الأربعاء، 13 مايو 2026

كلام عن النصوص والحفظ وجمهورية أفلاطون

 

سلّمني صديق أمانةً لأقرأها، نصوصاً مجمّعة غير منشورة، مخطوطات لقصص وأفكاراً أو ربّما هي خريطة. لعلَّ في حديثي عن الأمانة خيانة لها، لكنني سأحاول التمويه قليلًا، أصديقٌ من سلّمني هذه الأمانة المرهقة أم عدو؟ كتابٌ أم خريطة؟ قصصٌ أم قصّة؟ خيالٌ أم فلسفة؟ هل أكشف أسماء أصحاب النصوص أم أقطّعها حروفًا؟ لعلّ صاحب الأمانة لن يغضب إن قرأ هذه الخاطرة يومًا، أو لعلّه قارئها الأوّل؟ هل أقصد أنه حقًّا أوّل من سيقرأها، أم أنه القارئ الأوّل لأنه أصلاً صاحب الأمانة التي أدّت إلى هذه الكتابة؟ لا أحد يدري!

والآن وقد فرغتُ من هذا التمويه الفاشل، كنتُ أقرأ في الأمانة نصًّا عن نصوصٍ مفقودة، يحاول شخصان استرجاعها بالذاكرة "أما النصُّ، فينسال بطيئًا من ذاكرتهما إلى الورق… هذا هو النصُّ الحقّ." لنرمز إليهما بالحرفين ياء وطاء. يصفُّ النصُّ عمل ياء وطاء الدؤوب: "راحا يجتران النص مما داخَلَهما منه، مقتطفاته العالقة والمؤثرة. صار هذا عملهما بل همها اليومي، أن يتسقَّطا النص من ذاكرتهما، خالصًا من شوائب ذاتية كالخلط والنسيان والهوى بل الفهم..." حين قرأتُ هذه الفقرة عن عمل هذين الرجلين وجدتني أتذكّر روايةً لم تخطر ببالي منذ زمنٍ بعيد، انسلّت نهايتها من ذاكرتي: فهرنهايت 451.

في نهاية فهرنهايت 451 يمضي مونتاغ وهو يُردّد لنفسه آية من الإنجيل، يستحضر نص الكتاب الذي عثر عليه وحماه. تخيّل راي برادبري في روايته مستقبلًا ديستوبيًّا كف الناس فيه عن القراءة، ضاعوا في عالمٍ استهلاكيٍّ يُلهيهم بسرعة إشباع رغباتهم، عالمٍ صارت فيه الكتب مُحرّمةً، ورجال المطافئ صارت وظيفتهم البحث عن الكتب وحرقها (بالإنجليزيّة اسمهم رجال النار firemen فالاسم يلائم تحوّل مهنتهم). وفي خضم هذا العالم الاستهلاكي الراكض بجنونٍ نحو هاوية الحرب النووية، يعيش في الخفاء معارضون رُحّل، مثقفون وقارئات، فلاسفة وعالمات، أساتذة أدبٍ وكاتبات، وسيلتهم في المقاومة هي استظهار الكتب والنصوص. حين يلتقي مونتاغ، رجل المطافئ المنشق، بمجموعةٍ من هؤلاء الرحّالة الحفظة، يحدّثه أحدهم عن حفظهم الكتب. يستغرب مونتاغ، فيقول له الرجل نحن حارقو كتب أيضًا، نحفظها ثم نحرقها، فلا تجد السلطات دليلًا لاتهامنا.

الحفظ فعل مقاومةٍ، مقاومة السلطات ومقاومة ضياع الكتب والنصوص في محرقة الانهيار الاجتماعيّ. إذن طبيعي أن تستحضر ذاكرتي هذه التفصيلة من فهرنهايت 451، خاصةً أن وصفها لعناء التذكّر من أشدّ التفاصيل التصاقًا بذهني، قلق ومخاوف مونتاغ من عجزه عن الحفظ ومحاولاته المتكرّرة (شوكةٌ بَرَتْْها عقدةٌ نفسيّة عند قارئ يخشى نسيان ما يقرأ بلا شك). لكن الفقرة السابقة من الأمانة التي أعطانيها صاحبها، عن مجهودات ياء وطاء في استرجاع نصٍّ مفقود، لم تكن عن مجرّد الحفظ أو استعادة المفقود، فمن سجّل الأمر علّق تعليقًا مثيرًا للاهتمام: "هذا هو النصّ الحق". كيف يكون عناء التذكّر الصافي هو النصَّ الحق؟

لعلّ السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل حفظ النصوص مجرّد حفظ؟ وعاء أو خزانة؟ وهذا السؤال يشي بسؤال آخر من ورائه: ما طبيعة النصوص في عالمنا؟ أهي "كنوزٌ أدبية" تُدفن على الأرفف؟ سبائك ذهب في مخازن المكتبات؟ لعلّه من البديهيٌّ أن نقول مثلًا، على نحوٍ لا يخلو من رومنسيّة، إن النصوص أقرب ما تكون إلى أناسٍ، أفراد يمشون بيننا ويعلِّموننا ويؤثّرون فينا، ويتناقل تأثيرهم من شخصٍ لآخر. بهذا المعنى حفظ النصوص يعني استمرارها، خلودها إن جاز لنا التعبير، لا استيعابها في وعاء الذاكرة فحسب. لا بد أن أوّل ما قد يخطر ببال عربيٍّ مسلمٍ مثلي "إنا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون"، هل القرآن أبرز مثالٍ على كتابٍ محفوظٍ حفظ الاستمراريّة؟ أظن أن حفظ الصدور، هذا التمظهر الإنسانيّ لمعجزة الحفظ الربّاني، مثالٌ قوي على طبيعة الحفظ الاستمراريّة، لكنه مثال يصعب التمثّل به ومناقشته في مساحةٍ قصيرة (ولا يبعد عنه الحديث والسنة). لعلّ المثال الذي يناسب هذا الكلام أكثر هو رواية الشعر وحفظه.

 حين يلتقي مونتاغ بأولئك الحفظة الصعاليك في فهرنهايت 451 يقول له متصدرهم: "هل تحب، يومًا ما، يا مونتاغ، أن تقرأ جمهورية أفلاطون؟" يجيبه مونتاغ "بالطبع!" فيرد الرجل: "أنا جمهوريّة أفلاطون." ألا يستحضر هذا التعريف العجيب تاريخ الشعر عندنا؟ كم نعرف من الرواة حقًّا؟ أحسبني – بكلّ تواضع – قرأتُ قدرًا لا بأس به من الشعر، ولكنني لستُ خبيرًا في تاريخ النقد الأدبي عند العرب (جايك يا كتاب المرحوم إحسان عباس، جايك)، ولكن قبل انتشار التدوين والتأليف وطبقات ابن سلام وابن المعتز، من رواة امرئ القيس مثلًا؟ حمّاد وخلف؟ لا أحد سواهما؟ فمن رواة المتنبي؟ ابن جني؟ أم لعل جهلي يفضحني هنا وعصره كان عصر تدوين؟ ولكن في كلّ الحالات بُني الشعر العربي على الحفظ، وذاب الرواة في أشعار الجاهليين والأمويين على الأقل، إهمالٌ تأريخيٌّ أم تقمّص؟ هل صار الرواة الشعراء؟ كلامٌ يستحضر للذهن أيضًا، على اختلاف المقصد، قول الشاعر "ومثل الشاعر الراوية".  ولكن يجب ألا أستبعد التدوين تمامًا، ألم تُدوَّنُ دواوينُ كثيرةٌ وكتبٌ (وأحاديثُ وأخبارٌ) موضوعةٌ ومنحولة؟ ما زلتُ أذكر جلوسي قديمًا في فناء بيت جدي سعيدًا باقتنائي ديوان الإمام علي رضي الله عنه، أفتحه، فيطالعني في أوّل صفحةٍ اقتباسٌ للزركلي يقول فيه إن الديوان "معظمة أو كله مدسوس عليه"! يا له من افتتاح، ولكن أكان مدسوسًا فعلًا، أم كان محاولةً لتسقّط شعره رضي الله عنه من الذاكرة؟ في الديوان قصائد موضوعاتها متكرّرة، كأن مؤلّفًا واحدًا أو عدّة مؤلّفين يحاولون تذكّر القصيدة ذاتها. فهل كانوا كلهم الإمام علي؟ أما لعلّهم بالأحرى كانوا قصائده؟

في نصٍّ آخر من نصوص تلك الأمانة يستعرض صاحبه تاريخ ألف ليلة وليلة، ويناقش فكرةً عن النصوص التي يضيع مؤلّفوها، لا يموتون، بل ربما ينتشرون فيتوحدون فينصهرون في النص، وبشكلٍ أو بآخر يكتسبون الخلود بفنائهم هذا، يضيع اسم المؤلّف ويبقى النص خالدًا. من مؤلّف ألف ليلة وليلة؟ بل من مؤلّفو ألف ليلة وليلة؟! كُتّاب وشعراء ورواة ومُدوّنون ومترجمون كلهم ألّفوا الليالي، سيبقون ما بقيت الليالي. وهنا هل أمامي مفرٌّ من بيير مينار؟

يقول بورخِس في مقالته الشهيرة عن مينار إنه "لم يرد تأليف كيخوته آخرى... إنما أراد أن يؤلّف الكيخوته ذاتها." أبتقمّص المؤلّف أم النص يتحقّق ذلك؟ يقول بورِخس إن تقمّص مينار شخصيّة سرفانتس مستحيل، ومن بين كلّ المستحيلات فهذا المستحيل أقل إثارةً للاهتمام من أن "يستمر [مينار] في أن يكون بيير مينار ويأتي إلى الكيخوته عبر تجارب بيير مينار". هل يعني هذا أنه يتذكّر النصّ كمن يتذكّر تجاربه القديمة حتّى ليصير هو مؤلّفه؟ يقتبس بورخِس حديث مينار عن ذكرياته العامة حول الكيخوته التي "تبسّطها بالنسيان واللامبالاة، فكأنها بشارةٌ غامضة بكتابٍ لم يؤلّف بعد". بشارةٌ بالكتاب لا المؤلّف؟ باهي، في مقالة بورخِس، التي تفيض بما يستحث تنقيب المحققين، أدلة أخرى أراها ألصق بموضوع هذه الخاطرة الغريبة التي استفزتها تلك الأمانة.

يُعدّد بورخِس مؤلفات مينار، ويذكر مقالةً عن تحسين لعبة الشطرنج بحذف أحد الجنود. يقترح مينار الفكرة، يدعمها ثم ينتقدها، يجادل نفسه، ثم ينتهي إلى رفضها. يذكر بورخِس عملًا آخر: نقدًا حادًّا للشاعر بول فاليري، ويؤكّد لنا بورخِس أن هذا النقد على النقيض تمامًا من رأي مينار الحقيقيّ في فاليري. إذن لدى مينار ميولٌ لأن يكون الجميع، الكاتب والقارئ والموافق والناقد والناقض والمدافع والمهاجم. هل لكاتبٍ أن تجتمع فيه كلّ هذه الصفات في عملٍ واحدٍ من أعماله؟! أم هل النص وحده من يجمع بين هذه الصفات؟ النص يلد كل أولئك بمجرد قراءته. إذن ليس التقمّص ذوبانًا في المؤلّف بل في النصّ. الدليل الأقوى، حسب رأيي، هو تعليق مينار على مشروعه في تأليف (إعادة تأليف؟ تذكّر تأليف؟) الكيخوته، حيث يقول إنه مشروعٌ صعب ولكن "إن استطعتُ الخلود، فسأنجزه". فمن من الاثنين، المؤلّف والنص، يستطيع الخلود حقًّا؟ من منهما لا تمسه يد الموت، فيبقى، ربما ليس إلى الأبد، ولكن إلى عقودٍ أو قرونٍ؟ «كل من عليها فانٍ ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام» فيلزم أن نكون واقعيين ونقول عقوداً أو قروناً، في حدود فكرتنا البسيطة عن الخلود التي نقيسها على قصر أعمارنا، كأننا مينوطور بورخِس الذي يعدّ أبواب متاهته اللانهائية أربعة عشر بابًا!

لا أعلم ما سؤال هذه الخاطرة حقًّا، لقد بدأت بالحفظ، بياء وطاء يحاولان استرجاع نصٍّ بذاكرتهما (رجلان كانا أم حرفان في نصٍّ؟)، وانتقلت إلى مونتاغ يعبر ديستوبيا نهاية العالم مردِّدًا ما حفظه (يمشي نحو الخلود؟)، برواةٍ لولاهم لما كانت دواوين (أم كانوا الدواوين؟)، بنصوصٍ تؤلّف ذاتها وينصهر فيها مؤلّفوها إلى حدّ الفناء، وبرجلٍ يُحدّد شرط نجاحه في التحوّل إلى نصّ "إن استطعتُ الخلود...". لا أعلم ما السؤال، لكن أظن أن الإجابة هي أن لا أحد يستطيع الخلود، أنا وأنتِ وأنتَ لا يستطيع أيٌّ منَّا الخلود، لكننا نستطيع خلود النص، أي حفظه، استمرار جريانه، تحولّه هو إلى الوعاء الذي ننسكب نحن فيه، لا يستمر النصّ إلا بنا، ولا يجري إلا بنا، هو منبعنا ومجرانا ومصبنا، كلنا جمهورية أفلاطون، كلنا الشعر، كلنا الليالي.

ولعلي واحدٌ منا، نحن الذين نكون فهرنهايت 451، ودون أن أدرى أستحضر ما يردده مونتاغ في تلك الصفحة الأخيرة: "وعلى النهر من هنا ومن هناك، شجرة حياة...".  

وهذا هذا.

12 مايو 2025



لوحة ذاتية (!) رسمها بورخِس لنفسه بعد أن فقد بصره. أوّل ما استحضره ذهني عند التفكير في التحوّل إلى نص!

(المصدر Open Culture)


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق