عليمات طبعًا، المؤلّف "المتخيَّل" للقصص. هذا العالم المتداخل ربّما يوهمنا أن الكتاب رواية، ولكن لدي معلومة مؤكّدة أنه ليس كذلك (ومثلما يفعل الراوي في إحدى القصص، فسأقول إنني لن أكشف مصادري الآن!). إضافةً إلى ذلك، في كلّ القصص مستويات من السرد: "الطريق إلى تحت" فيها ثلاثة أصوات، أحدها حسام عليمات؛ "عيادة الأدب الرديء" بصوت حسام عليمات ويتوسطها نص لإحدى الشخصيات، وتُختتم بإلحاق مقابلة مع حسام عليمات الحقيقي (!)؛ "هيستريا"، وربّما يصعب عليكم تصديق ذلك، تروى بصوت حسام عليمات، وتتضمن محاضرة عن أدب الخيال العلمي لأستاذة فنلنديّة، ونصوص لنذير ملكاوي؛ "بحثًا عن الجمال العظيم" صوت سردي واحد، وهو بالطبع حسام عليمات، لكنه يروي قصته وقصة فادي أبو وردة كما رواها له، وتتخللها بيانات وتدوينات وتعليقات؛ "تقرير عن الفن المفاهيمي" فيها صوت سردي واحد ربما، هل حزرتم؟ صح، حسام عليمات، ولكن تتخللها مقابلات ورسائل وفصول من مسرحية لشخصيات أخرى.

هذا النمط المافوقي يدفعني لتخيّل أن نديم عليمات أراد أن يكتب كثيرًا، أن يتخيّل، أن يتعمّق، ربما أراد أن يستكشف هويةً من عدّة زوايا، الكاتبة، الفنان، الأستاذة الجامعيّة، المعالَج نفسيًّا، ضحية رجال الأمن، الطالب، العاشق المتوتر، المغترب، القارئ، الكاتب... لو كان نديم عليمات يشبه أبطال قصصه لقلتُ إنه ربّما فرط خيط هويته ونثر حبّاتها المتعدّدة في نصوص متداخلة، وجلس يلقطها ويتأملها. النتيجة أسلوبٌ مافوقيٌّ مميز، يلف ويدور في فلك هويات متداخلة. لكن حسب ما تكشفه لنا النصوص عن نديم عليمات هذه "الهويات" لا تشبهه، أو على الأقل أغلبها لا يشبهه. فما الذي لف نديم عليمات حوله ودار؟ من الذي يمكن أن تنتظم كلّ تلك الشخصيات في خيط هويته؟

وهنا أعود إلى ما قلته قبل فقرتين: ابنه، حسام عليمات.


النصوص تأمليّة، تتعمّق حتّى تنفذ إلى تعرية شاعرية وإنسانية للراوي الأساسي: حسام عليمات. وهنا ربما يظهر الصراع الرابع في قصص نديم عليمات. لم أُحدد صراعات أو فئات، ولكن القارئ النجيب والقارئة النابهة بلا شك انتبها إلى صراع النوع الأدبي والخيال العلمي، وصراع جدوى الفن في مواجهة السياسة، وصراع طبيعة النص والأدب المافوقي. هذه الصراعات متداخلة. ويدخل وسطها صراعٌ يكاد ينأى بنفسه عنها: صراع الأب والابن. لعلّ قصة "عيادة الأدب الرديء" هي الأنسب لمناقشة علاقة نديم بابنه حسام.

تدور أحداث القصة حول حادثة انتحار زوجة حسام، وتستكشف حبه لزوجته ومشاعره وأفكاره حول ذلك، توتر زواجهما وتدهوره، المظاهر الاجتماعيّة، الاهتمامات المختلفة، الخيانة، الصداقة، الاكتئاب. السؤال الأساسي الذي يمكن أن نطرحه سؤالٌ مبتذلٌ في عالم الأدب: أليس لما يمكنك نشره من حياة الآخرين حدود؟ ولكنني لستُ مهتمًا حقًّا برسائل حسام عليمات إلى غادة السمّان، النقطة الأهم أن نديم عليمات بعد أن "ينتهك" أو "يعالج" حياة ابنه حسام في هذه القصة يُلحق بها مقابلةً أُجريت مع حسام. كنا نقرأ كلمات حسام بقلم أبيه، وها نحن نقرأ كلمات حسام مباشرةً.

أعلم أن في المقابلة كثيرًا من الكلام الذي ربّما يستفيد منه ناقدٌ يكتب مقالةً مثل هذه لدراسة علاقة النص بالواقع، لكن أكثر ما شدّني في المقابلة اختلاف صوت حسام الحقيقيّ عن صوت حسام المتخيّل (هل يجوز أن نقول إن وصف أبٍ لابنه "تخيّل"؟). صوت الحسامين صريح ومثقف، ولكن صوت حسام في المقابلة معتدل ورائق إلى حدٍّ ما؛ صوته في القصص نزقٌ ومتحذلق وأجرأ في اعترافاته بمكامن نفسه. لعلّ الاختلاف بين صوتي حسام يدلنا على قلب هذا الكتاب.

حسام "المتخيّل" قارئٌ مثقف، وكاتبٌ فنان، ولكن صوته حاد اللهجة قليلًا، نزقٌ كما قلتُ، كأن صبره نافد. لعلّها نتيجةٌ حتمية لتأليف صوت شخصية مثقفة ومتعالية، تعترف لنا بأعمق مشاعرها حتّى يبدو صوتها في بعض الأحيان نافرًا منا، مدركًا لفداحة الاعتراف وراغبًا في التجلّد بالسخريّة والقسوة بعد لحظات الضعف تلك. ولكن، ماذا لو كان صوت حسام المتخيّل، بنزقه وحدّته وسخريته، صوت الابن كما سمعه أبيه؟ ألا يجوز أن ينتج هذا الصوت الحاد من سوء فهم نديم لابنه حسام (كما هو حال كثير من الآباء والأمهات وأبنائهم وبناتهم)؟ أظن أن هذه قراءة منطقيّة، ألم يتحدّث نديم عليمات في قصة "هيستريا" على لسان مجموعة متمردة عن علاقة الأب والابن؟

"ولعلّ العلاقة به [أي الأب] أكثر غموضًا من العلاقة مع الأم، إذ لا حبل سري يربطنا به، اللهم سوى حبل مجازي. إنه غائبٌ دومًا: قتل أوديب أباه، لكنه لا يعرف ذلك إلا لاحقًا. علاقته مع أبيه تأسست على الجهل منذ البداية..." (ص168).

علاقة الأب والابن مؤسسة على الجهل، على سوء الفهم، ولعلّ نديم لم يستطع تحمّل الذنب صراحة فنسب العلاقة المؤسسة على الجهل إلى الابن في هذه الفقرة.

لكن العلاقة المؤسسة على الجهل لا تنفي جهل الأب تمامًا. ولعلّ هذا سبب الطبيعة الاعترافيّة للسرد في هذه المجموعة. لا أظن أن نديم استغل حياة ابنه ليكتب، أو ليفضحه ويعلّق بذلك على قطيعة الأجيال وحكمة الآباء. كلا، أظن أن نيته كانت صادقة في محاولة فهم ابنه، أصدق من محاولته كتابة قصص خيال علمي، ولذلك لم يتملّص من جهله بابنه تمامًا.

في قصة "الطريق إلى تحت" كانت إحدى الشخصيات على موعد للقاء حسام. لم تجده، عثرت على بعض آثاره، دفتره وملاحظات غير مفهومة. عادت الشخصية إلى بيتها وجلست على كنبتها "وانزلقت للتفكير فيما كان سيفعله حسام الآن لو كان بطلًا في رواية". يخالجني إحساسٌ بأن نديم عليمات شعر بمثل هذا الفوات، لم يلحق بابنه. لعلّه قرأ بعض كتاباته ولم يفهمها، لعلّ حبّه لابنه ومخاوفه عليه (التي ربما رآها ابنه عدم رضى) دفعته للتساؤل: بماذا سيفكر حسام، بمَ سيشعر ابني، بمَ فكّر، بمَ شعر.

ربما لا معنى لسؤال هل يجوز أن نقول عن وصف أبٍ لابنه تخيّلًا. ربما لم يتخيّل نديم ابنه بل حاول أن يتحدث معه، أن يسأله عما جرى، عن حاله، عما يشعر به. حاول أن يتكلم معه عن اهتماماته (أتخيله يحاول أن يقرأ أكثر ليتحدث مع ابنه عن الأدب والفلسفة ويخشى أن يقابله بسخريةٍ متعالية، وأن هذه المخاوف انعكست في قصصه، في النقد اللاذع الذي وجهه حسام لفادي أبو وردة لسوء فهمه أوسكار وايلد وجوديث بتلر في "بحثًا عن الجمال العظيم"، أو في سخرية حسام من آراء جميل بك النقديّة في "تقرير عن الفن المفاهيمي"). تبدو لي كل تأملات حسام واعترافاته محاولةً من أب قلق لأن يفهم المسافة التي تفصله عن ابنه (المسافة التي استحضر لها نديم عليمات زينون ذاته في قصة "هيستريا"، وحديثه عن استحالة الوصول). لعلّ محاولات الفهم هذه هي ما دفع نديم عليمات إلى إدراج مقابلة حسام بالكتاب: محاولة (وإن كانت غير متوازنة) ليتقابلا في الكتاب.

في المقابلة يقول حسام الحقيقي عن السعادة: "هي نقيض الصورة التي رسمها لي أبي في قصته. في الحقيقة أنا أكثر سعادة في حياتي من تلك الصورة الشاحبة. حتّى بعد وفاة سارة، أحاول قدر الإمكان ألا أتمسّك بالحزن، فالحزن شعورٌ لا قرار له، يلغي كلَّ شيءٍ آخر سوى الذات. الشخص الحزين معجبٌ بنفسه، وأنا لستُ كذلك."

سوء الفهم الذي يقلب السعادة إلى حزن، أليس مألوفًا في العائلات؟ ألا يمكن أن نقول، بتصرّفٍ بكلام حسام، إن الأب الذي يرى ابنه حزينًا أبٌ "معجبٌ" به؟ خائفٌ عليه؟ يحبّه؟ حتى لو كانت كل تلك التصورات ناتجة من سوء الفهم، من شقاء عبور مسافة مستحيلة بين جيلين ومسؤوليتين وهويتين متداخلتين، فلا جدال في أنها تبدأ من الحب وما يولّده من خوفٍ غريزيٍّ لحماية ما نحب.

مجموعة "الطريق إلى تحت" رسالة حبٍّ من أبٍ لابنه، رسالة أبٍ يحاول بحرقةٍ أن يقول شيئًا لابنه إلى حدّ أنه يغفل عن الغزو الفضائي.

من هو نذير ملكاوي؟

"غير قادر على الخروج من نفسي والتأكّد فعلًا أنني داخل الصورة."

بحثًا عن الجمال العظيم، ص81

يمكن لهذه الكتابة أن تنتهي الآن، ولكنني أريد المتابعة مع تفصيلة صغيرة. إن كانت علاقة الأب والابن (نديم وحسام) هي قلب الكتاب، فإن ثمة نبضًا خافتًا يتردد عبر القصص، يستدعي التوقّف مع أحد الأشخاص الذين يتكرر ذكرهم: نذير ملكاوي.

نذير ملكاوي شخصيّة أساسيّة في قصّة "هيستيريا". يسرد الراوي، حسام عليمات، أحداثًا جرت لصديقه نذير، والسرد كما سبقت الإشارة تتخلله نصوص لنذير، رسالة لأستاذة مادة أدب الخيال العلمي، نقاش معها، نصوص لعلّها خواطر أو رسائل، وقصّة قصيرة عن الخيال العلمي لا تنتمي إلى الخيال العلمي. في قصّة "تقرير عن الفن المفاهيمي" يمر بنا ذكر نذير سريعًا، مشاركًا في فعاليات أدبية وفنيّة تُقام في أحد المعارض (بطبيعة الحال يدير ورشة كتابة إبداعيّة). في قصّة "الطريق إلى تحت" يظهر نذير في نهاية القصة في مشهدٍ غريب، مشهد يُروى على لسان سارد جديد: تقرير من رجل أمن يعتذر عن التدخل في النصّ ويؤكّد لنا أن القصّة انتهت، ولكنه يريد تسجيل حادثة سريعة:

"أمس، عثرنا على شاب في منتصف سنواته العشرين، نحيل وبذقنٍ نابتة، يمشي ذهابًا وإيابًا في شارع كلية الشريعة في جبل اللويبدة. ادَّعى أن اسمه نذير. حالما رآني، أشار إليَّ بسبابته وقال: "أنت؛ *** أمَّك". ثم صمت. لا أخفيكم أنني انزعجتُ قليلًا (لأقول الحق، فقد ضربته... بغِلٍّ)، لكن حين هدأت اعتذرتُ منه. على أي حال، تدخّلي جاء لأبث لكم حيرتي، فأوَّلًا قصَّة نذير هذه مطابقة تمامًا لقصّة حسام، باستثناء أن حسامًا سلَّم نفسه لاحقًا وتأكّدنا أن لا علاقة تربطه بنذير. الأمر الذي لا يزال يُحيّرني، بعد شتمه لي وإشباعي له ضربًا..." (ص194-195)

حسام مطّلعٌ على دواخل نذير في قصّة "هيستريا" اطّلاعًا عجيبًا، وكما ذكرتُ سابقًا فهو يقول لنا مباشرةً، بوعي من يعرف أشياء يستحيل أن يعرفها، إنّه له مصادره التي لن يكشفها. فماذا يعني هذا التمويه من حسام؟ وماذا يعني الكلام في الاقتباس السابق عن مطابقة قصة نذير لقصة حسام؟ هل يعني أن المؤلّف الحقيقيّ لتلك القصص هو نذير ملكاوي؟!

إذا كان نذير ملكاوي هو حسام عليمات، وكان حسام عليمات هو نديم عليمات، فهل نديم عليمات هو نذير ملكاوي؟

وهنا يجب أن أعترف بشيء، أنا أعرف نذير ملكاوي.

انعطافة سردية (أو ما يُعرف بالبلوط طويصط)

"فظللتُ ذاهلًا، بعينين مفتوحتين، كمن يعاين مأساة لا يدرك أنه بطلها"

تقرير عن الفن المفاهيمي، ص243

صدرت عن دار الفرجاني السنة الماضية مجموعة قصصية بعنوان "عيادة الأدب الرديء" للكاتب الأردني نذير ملكاوي (دار الفرجاني، القاهرة، ط1، 2025). تحتوي المجموعة على القصص التالية: عيادة الأدب الرديء؛ بحثًا عن الجمال العظيم؛ هيستريا؛ الطريق إلى تحت؛ تقرير عن الفن المفاهيمي. الكتاب من القطع المتوسط، ويقع في 265 صفحة. حصل على دعم الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق) للكتابات الإبداعية لسنة 2021.

وقبل كلّ شيء (بعد أكثر من ألفي كلمة)، عليَّ الإفصاح بمصلحة شخصيّة. تربطني بنذير صداقة، ولعل مما يُحمد من حال الكُتّاب أن فقرهم ينفي في الأغلب أي مصالح ماديّة أو اقتصاديّة (ولنتغافل عن حقيقة النظام العالمي الرأسمالي الذي يُسلّع كلّ شيء ويعصر منه قيمةً ماديّة)، وتبقى المصالح الاجتماعيّة (ورأس المال الثقافي – محسوبكم شيوعي، معليش). وبناءً عليه وجب التنويه والإفصاح. وبناءً على ما بُني عليه، لا يُلام أي قارئ أو قارئة إن نبذا هذه المقالة بوصفها مقالة شللية أو على سبيل المحاباة. الله غالب، أعجبني كتاب صديق وألهمني بعض الطباعة.

والآن، نقطة نظام كما يُقال، أو عودٌ على بدء. ما المقصد من القسم الأوّل من هذه المقالة، وما معنى التحليل العميق الذي كتبته في الأعلى حول آل عليمات؟

سأقول إن القسم الأوّل من هذه المقالة المسؤول عنه هو نذير ملكاوي. لم يدفع لي لكتابته، ولكنه ألهمه، وفعل ذلك بقدرته على حبك عالمٍ متداخل (ما ذكرته سابقًا حول مافوقيّة  القصص وتقاطعها). لقد أنتج عالمًا دفعني إلى محاولة كشف سر المؤلّف الحقيقيّ. قصة "عيادة الأدب الرديء" التي تقول لنا إن حسام الذي رافقنا صوته عبر كلّ القصص ليس المؤلف صدمتني، بل دفعتني إلى استجواب نذير ذاته، وسؤاله إن كان الكتاب رواية، وهو ما نفاه. وقد ألححت عليه بالسؤال حول نديم عليمات وتجاهلتُ إجاباته مقابل الاستماع إلى إجابات الكتاب ذاته، فوجدتني عالقًا في شبكة من النصوص والشخصيات أغرقتني في عالمها حتّى انتهى بي المطاف أكتب مقالةً عن أحد شخصياته وأحلّل دوافعه النفسيّة ومفاتيح عقله الباطن (ولعل التساؤلات السابقة عن الواقع والخيال تعود هنا، هل ما كتبتُه قصة قصيرة؟ أم مقالة نقدية؟).

لكنني أريد أن أوضّح شيئًا هنا: لا أريد أن أقول إن نذيرًا جلس ورسم مخططًا لكلّ القصص قبل كتابتها (اعترف لي أثناء الاستجواب أنه ربط بعض القصص ببعضها، لكن لم يبد أن المتهم قد خطط لذلك قبل ارتكاب الكتابة). أجل، لقد تعمّد نذير خلط الأصوات والتضليل وربط القصص ببعضها وإدخال نفسه في عالمها، وهذا واضحٌ تمامًا في القصص، ولكن ما أقصده أن العبرة ليست في تعمّد خلق لغز يبحث عن حل على غرار ألاعيب نابوكوف في Pale Fire مثلًا، أظنه أراد أن يستكشف، ربما شيئًا أقرب لأدب بورخس المافوقي الذي يستكشف أساليب الكتابة مثلًا، أو ربما بولانيو واستكشافه لحدود ربما تتجاوز حدود بورخس النصيّة وتتداخل مع حدود الذات. ربما أراد نذير أن يستكشف هويات كثيرة مثل ما ذكرته عن نديم عليمات في الأعلى، وربّما الهويات المستكشفة هويات نذير أو هويات آخرين. وبطبيعة الحال فإن التحليل الوارد أعلاه عن موضوعات نديم عليمات يجوز سلحه عنه وإلباسه نذير ملكاوي بعد تعديل المقاسات حسب اللزوم (مثل كلام الهويات وعلاقات الآباء والأبناء).

فماذا يعني قولي إن العبرة ليست اللغز الذي حاولتُ حلّه؟ ما الدافع الحقيقي وراء ما ارتكبه نذير؟ أظنه ببساطة شبيه بما قاله تولستوي عن الحرب والسلام، الكنز العظيم الذي ما زال يحيّر الناس بلغته وأشكاله الأدبيّة: "ما الحرب والسلام؟ ليست رواية، ولا هي قصيدة ملحميّة، وبلا شك ليست سجّلًا تاريخيًّا. الحرب والسلام ما رغب المؤلّف أن يعبّر عنه واستطاع التعبير عنه في الشكل الذي عبّر عنه فيه". أراد نذير أن يقول ما يريد أن يقوله، فقاله كما استطاع، في الشكل الذي استطاع، وهذه الاستطاعة أو بالأحرى المحاولة الدؤوبة نراها في استكشافه علاقة الكتابة بالواقع، علاقتها بأفكارنا، بمشاعرنا، بما نعيشه يوميًّا، بالسياسة والغزو الفضائي، بالعلاج النفسي والحفلات الموسيقيّة، بالمحاضرات المملة، والحب الذي يوتّرنا. الكلمة التي ذكرتُ في الأعلى أنها تكشف عقدة نديم عليمات مع الخيال العلمي لعلّها تلقي بعض الضوء على كتابة نذير ذاته: "لستُ مرتاحًا في كتابة شيء "غير واقعي"".

ولكن ماذا تعني كتابة الواقع؟

لا تحجب عني الشمس، ولا تسلبني ما لا تستطيع منحي إياه


"لمحتُ وشمًا مكتوبًا بالعربيّة على ظهر يدها اليُسرى: "المعاني ملقاة على قارعة الطريق".

بحثًا عن الجمال العظيم، ص79

في الدوام أنت شخص دمث وبروفيشنال وجاد، في البيت أنت لطيف وحنون وربما مزعج مع زوجتك وأهلك، أنت مكتئب أحيانًا وسعيد أحيانًا، مرتاح وقلق، راضٍ ونادم، مؤمن ومُقصّر، راديكالي ومتخاذل، مثقف وتافه... كيف ستستطيع أن تكتب واقعك الكثيف هذا؟ هل تجمع كلّ شيء؟ هل تقسّمه بين شخصيات متنوّعة؟ هل بالإمكان تقسيم الحقيقة؟ أشطر الحقيقة حقيقة؟ ثم إن كلّ هذه القوائم اللانهائية انطباعاتكما أنتَ وأنتِ عن نفسيكما، وجهة نظركما أنتما، فهل وصفكما لواقعكما أو لأجزاءٍ من واقعكما (أو واقع من حولكما) خيالٌ أم حقيقة؟ ثم ما هو الواقع بالضبط؟ أهو ما تختبرانه من أحداث مادية فقط؟ أهو أفكاركما ومشاعركما؟ قراءاتكما؟ هل علاقاتكما بكاتبٍ معيّن واقع أو وهم؟ هل الخيال واقع؟

نستطيع أن نلعب لعبة الأسئلة طويلًا، ولكن لعلّ هذه عبرة العالم الذي بناه نذير، عالمٌ أصواته متعدّدة ومتداخلة، يفيض بالأسئلة المتشابكة، بالضبط لأن عالمنا تتعدّد صراعاته التي تفرض علينا الانشطار. لعلّ المفاجأة أن كتاب نذير فيه نقدٌ للعالم الرأسمالي (بطبيعة الحال) ونظامه القائم بكلّ جوانبه القمعيّة، وبكل ما يعنيه ذلك من اضطهاد واستغلال – وهذه المرة لن أعتذر عن شيوعيتي لأنني أرى أن الكلام التالي مهم.

يأسرنا هذا العالم ويفرض علينا أن نُقطّع أنفسنا قطعًا نمنحها أولويات غير إنسانيّة: العمل وكسب المعاش سيأتي قبل السعادة والراحة والآخرين، الفواتير أهم من الحب، الدوام أهم من العائلة، المعاش ذاته سيفرض علينا أن نسكت في حضرة السياسة، بل أن نتجاهل الإبادة وننسى كلمة "غزّة" لئلا نجازف بالإقصاء والفقر والأسوأ. تفرض علينا المظاهر الاجتماعيّة، بما تعنيه من رأسمال اجتماعي وثقافي، تبني هويات معينة، لا تكن صريحًا مع الآخرين، لا تتحدى النظم القائمة، اهدأ، سيطر على نوبات هلعك، اعتذر عن قلقك واكتئابك، امش بجوار الحائط وعيناك على قدميك، لا ترفع رأسك، لن يبتسم الفناء داخلك مرّةً ولا مرتين، لا تحاول الملك، مت واعتذر عن موتك، اهرب من الحبّ، ولا تحاول التواصل مع الآخرين، من ضروب المستحيل أن يفهم أحدٌ أحد.

بطريقةٍ ما، تكشف الكتابة بتنويعاتها الشكليّة وتعدّد ذواتها عن معاناة الوصول في عالمٍ يبدو أنّه مبنيٌّ من العوائق، عالمٌ ينشطر انشطارًا متتابعًا فلا يحول دون الوصول فحسب، بل يسبق حتّى محاولات الفهم:

"كان خائفًا، أراد أن يقول لها ذلك، لكنه لم يستطع؛ فعقله أراد الكلام والفهم في اللحظة ذاتها، وقد كان ذهنه أبطأ من الواقع." (ص122).

أبطأ من الواقع، بطء أخيل في مواجهة سلحفاة زينون، سلحفاة الانشطارات اللانهائيّة، الانشطارات اليوميّة التي تحول دون وصولنا إلى ما نريده، كلما اقتربنا زادت المسافة. ونحن نحاول أحيانًا عبور تلك المسافة بالكتابة، أليس كذلك؟ فهم أنفسنا، فهم الآخرين، فهم العالم، فهم كتاب... نحاول، وتخذلنا اللغة أحيانًا، ولا نعرف أهي اللغة التي خذلتنا أم شيءٌ أعمق. ولعلنا نجد أنفسنا نتساءل عن جدوى كل الأسئلة أيضًا، بل عن جدوى عبور تلك المسافة بين الأنا والعالم، الأنا والآخر، الأنا والأنا، نتساءل ربما عن جدوى الوصول...

يتساءل المتنبي: "حتام نحن نساري النجم في الظلم ... وما سراه على خفٍّ ولا قدم". الآن، أدرك أنني اكتفيتُ من السؤال، وصرت راغبًا بالوصول، بالنجم ذاته، وأعرف أنني إن ملكته، سأقول مجددًا: ماذا بعد؟ وبين نجم المتنبي، وزمنه الذي لا يبلِّغه ما ليس يملكه، يصدمني بيت ابن الرومي كلّ مرة كأنني أقرؤه للمرة الأولى "أعانقها والنفس بعد مشوقةٌ ... إليها وهل بعد العناق تداني". هل حدث العناق أصلًا يا أبا الحسن؟ يسأل زينو. وأجيب عنه: ليس ثمة حزن أكثر من مرأى اثنين يتعانقان، وكلاهما يدرك المسافة التي تفصل-هما." (ص139-140)

الوصول مستحيلٌ عند زينو (أو زينون الإيلي) الذي يرى باستحالة انتهاء المسير، فكل خطوةٍ تنشطر إلى ما لا نهاية حتى يمتنع الوصول الحقيقيّ، لعل هذا ما نقاسيه في حياتنا اليوميّة؟ لعلّ أي خطوة (الحديث مع من تحب، تأليف كتاب، كتابة مقالة...) أي خطوة نأخذها لن توصلنا إلى أي وجهة. لكن هذه عدميةٌ تعيسة، كثيرًا ما تُبرّر منطقيًّا وتُعرّف فلسفيًّا تعريفات تخرجها من ساحة الشك، ساحة التفكير والتجربة، تعريفات تثبّتها (كأفلاطون يُعرّف الإنسان على أنه كائنٌ بلا ريش يمشي على قدمين!). ولا بد لنا أحيانًا أن نشكو، أن ننتقد، أن نسخر من التعريف لكي نُجرّب قليلًا ونخلع الباب الذي أُغلق على الشك (كدايوجينيس الذي أحضر إلى مدرسة أفلاطون دجاجةً منتوفة الريش وصاح: أحضرتُ لكم إنسانًا!).

لكن ماذا يعني هذا الكلام عن الشكوى والشك والتجريب، ماذا يعني طرح الأسئلة؟ الكتابة المتسائلة عن (أو المتحسّرة على؟) المسافات التي تفصلنا؟ لعلّ (وكلّ ما لديّ هو لعلّ) العبرة التقاط المعاني من قارعة الطريق، علاماتٍ على المسير أثناء محاولة الوصول. وماذا يعني الحزن الذي يرافق سؤال جدوى المسير وجدوى الوصول؟ أظنه يعني رفض التعريف، أخذ خطوات هادئة، المشي ببساطة، الحركة في عالمٍ صلبٍ ثابتٍ يحاول تصليبنا نحن أيضًا: الاعتراف بالحب؛ الكلام حين يصعب الكلام؛ انتقاد الوضع وجُبن الفن؛ فتح صفحةٍ وبدء الكتابة؛ كتابة كلّ شيء؛ قصة وخاطرة وسيرة ومحاضرة ومقابلة ومقالة؛ الازدحام بذواتنا بكلّ ما يخالطها من ذوات الآخرين؛ نأخذ الخطوة أمام أنف العالم الانشطاري الذي يؤكّد لنا استحالة الوصول. وربما هذا قلب الكتاب الحقيقي.

يُقال إن زينون في إحدى المحاضرات جادل بموقفه المعتاد عن استحالة الحركة، الخطوات تنشطر إلى ما لانهاية ولا أحد يستطيع الحركة، ما بالنا بالوصول. حينها وقف دايوجينيس، وبخطوات هادئة مشى أمام زينون وغادر المكان.

27 مايو 2025.

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق