‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصادق النيهوم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصادق النيهوم. إظهار كافة الرسائل

السبت، 13 أغسطس 2022

عن الأدب الليبيّ أو عن حيرتي قارئًا للأدب أو عن نقد النقد: هل ثمّة أمل في جوائز الأدب العربيّة؟


عمّاذا نكتب حين نكتب عن القراءة؟ سؤال "كتابة إبداعيّة"، أليس كذلك؟ أعني أنّ تعدّد سبل الإجابة عليه لن يجعل أيّا من تلك الإجابات إجابةً خاطئة، قد تكون الإجابات عمليّة أو علميّة، قد تكون شخصيّة، فلسفيّة، سياسيّة، قد تكون كلّ ذلك، ولا شيء مما سبق، قد تكون واجبَ إنشاءٍ أو بحثًا تفكيكيًّا أو روايةً أو مقالةً عن روايةٍ. أظنني أستطيع الزعم بأننا نكتب أوّلًا عن تجربتنا الشخصيّة، أو بعبارات أخرى عن كيف قرأنا وما قادتنا إليه قراءتنا. هذه بسيطة. لكنّ السؤالَ يصير عندها: ماذا نختار من هذه التجربة لنكتبه؟ ولماذا؟ أعرف أنني قلت "السؤال يصير" ثم أردفْتُه بسؤالين، لكن – ولأكُن صريحًا – ستتكاثر الأسئلة فلا داعي للتدقيق.


عن القضيّة؟

ربّما اخترنا أكثر ما أثارنا؟ ثم نكتبه لأسباب كثيرة لعلّ أقلها إثارةً للجدل رغبتنا في مشاركة الآخرين. ربّما. ولعلّني لهذا السبب حين قرأتُ "خبز على طاولة الخال ميلاد" لمحمد النعّاس شعرتُ أوّل الأمر أنني أريد الكتابة عن قضيّة الرواية المحوريّة: المعايير الاجتماعيّة للرجولة (أو ما أُشير إليه كثيرًا بوصفه قضيّة جندريّة).  وأظنّ أنّني يجب أن أعترف هنا أنني تأثّرت بشيءٍ من خارج الرواية: بالحملة التي شُنّت عليها (وعلى مؤلّفها وقُرّائها وقارئاتها) حين أُعلِنَ عن حيازتها الجائزة العالميّة للرواية العربيّة. أثارت قضيّة الرواية تحفّظات كثيرين فور ظهور النتيجة، لا سيّما بعد إشادة لجنة الجائزة بتناول الرواية لقضيّة تعريف الرجولة والمعايير الاجتماعية المقبولة وتحدّي الرواية لها، فبدأت مواقع التواصل تتداول صورًا لصفحات أو سطورٍ من الرواية رأى بعض الناس – مثلما اعتدنا مع نصوصٍ مُشابِهة – أنّها تنشرُ الرذيلة وتخالفُ الآداب العامّة وتتعدّى على الذاتِ الإلهيّة وتشوّهُ صورة ليبيا والليبيّين إلى آخر ذلك من كلام مُعاد (حدث الشيء ذاته مع أنطولوجيا "شمس على نوافذ مغلقة" منذ بضع سنوات). قد تكونُ الحملة  هدأتْ الآن، أو كالعادة مرّت مثل أي "ترند" آخر على مواقع التواصل، لكنّ آثارها الواقعيّة تجاوزتْ العالمَ الافتراضيّ، فوزارة الثقافة الليبيّة التي هنأت الكاتب محمد النعّاس على ترشيحه ثم باركت له "بأصدق التهاني" حين حَصَدَ الجائزة، مدّعيةً أنّ هذا الفوز يدعمُ "مكانة الكتاب والكتّاب الليبييّن في الخارج ويثري الإنتاج الثقافي الليبيّ ويُعرّف به على نطاقٍ أوسع"، سرعان ما رضخت للهبّة الشعبيّة الليبيّة فأصدرت بيانًا جديدًا تزعم فيه أنّ الرواية لم تُحل إلى إدارة المطبوعات و"لم تتحصّل على الموافقة المطلوبة وفق القوانين النافذة، أو الإذن بالطباعة أو النشر أو التداول".

استفزّني ذلك أكثر من هجوم الناس ابتداءً وتبرُّئِهِم من الرواية وكاتبها. ورغم أنّ موضوع كتابتي لم يكن متّضحًا لديّ تمامًا، كان الاستفزاز والإثارة حاضِرَيْن بدورهما. أردتُ إذن أنْ أكتب عن تناول الكاتب محمد النعّاس في الرواية لمعايير الرجولة.

الأحد، 12 مارس 2017

نورس في محل بقالة.


في سنة 2010 (تقريباً) تعرفتُ على حسين. كنت أُقيم في شقة والدي في تلك الفترة، وحين كنتُ أنتهي من العمل حوالي التاسعة أو العاشرة ليلاً، كنت لا أعود للشقة مباشرةً ولكن أمر على منزل جدي وأمضي بعض الوقت هناك، أو أبقى هناك قليلاً ثم أذهب للقاء أحد الأصدقاء، الأمر يعتمد دائماً على موعد مغادرة العمل، وعدد المشاغل في بيت جدي، وفوضى الحياة بصفة عامة. في الأغلب كنتُ أعود للشقة متأخراً، وأعود متأخراً جداً في نهاية الأسبوع.

في طريقي إلى الشقة كنت أحياناً أتوقف عند محل صغير أشعر تجاهه بالعرفان، فبعدما تنام بنغازي كلها وتمتلئ شوارعها بالظلام والهدوء كان هذا المحل الصغير يبقى مفتوحاً – قنديلاً دافئاً في طريقي إلى الشقة. كنت أدخل، أُلقي السلام، أخذ بعض الحاجيات للعشاء، أطلب علبة سجائر، أدفع، أُخرج بعد إلقاء التحية وصاحب المحل يودعني مع عبارة "يا راجل يا طيب".

الكثير من الليالي كانت تمر هكذا.

أركن سيارتي أمام المحل. أدخل مُلقياً التحية، أجمع حاجياتي، ربما أسأل عن نوع السجائر المفضل عندي ويأتيني الرد باعتذار تليه "يا راجل يا طيب". أغادر المحل إلى الشارع الهادئ، وأعود إلى الشقة في أعلى طابق لعمارتنا القديمة – وهو الطابق السابع وحسب، ليست ناطحة سحاب!

المحل كان محلاً تقليدياً جداً، كل تفاصيله هي تفاصيل محل الشارع الصغير، بدايةً من وجوده في زاوية الشارع، وجلوس صاحب المحل في الشارع على كرسيه، ذلك الكرسي الخشبي الذي يرفضون أن يتركوه يموت فكله مليء بالأخشاب المختلفة والمسامير والإصلاحات المتتالية، وصولاً إلى توافد شباب الشارع المستمر لطلب قداحة أو لأخذ الكرسي الفارغ من داخل المحل ليجلسوا أمامه. حين تدخل تجد أمامك الرفوف الموجودة وسط المحل، تقابلها من الجهتين رفوف ترتفع إلى السقف على جداري المحل، وفي نهاية المحل تمتد الثلاجة على الجدار الخلفي. على يسارك في الأعلى التلفاز الصغير القديم (كل تفاصيل المحلات الصغيرة!)، وعلى يمينك المنصة (الكاصة) التي يجلس وراءها صاحب المحل. المنصة خشبية، وسطحها عبارة عن صندوق مستطيل زجاجي، ترى أسفل الزجاج أنواع السجائر والحلوى ويد صاحب المحل حين تمتد أسفل الزجاج لتُحضر لك ما طلبته.

أسفل هذا الزجاج كنتُ أرى أيضاً كتباً...

لقد شدت الكتب انتباهي لأنها كانت كُتب الصادق النيهوم. أحد الكتاب الذي يعجبونني، وأحد أبرز الكتاب والمفكرين الليبيين. لقد جذبني ذلك فوراً لصاحب المحل. كثيرون جداً يتحدثون عن النيهوم، ولكن قليلون من يقرأون له (وهذا حال كل الكتب والكتاب بصراحة). كنتُ دائماً أرغب في أن أتحدث مع صاحب المحل، لكن خجلي كان يغلبني كل مرة كما يبدو.

في النهاية تمكنتُ من الحديث معه.