زوجتي
قارئتي الأولى. لا أعني أنها أوّل من يقرأ نصوصي (وهي في الأغلب أوّل من يقرأ)،
لكنني الآن أقصد أسبقيتها إلى قراءةٍ أعمق وأنفذ، أنها أوّل من يقرأني بكلّ معاني
القراءة: أوّل من يقرأ الفكرة ربّما من قبل أن تتبلوّر في خاطري، أوّل من يقرأ
مقصدي بالكتابة وغايتي منها، أوّل من يقرأ نصوصي من قبل أن تُكتب (لأنني أصدّعها
بالحديث عنها!)، وأوّل من يتأوّل نصوصي ويعثر على معانيها حتّى لعلّها تسبقني إلى
ذلك. وهذا ما حدث عندما قرأتْ خاطرتي السابقة.
سألتني:
لما لم تذكر المُثُل الأفلاطونية؟ أليس هذا معنى ما اقتبسته في خاطرتك حول سعي
الرجلين إلى تذكّر نص مفقود، ووصف ما ينتج عن تذكّرهما بأنه "النص
الحق"؟ سألتني ببساطة عابرةٍ، وكأنها تتوقع أن أقول لها: آه، بالطبع لقد كان
الأمر في بالي طيلة كتابتي خاطرة في مركزها "جمهورية أفلاطون"! كل ما في
الأمر أنني فضّلتُ أن أختزل النصَّ قليلًا، فهي مجرّد كتابة سريعة. سألتني كأنها
التقطت فكرةً وقعت مني سهوًا، تقول "أهذه فكرتك؟" وهي تناولني المُثُل
الأفلاطونيّة.
كانت
ردّة فعلي صدمة إدراك! لم يخطر ببالي أفلاطون نفسه عند كتابة ذلك الكلام! ولكن كيف
غاب عني عالمه المثالي؟! فكرته عن عالمٍ سابقٍ عرفنا فيه كلّ شيءٍ وما عالمنا
الراهن إلا تذكّر، هي في صميم ما كتبت عنه في الخاطرة السابقة (كلام مينار عن
تذكّره الكيخوته أراه الآن تطبيقًا لمثل أفلاطون، وعناء التذكّر في فهرناهيت 451).
أسرعتُ
إلى الأمانة التي أودعني إياها ذاك الصديق، قلّبتُ نصوصها حتّى وقعتُ على نصٍّ
نظريٍّ في النقد الأدبيّ جاء فيه:
"ثم إن هذه الرؤية الشاملة تتجاوز
الخصوصيّة العربيّة. فإذا هي فكرةٌ عالميَّة (...) كان بيكن الإنجليزي قد استشهد
بما قاله سليمان الحكيم من أنه "ليس تحت الشمس جديد"، وبتصوّر أفلاطون
للمعرفة أنه "كل معرفة ليست إلا تذكّرًا"؛ ليغلق بيكن حلقة استشهاداته
من حيث بدأ، أي بسليمان ثانيةً، بقوله بأن: "كل جِدَّةٍ ليست سوى
نسيان"..."
[يقصد المتحدّث (أم المحدّث؟) بالرؤية
الشاملة عملية التأليف في التراث العربيّ ودورانها حول الكتابة والحفظ والحديث
والسماع والكتابة إلخ. يستطرد المحدث بعد ذلك في كلامٍ يستحضر قول بورخس "ما
أفتأ أتوصَّلُ إلى الأشياء بعدما تطالعني في الكتب"!]
كأن
زوجتي تذكرت المعرفة الأفلاطونيّة نيابةً عني. كان نسياني الجدّة المتوهّمة
وتذكّرها المعرفة الشاملة. فكانت زوجتي القارئة الأولى بمعنى أفلاطوني، تتذكّر
معرفةً سابقة نسيُتها! لي أن أتحدث هنا عن الحبّ، عن هذه الرفقة التي لا تميّز بين
قلبين أو خاطرين، تخطر لي الفكرة في ذهنها، وتتذكر هي قراءاتي السابقة، أنظم
النصَّ وتمنحه معناه، أبدأ الكتابة وتختمها. لكنني أريد أن أبقى مع دهشةٍ أثارها
كلّ هذا...
عندما
قرأتُ أوراق تلك الأمانة مررتُ على مقالاتٍ عن طبيعة النصّ والقراءة والتأليف،
شعرتُ بمبالغاتٍ أدبيّة في التنظير، شطحات فلسفيّة، ألاعيب برخسيّة أو فرويديّة،
تستلهم أفكارًا أدبيّة لكنها لا ترتقي نظريات يُقاس عليها بإطلاق. لكنني حينما
وصلتُ إلى بعض التقارير التي تسجّل أحداثًا وشهادات، وحتّى بعض القصص التي تخلط
الواقع بالخيال، صرتُ أرى تلك الأفكار التي تبرّمتُ منها أو شككتُ فيها تتجسّد
واقعًا، فإذا بالنصوص تمشي بيننا، والحفظ والرواية والترجمة (بل والقراءة ذاتها)
بانت لي أشكالًا لخلودٍ فريد لا تحققه إلا النصوص. بل إنني عدتُ إلى مقالة مينار
وكيخوتته أُحلّلها بتلك الأفكار وكأنها نحوٌ أو منطقٌ مستقرٌ (وكلاهما علمٌ لا باع
لي فيه، لكن نقول على المجاز وقد
علمنا أن الأمر ليس كما نقول!). صار تذكّر الرجلين اللذين يسترجعان نصًّا مفقودًا
"النصّ الحق" فعلًا؛ تجسّدت الأمانة واقعًا بعد أن كانت ورقًا؛ تذكّر
مينار الكيخوته؛ تحوّل ذاك الحافظ "جمهورية أفلاطون"؛ تذكرت الزوجة ما
نساه الزوج... ويجري النهر...
ختمتُ
تلك الخاطرة بإشارةٍ (شيوعيّةٍ بطبيعة الحال) إلى جماعيّة هذا الخلود: يتحقّق
بتكاتفنا جميعًا:
"لا أحد يستطيع الخلود، أنا وأنتِ وأنتَ
لا يستطيع أيٌّ منَّا الخلود، لكننا
نستطيع خلود النص، أي حفظه،
استمرار جريانه، تحولّه هو إلى الوعاء الذي ننسكب
نحن فيه، لا يستمر النصّ إلا بنا،
ولا يجري إلا بنا، هو منبعنا ومجرانا ومصبنا، كلنا جمهورية أفلاطون، كلنا الشعر، كلنا الليالي."
هذه
العملية الجماعية تقودنا إلى إنتاج "النص الحق"، مُثُل أفلاطون التي لم
أكتبها لكن زوجتي قرأتها، يعيش دون كيخوتي أحداثًا فيسجّلها سيدي حميد بن الأيل
ويترجمها سرفانتس ويتذكّرها مينار ويمدحها بورخس، الليالي المؤلّفة ومؤلّفوها
المؤلّفون، يعيش النص لأنّ عمله لا ينقطع.
صباح
اليوم، شاءت "الصدف المدبّرة" أن أقرأ قصيدةً لبرخت عنوانها "لمَ
يجدر باسمي أن يُخلّد؟"، يعدّد ما يظنه الشاعر أنه سيحفظ اسمه "في
الأزمان البعيدة / بعد أن تهدّمت المباني التي عشتُ فيها / وتآكلت السفن التي
سافرت بها"، يذكر معارضته الظلم ووقوفه مع الناس وثقته بهم وكتابته وتعليمه،
ثم يقول:
"ولكنني اليوم
أتقبّل أن اسمي سيُنسى.
لمَ يُنادى الخبّاز إذا كان لدينا ما يكفي من الخبز؟
لمَ يُمدح الثلج الذي ذاب
إذا كان ثلجٌ جديدٌ على وشك الهطول؟
لم يجب أن يكون ثمّة ماضٍ
إن كان هنالك مستقبل؟"
لعلّ
بريخت قصد التضحية الثوريّة في سبيل المستقبل، أسماؤنا ليست مهمّة ما دام الحلم تحقّق.
ولكن هذه القصيدة أعادت لذهني قصيدةً أخرى لبريخت "عن كيفية بناء أعمال
دائمة"، يقول فيها:
"إلى متى تدوم الأعمال؟
تدوم ما لم تكتمل؛
فما دامت الأعمال تحتاج إلى مجهود
لن تتلاشى.
تدعو إلى المزيد من العمل،
تكافئ المساهمة،
وجودها مستمرٌ ما استمرت
دعواتها ومكافآتها.
الأعمال المفيدة
تحتاج إلى الناس
(...)
من يمنح الأعمال دوامها؟
أولئك الذين سيكونون أحياءً حينها.
من تختار ليبنوا المستقبل؟
أولئك الذين لم يولدوا بعد.
عندما
قرأت قصيدة دوام الأعمال أوّل مرّة، وجدتُ فيها، إضافةً إلى المعنى الشيوعيّ،
معنىً أدبيًّا: الكتابة عملٌ مستمر، لا أريد كتابة مقالة أو خاطرة وينتهي الأمر،
فلا داعي لأن أكتب كل الأفكار في مقالةٍ واحدة، العمل مستمر والنظر مستمر، ستدوم
الكتابة ما احتاجت إلى مجهود. أرى القصيدة من زاويةٍ جديدةٍ الآن، امتدادًا لفكرة
خلود النص التي ألهمتني إياها (أو ربما التهمتني بها؟) تلك الأمانة: يدوم النصُّ
ما استمرّ يدعو الناس إلى القراءة والترجمة والتأويل والإحالة والتأليف والحفظ
والتذكر، وبه يدوم الناس. يدوم النصُّ ونصير كلّنا جزءًا منه، حتّى يُنسى اسم
المؤلّف أحيانًا. وهنا لعلّي أعود من جديد إلى بورخس الذي يقول:
"كثيرًا ما أجد أنني [حينما أكتب] لا
أفعل سوى اقتباس شيءٍ قرأته منذ زمن، فيصير الأمر إعادة اكتشاف. لعلّ الأجدر أن
يبقى الشاعر بلا اسم."
نتيجة
بورخس، ولو كانت في خدمة النصّ والإبداع، تشابه نتيجة بريخت الملتزمة سياسيًّا:
شاعرٌ يرضى أن يُنسى اسمه وتبقى قصيدته بعد أن يتهدم ويتآكل كلّ شيء.
ولكن
لعلّ النصَّ نفسه يُنسى؟
لعلّ
هذا مستوىً آخر من الأمر، نسيان النصّ في سبيل إنتاجه من جديد، في سبيل
"بشارة غامضة بكتابٍ لم يُؤلّف بعد". نسيتُ مُثُل أفلاطون، لكن هل نسيته
فعلًا وأنا أكتب تلك الخاطرة التي تجري فيها فكرته عن التذكّر؟ هل نسيته فعلًا أم
كنته دون أن أدري، حتّى تذكرته زوجتي نيابةً عني؟ فكانت الأمانة وأصحابها أفلاطون،
وكنتُ أنا أفلاطون، وكانت زوجتي أفلاطون، وكلنا أفلاطون، كلنا بورخس يقتبس ما نسي،
كلنا التوحيدي يحرق كتبه ويراجعها (وهذه مقابلة جديدة مع فهرنهايت 451 نسيتها ولم
أنسها)، كلنا مينار يتذكّر الكيخوته ليؤلفها، كلنا حفظة الشعر الذين ينسون أسماء
الرواة. نحن نهر الحياة الذي تنمو على ضفافه أشجار الخلود، خلود النصوص، وهو خلودٌ
يحتاج إلينا، حتّى إن لم نتذكّر الأسماء...
وهذا
هذا.
وكل
عام ومن يقرأ أو تقرأ الخاطرة اليوم بألف خير...
26 مايو 2026.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق