هذا الكلام سيحرق فِيلمي No Other Choice (2025) وThe Secret Agent (2025)، فلعل قارئة المدونة وقارئها (إن وجدا) يتجاوزان هذا الكلام إن لم يتفرّجا على الفيليمن.
تحمستُ
لمشاهد فيلم No Other Choice الكوري (لا خيارات أو لا بديل) للمخرج بارك
شان-وك. شدتني بعض الأفلام والمسلسلات الكوريّة بحكم نزوعها إلى نقد الرأسماليّة.
الممثل الأساسي في فيلم لا بديل، لي بيونغ-هن، أحد ممثلي مسلسل Squid Game الذي لا بدّ
أن أكتب يومًا ما عن اتساقه في نقده للرأسماليّة. يروي فيلم "لا بديل"
قصّة مان-سو: رجل يفقد وظيفته، يتقدم إلى وظيفة أخرى، ويبدأ في قتل منافسيه عليها.
ينحدر الرجل اللطيف إلى الهمجيّة ويتحوّل ربّ الأسرة الجميلة التي تعيش في بيتٍ
عائليٍّ متوارث إلى قاتلٍ متسلسل بسبب لقمة العيش (أو: الرأسماليّة). يقتل أشخاصًا
أنفقوا أعمارهم في خدمة مصانع الورق مثله، فقدوا وظائفهم بسبب الاستحواذات
الدوليّة (الإمبرياليّة) مثله، لديهم عائلات تعاني معهم مثله، لديهم بيوت جميلة تربّوا
فيها قد يفقدونها مثله، يعملون في وظائف وضيعة مثله.
فيلم The Secret Agent البرازيلي (العميل السري، لكن لعل العنوان الأفضل هو المطارَد أو
المتخفي) سمعتُ عنه وأوصانا به صديق (لم يشاهده!) ويمثل فيه البارع واغنر مورا. يروي
الفيلم قصّة مارشيلو: رجل مُطارَد يحاول الاختباء في بلدٍ يتغلغل فيها الفساد وتنتشر
فيها جرائم القتل الهمجيّة ورمي الجثث من فوق الكباري لتغرق في البحر والنسيان. شيئًا
فشيئًا يكشف لنا الفيلم أن مارشيلو أستاذ جامعي رفض الانصياع لأمناء الجامعة
النافذين وأطماعهم الرأسماليّة، اعترض على قطع تمويل عدّة بحوث علميّة، ورفضَ تسليم
براءات البحوث التي ستدر على الرأسماليّة أرباحًا هائلة. يهرب مارشيلو،
والرأسماليّة في أثره، إصبعها متأهّبٌ على الزناد. تتحكم الرأسمالية في البلاد، في
جامعاتها، في جهاتها الأمنيّة (وُضع اسمه على قوائم منع السفر)، يسكر القتلة المأجورين
(الذين يبحثون عنه) مع الشرطة، الرأسماليّة ليست مجرّد شركة.
في فيلم
لا بديل يعيش مان-سو الأحداثَ وحيدًا. قاتلٌ متسلسل، يخطط جرائمه منفردًا، يراقب
ضحاياه منفردًا، يشعر بالذنب منفردًا، يخفي مشاويره وجرائمه عن زوجته وعائلته. جانب
من جوانب التوتر في الفيلم (كما هو حال القصص التشويقيّة المشابهة عن القتلة) يكمن
في عزلته هذه، محاولته إخفاء جرائمه وخطورة كشف أسراره.
في فيلم
المطارَد التشويق الفردي هو في وحدة الملاحقة، الموت الذي يتتبع مارشيلو ويجعله هو
ذاته خطرًا على غيره، فهو لا يعاني من الوحدة التي يعاني منها مان-سو. يلوذ
مارشيلو ببيت لاجئين. صاحبته عجوز ظريفة، كانت قديمًا شيوعية ثم أناركية، أو العكس
(لا تتذكر ولا تهتم!)، تفتح بيتها ملاذًا لهاربين متنوّعين: مارشيلو، طبيبة أسنان
وابنتها، شابٌ مرحٌ ومتوترٌ، لاجئين سياسيين من أفريقيا، فتىً منبوذٌ في العالم. يعيشون
معًا، ويتلقون دعمًا من شبكة سريّة توفّر لهم النقود والمؤونة وهويات بديلة.
يعرض
الفيلمان ظاهرة اغتراب الإنسان من زاويتين مختلفتين: مان-سو يُكره على فقدان حياته
القائمة كليًّا على وظيفته، مصاريف بيته تتغيّر، علاقاته العائليّة تتغيّر، تُهدّد
العائلة بفقدان بيتها، تضيع كرامة مان-سو في استجداء الوظائف، تضيع إنسانيته ذاتها
حين يلجأ – لانعدام البديل – إلى القتل. يغترب مان-سو تمامًا عن إنسانيته في
محاولاته أن يحتفظ بحياته الاقتصاديّة والاجتماعيّة. أما مارشيلو، وبقية اللاجئين
ومن يعاونونهم في فيلم المطارَد، فهم مغتربون عن المجتمع، إما لاجئون من ولاية
برازيليّة إلى أخرى أو من دولة إلى أخرى، أو مقيمون في مجتمعهم لكن حياتهم الظاهرة
ليست حياتهم الباطنية (الشبكة السريّة التي تساعد مارشيلو والآخرين). ربما أوضح
رمزيّة للاغتراب، لا سيما في حالة اللاجئين أمثال مارشيلو، نراها في تخلّيهم مُكرهين
عن أسمائهم الحقيقيّة، مارشيلو اسمٌ مستعار.