‏إظهار الرسائل ذات التسميات الفوضوية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الفوضوية. إظهار كافة الرسائل

السبت، 27 يونيو 2026

كلام عن الأحلام والشرطة والآباء والأبناء

 


 كنت أقرأ في "أحلام فترة النقاهة" لنجيب محفوظ، وقد استوقفني حلمٌ أعاد لي تساؤلي عن مدى... لا أدري، مدى "صحّة" هذه الأحلام؟ لا أدري ما صحة التساؤل أصلًا. يروي محفوظ أحلامه عن نفسه، هو الأصل والنقل، وكاتبٌ مثله لا يُستغرب أن يُنقّح أحلامه، أو يستلهمها لكتابة شيء آخر، أو يتدرّع بها ليتحدث عن الحب أو السياسة مثلًا وراء حجاب سيريالي مفتوح للتأويل.

الحلم الذي استوقفني هو التالي:

حلم 232

رأيتني في الغورية وجنود الشرطة أضعاف المدنيين، ورأيت أبي قادمًا وشرطي عن يمينه وآخر عن يساره فانقبض صدري وخفت أن يكون مقبوضًا عليه، ولكنه سلّم عليَّ وقال لي: رأيتك مقبلًا وشرطي عن يمينك وآخر عن يسارك فخفت أن يكون مقبوضًا عليك.

نشأتُ في دولة بوليسيّة كغيرها من دولنا، "وكلنا في الهمِّ شرقُ"! كانت في ليبيا نُكت عن أن نصف الشعب أمن ونصفهم مخبرون. يتباهى أحد جيرانك بعمله الأمني أمام الجيران وسط صمتهم، قبل أن يغيّر أحدهم الموضوع. أمام مسجد الحي تظهر سيارة أجرة قبل كلّ صلاة، في مؤخّرتها هوائي اللاسلكي الدال على مهنة راكبي السيارة، كلّ صلاة ينزل أحدهما ويصلي ويبقى الآخر في السيارة (هل كانا يُصلّيان حقًّا؟). في الجامعة يختفي أحد أصدقائي المقرّبين  مدّة من الزمن، وحين رأيته أخيرًا وسارعت للسلام عليه، لم يبادلني التحية بل بدأني بجملة "معش تقعد معايا"، اعتقله الأمن، ولم تكن هذه المفاجأة، بل المفاجأة اكتشافنا أن رجل الأمن المكلّف بمراقبته أحد زملاء دفعتنا (هادئ إلى حدّ الخجل، كثيرًا ما كنت أعيره هاتفي لأنه ليس لديه رصيد). تصير صورة "جنود الشرطة أضعاف المدنيين" تعبيرًا عن واقع هذه الدول، لا مبالغة. واقع تتوارثه الأجيال، فيرى الابن أباه محاطًا بالشرطة ويخشى عليه، ويرى الأب ابنه محاطًا بالشرطة ويخشى عليه. كلاهما غير مقبوض عليه، لكن كليهما خائف، يتحقّق الردع بهذا الحضور، يتحقّق العجز عن فعل أي شيء بترسيخ الرعب. خوف يعرفه الآباء والأبناء، يتوارثونه. أجدادي رحمهم الله، وأعمامي وأخوالي، وأبي، وأنا، وأقارب، وأصدقاء، وجيران، كلنا لدينا قصصٌ عن الخوف، من أيام الاستعمار الإيطالي، ثم المملكة الليبية، ثم القذافي، ثم ما بعد ثورة 2011، نتوارث الخوف ونولد بصدور منقبضة، ولكننا نسلّم على بعضنا، ونحاول، قدر الإمكان، أن نخاف على بعضنا.

 لقد أخبرني صديق شاركته هذا الحلم أن الغورية "منطقة شعبيّة بها سوق كبير للأقمشة والثياب ومستلزماتها. منسوبة إلى قُنصوَة الغوري، آخر سلاطين المماليك، لو لم تحسب طومان باي (ابن أخيه). فلها دلالة كبيرة على العدد حين يقول الشرطة أضعاف المدنيين، لأنها منطقة مزدحمة غاصة بالباعة والمشترين." أكّد كلام صديقي رأيي حول عدد الشرطة، وأهداني عنصرًا آخر من عناصر حلم (أو استعارة؟) محفوظ: ارتباط القمع السياسي بتأخّر الإصلاح الاقتصادي، وهو موضوعٌ آخر يتكرّر في "أحلام" محفوظ. يقول لنا عن حلمٍ آخر:

حلم 235

رأيتني مع جماعة من الشبان نستمع إلى عثمان بوزي (أكبر صانع روائح عطرية في صباي) وهو يدعو الواقفين إلى مقاطعة البضائع الأجنبيّة، وقال لي والدي وهو متربع على سجادة الصلاة: هذا كلام جميل ولكننا لم ننتج بعد احتياجاتنا للضروريات، فقلت له: فلنبدأ بالممكن.