وجدتني
وسط المدينة، وقد فرغتُ من بعض الالتزامات. وكان ذاك النهار عطلة نهاية الأسبوع.
تريثتُ في المشي إلى محطة قطار الأنفاق عائداً إلى البيت. وأخرجتُ هاتفي، أبحث عن
مكتبةٍ قريبة، لعلّي أروّح عن نفسي بكتاب، فقد كان أيضًا نهارَ عيدٍ لم تنقطع فيه
الإبادة في غزّة، بل امتدت نيرانها. عيدٌ ساءني في الغربة مأسورًا، وعاد،
والبيداء دوني ودون الحبيبة والأهل، فالحمد لله ولا غالب إلا الله. أعطاني الهاتف
مقترحات لمكتباتٍ قريبٍة، وقد وصف أقربها أنها "مكتبة راديكاليّة".
تفقدتُ خرائط غوغل ومشيتُ أحذر الإسراف في أمل أن تكون راديكاليّةً حقًّا، فقد
زرتُ من قبل مكتبات سياسيّة، بل ترفع رايات الشيوعيّة الحمراء، فلم تختلف عن أي
مكتبةٍ تجاريّة.
وصلتُ
إلى المكتبة وتذكرتُ فورًا أنني زرتها مع زوجتي منذ سنين، وأنها مكتبة سياسيّة
راديكاليّة حقًّا. على طاولة الاستقبال اصطفت كتبٌ كثيرة عن غزّة وإبادتها
الراهنة، أجرأ من تلك التي تصل أعلى المبيعات وتدعو إلى السلام وتدين المقاومة، بل
وجدتُ بينها كتبًا صغيرة من دور نشر مغمورة لمؤلّفين ومؤلّفات من غزّة.
يكاد حجم
المكتبة يكون أصغر من شقةٍ بغرفةٍ واحدة، ولكنني قضيتُ فيها أكثر من ساعة ألف بين
أرففها، أُقلّب المنشورات السياسيّة، والمجلات والجرائد الشيوعيّة والأناركيّة.
عثرتُ فيها على كتبٍ بحثتُ عنها كثيرًا ولم أجدها، وكتب كنت أحفظ عناوينها ونسيتها،
وكتب لم أسمع بها من قبل كانت يدي تلتقطها قبل أن تُتمَّ عيني قراءة عناوينها وتضيفها
إلى كومة الكتب التي جمعتها. التقطتها في
الكومة التي كنت أجمعها من قبل إتمام قراءة عناوينها. أردتُ الترويح عن نفسي وكآبتي
ووحدتي وغربتي بكتابٍ عيديَّة، فإذا بي أغادر بنشوة المدمنين، تلك الفرحة الممزوجة
بالندم التي تخالط القارئ أو القارئة حينما يفقدان السيطرة ويجورانِ على ميزانية
الشهر.
ولكنني
لا أريد الكتابة عن شهوة القراءة وغيرها من رومانسية القرّاء والقارئات.
فبينما
كنتُ أُقلّب كتبًا في موضوعٍ يهمني هذه الأيام، تناولت كتابًا من الرف، قرأتُ نبذة
الغلاف سريعًا وشدّتني، وفتحتُ هاتفي لأبحث في نسخةٍ إلكترونيّة لكتابٍ في ذات
الموضوع، ووجدتُ في هوامشه إشارةً للكتاب الذي أحمله تقول إنه من نماذج الكتب
الصادرة حديثًّا التي أعادت طرح الموضوع إيَّاهُ في سياقات سياسيّة. لم يكن مدحًا
بالضبط، فقط توثيقًا لكتابات أخرى في الموضوع ذاته، ولكنني استبشرتُ خيرًا لأن
التوثيق ما كان نقدًا. أعدتُ الهاتف إلى جيبي، وفتحتُ الكتاب على صفحةٍ عشوائية في
المنتصف، فشاء القدر أن تقع عيني على جملة تقول شيئًا مثل: "وقد تطرّق إلى
ذلك المنظّر السياسيّ كارل ماركس في القرن التاسع عشر…" أغلقتُ
الكتاب وأعدته إلى مكانه. هذا كتابٌ لن ينفعني.
فما كان
لهذه الجملة التعريفيّة بماركس أن تصدر عن المؤلّفة إلا لثلاثة احتمالات:
الاحتمال
الأوّل أن المؤلّفة تفترض جهل القارئين والقارئات بماركس. أرادت وضع كتاب سهل،
أبوابه مفتوحة للمبتدئين الذين تحسبهم يجهلون من ماركس. وهذا أهون الاحتمالات، لكنه
يعني أن الكتاب لن ينفعني بطبطبته التبسيطيّة هذه، فأحسبني تجاوزت هذه المرحلة
المدخليّة بكتابٍ أو كتابين.
الاحتمال
الثاني أن المؤلّفة هي الجاهلة بماركس، "المنظّر السياسيّ" من القرن
التاسع عشر. من هذه الناحية لن ينفعني الكتاب لسببين على الأقل: أولًا، التحيّز
السياسيّ، فهذا الجهل بماركس يُخرج المؤلفة من اليسار ويعني أن كتابها
"السياسيّ" لن يوافق تحيزاتي؛ وثانيًّا، الجهل بماركس في كتاب سياسيّ
شيء عجيب، بصرف النظر عن موقفنا منه، فلا جدوى من تبذير الوقت على كتابٍ بهذا
المستوى.
الاحتمال
الثالث أن المؤلّفة تريد أن تضع مسافةً "موضوعيّةً" بينها وبين ماركس. أستبعد أن تكون
المؤلّفة يمينيّة، لأنها كانت ستشتم ماركس عدو الحضارة الغربيّة الزاهية، ولكن
حديثها المعقّم عن "المنظر السياسيّ" من القرن التاسع عشر يدل – على أقل
تقدير – أنها تريد أن تحمي نفسها من شبهة الماركسيّة. وما دامت عدّت الماركسيّة
تهمةً فإن كلامها في الأغلب لن يفيدني.
وأجل،
أعلم أنني أكُرّر أن الكتاب لن يفيدني، ولكن العبرة ليست في اكتساب المعلومات فحسب.
موضوع
الكتاب يمسّ الواقع السياسيّ، أولويتي أن أتعلم أكثر عن هذا الواقع وعن محاولات
تغييره حسب مزاجي ومن زاوية توافق معتقداتي، ثم إن عنّت لي أسئلة أو كان عندي وقتٌ
لتعذيب نفسي، حينها أصدّع رأسي بآراء مخالفة أو محايدة لعلها تعطيني معلومةً هنا
أو هناك أو تدفعني لمراجعة نقدية لمواقفي.
ولما كان
المفترض بالكتاب أنه يُلقي الضوء على موضوع مهم في سياق سياسيّ، فلن ينقطع عجبي من
جهل المؤلّفة بماركس أو حيادها تجاهه. والمصيبة الكبرى أن تدري من ماركس وتُقرر
غسل يديها منه. سأحاول تجاوز تحيزاتي لبضع ثوانٍ هنا، وأسأل: أين الشجاعة الأدبيّة
في مثل هذه المواقف المايعة؟ لا مدحت ماركس، ولا شتمت ماركس، ولا حتّى تحدثت عن
أحد أشهر أعلام الكوكب حديثًا يحترم القارئين والقارئات ويثق في أنهم يعرفون هذا
"المنظّر السياسي". بل تستتر المؤلّفة وراء لغة "موضوعيّة"،
وتشير إليه من بعيد، كأنها تخشى أن تتلطخ ببعض احمرار الماركسيّة.
وهذا
القدر من تجاوز التحيّزات (إن تجاوزتُها حقًّاّ!) يكفي لأقول إنني بكلّ تحيّز أرى
أن الواقع السياسيّ لا تمكن مواجهته دون الماركسيّة، هذا إن أردنا تغييره حقًّا. ولا
أدري أتريد المؤلّفة التي تكتب كتابًا في السياسة تغيير الواقع أم ستخلص مثل
كثيرين إلى دعوات فارغة إلى تحسين ظروف السجن وتجميل جدرانه، وتطالب بجرأةٍ تفيض
كياسةً سياسيّة واحتواءً ثقافيًّا بتضمين أصوات المضطهدين في جوقة الاضطهاد وزيادة
تمثيل المهمشين في مسرحية الرأسماليّة العالميّة! لم أقرأ أكثر من سطرٍ من الكتاب
المذكور أعلاه بالطبع، ولكن يبدو أن مؤلّفته ذاتها لم تستطع تجاهل الماركسيّة
تمامًا، فربما جاء ذكرها لماركس "المنظّر السياسيّ" بسبب ضرورة استخدام
بعض الأدوات الماركسيّة في تناول موضوعها، أو لعلّها ذكرته من باب تعداد الآراء فقط،
في كلّ الحالات كان ذكره المتوجّس هذا مخزيًّا.
مهما كانت
الموضوعات الذي ننظر فيه، التعليم، الصحّة، الاستعمار، الفقر، حتّى الثقافة
والفلسفة والأدب والدين، لن نفهمها حقًّا، وأقول ذلك بإطلاق، لن نفهمها حقًّا ما
لم ننظر في واقع العالم الرأسمالي، لن نعرف لماذا وكيف يجب تغييرها دون أدوات
الماركسيّة عن الظروف الماديّة وتغيير الواقع والثورة. لماذا التعليم والصحّة
منهاران في هذه البلاد؟ هل يكفي تدريب الأطباء أو تغيير المناهج؟ أين أموال البلاد
وإنفاق الحكومة والتدخل الأجنبي؟ ما سبب رداءة هذه الأفلام أو الكتب الشهيرة؟ من
أين جاءت الهيمنة الثقافيّة الغربيّة؟ انحدار ذوقي أم لسلطة الأسواق والغزوين
التسليعي والاستهلاكي دور؟ وهل هذه الفلسفة أو تلك الرواية تعالج الواقع حقًّا أم
تتجنّبه؟ وتغافلها عن الواقع أستغراقٌ فكريٌّ وفنيّ مجرّد أم تطبيعٌ لواقعٍ بشعٍ
وترويجٌ للتأقلم معه؟ ولماذا يتحدث الناس عن مشاكل الدِّين أكثر مما يتحدثون عن
محاسنه؟ هل للناس أن يسعوا لآخرتهم، ودنياهم تفرض عليهم إعانة الطغاة في طغيانهم
والسكوت عن الحق والتخاذل عن نصرة المظلوم؟ كيف تُحسن إلى الآخرين وتعزف عن
الإضرار بهم، وأنت تعجز عن الإحسان لنفسك في هذا العالم الذي يشغلك بما أصابك؟
أسئلة
كبيرة، وكلّ منها يحتاج إلى كتب، لكنني أسوقها أمثلةً سريعةً على أهمية النظر في
الواقع المادي، في الظروف الاقتصاديّة والسياسيّة (إلى جانب النظر في الجوانب
الثقافيّة والاجتماعيّة بالطبع، وضرورة استخدام الأدوات التخصصيّة في كلّ مجال)،
تلك الظروف التي تحكم كثيرًا من جوانب حياتنا، من استغلالنا، من قمعنا، من
تخديرنا، الظروف التي تذكي نيران الإبادة وترغمنا على الفرجة عليها راضخين، الظروف
التي تكرهنا على اعتياد المعاناة والتأقلم مع الجحيم، الظروف التي حينما نعي
حقيقتها ونعي موقعنا داخل منظومتها سندرك ضرورة تغيير الواقع ودورنا فيه، هذه
الضرورة التي تشدّد عليها الماركسيّة.
لقد
تذكرتُ هذه الحادثة الصغيرة جدًّا لأن اليوم الذكرى الثامنة بعد المائتين لميلاد
ماركس. وفي ذكراه هذه يفيدنا – كما أفادنا وسيفيدنا إلى أن يتغيّر العالم – أن نتذكّر
مقولته: لم يفعل الفلاسفة شيئًا سوى محاولة فهم العالم، الأهم هو تغييره.
وهذا
هذا.
5 مايو
2026.
كارل ماركس بريشة نيكولاي فيشن، رسم فيشن اللوحة سنة 1918 بتكليف من الهيئة السياسيّة في الجيش الأحمر الروسي
(مصدر الصورة Fine
Art Images)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق