عمّاذا نكتب حين نكتب
عن القراءة؟ سؤال "كتابة إبداعيّة"، أليس كذلك؟ أعني أنّ تعدّد سبل
الإجابة عليه لن يجعل أيّا من تلك الإجابات إجابةً خاطئة، قد تكون الإجابات عمليّة
أو علميّة، قد تكون شخصيّة، فلسفيّة، سياسيّة، قد تكون كلّ ذلك، ولا شيء مما سبق،
قد تكون واجبَ إنشاءٍ أو بحثًا تفكيكيًّا أو روايةً أو مقالةً عن روايةٍ. أظنني
أستطيع الزعم بأننا نكتب أوّلًا عن تجربتنا الشخصيّة، أو بعبارات أخرى عن كيف
قرأنا وما قادتنا إليه قراءتنا. هذه بسيطة. لكنّ السؤالَ يصير عندها: ماذا نختار
من هذه التجربة لنكتبه؟ ولماذا؟ أعرف أنني قلت "السؤال يصير" ثم أردفْتُه
بسؤالين، لكن – ولأكُن صريحًا – ستتكاثر الأسئلة فلا داعي للتدقيق.
عن القضيّة؟
ربّما اخترنا
أكثر ما أثارنا؟ ثم نكتبه لأسباب كثيرة لعلّ أقلها إثارةً للجدل رغبتنا في مشاركة
الآخرين. ربّما. ولعلّني لهذا السبب حين قرأتُ "خبز على طاولة الخال
ميلاد" لمحمد النعّاس شعرتُ أوّل الأمر أنني أريد الكتابة عن قضيّة الرواية
المحوريّة: المعايير الاجتماعيّة للرجولة (أو ما أُشير إليه كثيرًا بوصفه قضيّة
جندريّة). وأظنّ أنّني يجب أن أعترف هنا
أنني تأثّرت بشيءٍ من خارج الرواية: بالحملة التي شُنّت عليها (وعلى مؤلّفها وقُرّائها
وقارئاتها) حين أُعلِنَ عن حيازتها الجائزة العالميّة للرواية العربيّة. أثارت
قضيّة الرواية تحفّظات كثيرين فور ظهور النتيجة، لا سيّما بعد إشادة
لجنة الجائزة بتناول الرواية لقضيّة تعريف الرجولة والمعايير الاجتماعية المقبولة
وتحدّي الرواية لها، فبدأت مواقع التواصل تتداول صورًا لصفحات أو سطورٍ من الرواية
رأى بعض الناس – مثلما اعتدنا مع نصوصٍ مُشابِهة – أنّها تنشرُ الرذيلة وتخالفُ
الآداب العامّة وتتعدّى على الذاتِ الإلهيّة وتشوّهُ صورة ليبيا والليبيّين إلى
آخر ذلك من كلام مُعاد (حدث الشيء ذاته مع أنطولوجيا "شمس على نوافذ
مغلقة" منذ بضع سنوات). قد تكونُ الحملة هدأتْ الآن، أو كالعادة مرّت مثل أي
"ترند" آخر على مواقع التواصل، لكنّ آثارها الواقعيّة تجاوزتْ العالمَ
الافتراضيّ، فوزارة الثقافة الليبيّة التي هنأت الكاتب
محمد النعّاس على ترشيحه ثم باركت له "بأصدق التهاني" حين حَصَدَ الجائزة، مدّعيةً أنّ هذا الفوز يدعمُ
"مكانة الكتاب والكتّاب الليبييّن في الخارج ويثري الإنتاج الثقافي الليبيّ
ويُعرّف به على نطاقٍ أوسع"، سرعان ما رضخت للهبّة الشعبيّة الليبيّة فأصدرت بيانًا جديدًا تزعم فيه أنّ الرواية لم تُحل إلى إدارة المطبوعات
و"لم تتحصّل على الموافقة المطلوبة وفق القوانين النافذة، أو الإذن بالطباعة
أو النشر أو التداول".
استفزّني ذلك أكثر من
هجوم الناس ابتداءً وتبرُّئِهِم من الرواية وكاتبها. ورغم أنّ موضوع كتابتي لم يكن
متّضحًا لديّ تمامًا، كان الاستفزاز والإثارة حاضِرَيْن بدورهما. أردتُ إذن أنْ
أكتب عن تناول الكاتب محمد النعّاس في الرواية لمعايير الرجولة.

