‏إظهار الرسائل ذات التسميات النوارس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات النوارس. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 12 مارس 2017

نورس في محل بقالة.


في سنة 2010 (تقريباً) تعرفتُ على حسين. كنت أُقيم في شقة والدي في تلك الفترة، وحين كنتُ أنتهي من العمل حوالي التاسعة أو العاشرة ليلاً، كنت لا أعود للشقة مباشرةً ولكن أمر على منزل جدي وأمضي بعض الوقت هناك، أو أبقى هناك قليلاً ثم أذهب للقاء أحد الأصدقاء، الأمر يعتمد دائماً على موعد مغادرة العمل، وعدد المشاغل في بيت جدي، وفوضى الحياة بصفة عامة. في الأغلب كنتُ أعود للشقة متأخراً، وأعود متأخراً جداً في نهاية الأسبوع.

في طريقي إلى الشقة كنت أحياناً أتوقف عند محل صغير أشعر تجاهه بالعرفان، فبعدما تنام بنغازي كلها وتمتلئ شوارعها بالظلام والهدوء كان هذا المحل الصغير يبقى مفتوحاً – قنديلاً دافئاً في طريقي إلى الشقة. كنت أدخل، أُلقي السلام، أخذ بعض الحاجيات للعشاء، أطلب علبة سجائر، أدفع، أُخرج بعد إلقاء التحية وصاحب المحل يودعني مع عبارة "يا راجل يا طيب".

الكثير من الليالي كانت تمر هكذا.

أركن سيارتي أمام المحل. أدخل مُلقياً التحية، أجمع حاجياتي، ربما أسأل عن نوع السجائر المفضل عندي ويأتيني الرد باعتذار تليه "يا راجل يا طيب". أغادر المحل إلى الشارع الهادئ، وأعود إلى الشقة في أعلى طابق لعمارتنا القديمة – وهو الطابق السابع وحسب، ليست ناطحة سحاب!

المحل كان محلاً تقليدياً جداً، كل تفاصيله هي تفاصيل محل الشارع الصغير، بدايةً من وجوده في زاوية الشارع، وجلوس صاحب المحل في الشارع على كرسيه، ذلك الكرسي الخشبي الذي يرفضون أن يتركوه يموت فكله مليء بالأخشاب المختلفة والمسامير والإصلاحات المتتالية، وصولاً إلى توافد شباب الشارع المستمر لطلب قداحة أو لأخذ الكرسي الفارغ من داخل المحل ليجلسوا أمامه. حين تدخل تجد أمامك الرفوف الموجودة وسط المحل، تقابلها من الجهتين رفوف ترتفع إلى السقف على جداري المحل، وفي نهاية المحل تمتد الثلاجة على الجدار الخلفي. على يسارك في الأعلى التلفاز الصغير القديم (كل تفاصيل المحلات الصغيرة!)، وعلى يمينك المنصة (الكاصة) التي يجلس وراءها صاحب المحل. المنصة خشبية، وسطحها عبارة عن صندوق مستطيل زجاجي، ترى أسفل الزجاج أنواع السجائر والحلوى ويد صاحب المحل حين تمتد أسفل الزجاج لتُحضر لك ما طلبته.

أسفل هذا الزجاج كنتُ أرى أيضاً كتباً...

لقد شدت الكتب انتباهي لأنها كانت كُتب الصادق النيهوم. أحد الكتاب الذي يعجبونني، وأحد أبرز الكتاب والمفكرين الليبيين. لقد جذبني ذلك فوراً لصاحب المحل. كثيرون جداً يتحدثون عن النيهوم، ولكن قليلون من يقرأون له (وهذا حال كل الكتب والكتاب بصراحة). كنتُ دائماً أرغب في أن أتحدث مع صاحب المحل، لكن خجلي كان يغلبني كل مرة كما يبدو.

في النهاية تمكنتُ من الحديث معه.