غادر
ويليام أندروز جامعة هارفرد العتيقة، خرج من المدينة وانطلق نحو براري الغرب
الأمريكي، لمواجهة الطبيعة أو مناجاتها. ارتحل بحثًا عن ذاته التي تستعصي على
التشكّل.
غادر
ويليام ستونر مزرعة أبويه، والتحق بالجامعة لدراسة الزراعة، ناجاه الأدب فتعثّر
بذاته، غيّر تخصّصه وأمضى بقية حياته أستاذًا للأدب. بقيّ في الجامعة يقاوم كلّ
شيء ويحمي ذاته التي وجدها.
الأول
غادر باحثًا عن ذاته، الآخر عثر عليها ولزم مكانه.
مساران
مختلفان تسير فيهما روايتا "مفترق بوتشر" و"ستونر". اختلافٌ
يُضاف إلى اختلاف نوعهما الأدبي: الأولى رواية "ويسترن" تدور أحداثها
حول رحلة صيد جاموس البافلو في الغرب الجامح أيام الكاوبوي؛ أما الأخرى فرواية
جامعيّة، تكاد كلّ أحداثها تدور في ردهات الجامعة ومكاتبها وقاعاتها أيام الحرب
العالمية الأولى وبعدها. رواية "مفترق بوتشر" مليئة بالمغامرات والمشاهد
المثيرة: العطش وسط الصحراء، الصيد المحموم والبنادق الساخنة، التخييم وسط عاصفة
ثلجيّة في المرتفعات، مواجهات مشدودة مع رجال قساة. رواية "ستونر" أهدأ
بكثير، مشاهد التوتر والإثارة فيها امتحانات شفويّة ومجالس تأديبيّة وخلافات
زوجيّة. إلا إن هذا التنوّع لا يؤثّر حقًّا في إبداع المؤلّف جون ويليامز في
الروايتين، لعلّ "ستونر" تتفوق على "مفترق بوتشر" (ربما
لقربها من حياتنا اليوميّة؟)، لكن موهبة ويليامز الصقيلة تلمع في الكتابين.
تحظى
رواية "ستونر" بالكثير من الاحتفاء (صارت طرفةً في الغرب بوصفها التحفة
التي يُعاد اكتشافها كل عقد!). رواية "مفترق بوتشر" (حسب علمي) لا تحظى
بالمكانة ذاتها، وشهرتها تأتي من ارتباطها بمؤلّف رواية ستونر الشهيرة، أو بأنها
من موجة أدب الويسترن الجاد. على غلاف نسختي الخلفي اقتباسٌ يقول إنها مهدت الطريق
لرواية "خط الدم" لمكارثي، لا أعلم إن كان هذا دقيقًا، فهي ليست الوحيدة
التي سبقت مكارثي، لكنه رأيٌّ يعبّر عن موقعها في الأدب الأمريكي. هي رواية، مثل
"خط الدم"، يجوز وصفها بأنها "ضد-ويسترن"، تخلع حجاب
الرومانسيّة عن سرديات الغرب الجامح، وتعرض شخصيات معقّدة تعيش في عالمٍ قاسٍ
مؤلمٍ قذر (آلام ركوب الخيل، عطش الصحراء، نقص الأكسجين عند صعود المرتفعات، تعفّن
أشخاص الرواية الذين يمضون أشهرًا طويلة دون استحمام، إلخ). لكن أسطورة الغرب
الأمريكي ليست الشيء الوحيد الذي "يراجعه" ويليامز في هذه الرواية،
فالمراجعة الأخرى تمس موضوع البحث عن الذات، ومن هذه الزاوية لعلّنا نرى الروايتين
حلقتين متتاليتين في الموضوع ذاته: استكشاف ويليامز لرحلة البحث عن الذات ومعرفتها.
البحث عن
الذات بين جثث البافلو
لوحة
"صيد البافلو في أمريكا"، رسم رون إمبلتُن (المصدر fine art america)
ينطلق
ويل أندروز في رحلته بناءً على كتابات رومانسيّة عن الطبيعة واكتشاف الذات. الشاب
المثقف يبحث عن شكلٍ "أصدق لذاته"، فيتخلّى عن حياته المدنيّة وتعليمه
الراقي وينطلق نحو الغرب، إلى بلدة مفترق بوتشر (مفترق الجزّار). يريد أندروز
الالتحاق برحلة صيد بافلو، في زمنٍ كاد الصيادون فيه أن يبيدوا هذا الجاموس
الأمريكي. كأن الفتى يخشى أن يفوته اختبار ذاته واكتشافها، يلحق بعصرٍ في ساعة
زواله. في البلدة يلتقي بماكدونالد، أكبر تاجر لجلود البافلو، الذي يحلم بمضاعفة
ثروته وتملّك الأراضي لمواكبة امتداد السكة الحديديّة. يحاول ماكدونالد إقناعه بأن
يعمل عنده في المكتب ويساعده في المستندات والحسابات، لكن أندروز يلاحق حلمًا آخر.
يلتقي بعد ذلك بميلر صائد البافلو المخضرم، الرجل الذي يحلم بصيدٍ عظيمٍ أخير، أو
لعلّه لا يحلم، فهو واثقٌ أنه يعرف موقعًا خفيًّا في بعض المرتفعات لا يعرفه بشرٌ
غيره، حيث ترعى قطعان حاشدة من البافلو. إن عادوا بجلودها المسلوخة سيكسبون
أرباحًا هائلة (وسيثبت ميلر مجده).
تبدأ
رحلة أندروز، مثل رحلة الصيد (وربما مثل كلّ رحلة؟)، بحلم العودة غانمًا:
"ومع أنني يجب أن أعود، فحتى تلك العودة ما هي إلا وسيلةٌ أخرى للرحيل عن
المدينة، أكثر فأكثر." الغنيمة هنا هي استكشاف الذات ومعرفتها، إلى الحد الذي
تصير به العودة إلى المدينة إمعانًا في الرحيل عنها. في البلدة أيضًا يتعرّف
أندروز على فرانسين، المومس التي تعلَّق قلبه البتول بها، ويعدها بأن يعود إليها
بعد رحلة الصيد. اختلفت العودة هنا، صارت وعدًا باقتراب لا ابتعاد. ولكن لعلّ فرانسين
عرفت هشاشة هذا الوعد، أو حقيقة مثل هذه العودة الحالمة بالغنيمة (غنيمة جلود
البافلو أو غنيمة العثور على الذات). تقول له: "أجل، سوف تعود، لكنك
ستتغيّر". ستعود يدا أندروز الناعمتان قاسيتين. ليست المشكلة في القسوة
بالضبط، حسبما أرى، لكنها في هذا التحذير بأن العودة لن تغيّر شيئًا سوى أن
تقسّينا على هذه الحياة وأحلامها.
انطلق
الصيادون في رحلتهم، وعثروا على ذاك المرعى الذي يفيض بالبافلو، وبدأ الصيد.
يستلقي ميلر على الأرض ويطلق النار، تسقط
الجواميس تباعًا، يتحرّك القطيع هربًا، يتقدّم ميلر بين الجثث، يتموضع من جديد،
ويطلق النار، ويطلق، ويطلق. يناول البندقية الحامية إلى أندروز لينظّف ترسبات
البارود ويبرّدها بالماء، وأثناء ذلك يطلق ميلر النار بالبندقية الثانية. في هذا
المشهد يواجه أندروز ذات ميلر الحقيقيّة لأوّل مرّة، ميلر الذي حدثّه طويلًا عن
البافلو ورحلات الصيد والطبيعة، الذي بدا أحد شخصيات الغرب الجامح الأسطوريّة،
الخبير بالطبيعة، المدفوع بشغف الصيد وعلاقة احترام غريبة مع طريدته، يظهر بمظهرٍ
مختلف:
"في الساعة الأخيرة صار [أندروز] يرى ميلر مجرّد ميكانيكيّة،
أوتوماتون، يُحرّكه القطيع المتحرّك، ولم يعد يرى أن إبادة ميلر للبافلو شهوةٌ
للدم أو شهوةٌ لجلودها أو شهوةٌ لما قد تجلبه الجلود، ولا حتّى شهوة الغضب العمياء
التي تعتمل بخفاء مظلم في سريرته، صار يرى هذا الدمار استجابةً باردةً بلا تفكير للحياة
التي أغرق ميلر نفسه فيها."
حين تبدأ
هذه المواجهة مع ذات ميلر الحقيقيّة التي شعر أندروز أنها مُفرغة من الشغف، أنها
مُنقادة لحياةٍ ما، ليست حرّة وليست متعلّقة بأية مفاهيم متعاليّة، يضطر أندروز
إلى مواجهة نفسه أيضًا:
"ونظر إلى نفسه، يزحف بصمتٍ وراء ميلر على بطن
الوادي المستوية، يلتقط ما أنفقه من أظرف الرصاص الفارغة، يجر برميل الماء، يعانق
البندقيّة، ينظّفها، يعطيها ميلر حين يحتاج إليها – نظر إلى نفسه، ولم يعرف من
يكون ولا إلى أين هو ذاهب." (التدكين مضاف)
هل تلاشت
صورة الصياد المخضرم ميلر الأسطوريّة أمام واقع أن شغفه أو بطولاته أو ذاته نفسها
ما هي إلا صدى الحياة التي اختارها؟ هل شعر أندروز أن ذاته يستحيل أن تتحرّر من
العالم حوله؟ أنه لا بد أن يصير أسيرًا لشيءٍ ما؟ استجابةً لقيد الحياة أو صدىً في
زنزانتها؟ هل تذكّر تفكيره أنه لا بد أن يعود، ولكنه أدرك الآن أن عودته لن تكون
رحيلًا مستمرًا بل استسلامًا؟ هل تذكر كلام فرانسين وأدرك أن التغيّر الذي سيعود
به تغيّر خيبة لا غنيمة؟
في نهاية
الرواية، بعد أحداثٍ كثيرة وانعطافات ومفاجآت، يواجه أندروز مستقبله:
"يعرف أنه لن يعود. لن يرجع مع ماكدونالد إلى وطنه،
إلى البلاد التي أنجبته وربته في الشكل الذي يتمثّله وفي الحالة التي بدأ لتوه
يدركها، والتي سلمته إلى البراري التي ظن أنه سيجد فيها شكلًا أصدق لذاته. كلا،
لن يعود أبدًا." (التدكين مضاف)
يخبرنا
الراوي العليم أن أندروز "تقريبًا بلا ندم، يستطيع أن يعترف الآن بالغرور
الواهم الذي انبعثت منه تلك الرغبات".
ينطلق
أندروز نحو رحلةٍ جديدة، دون وجهة محدّدة هذه المرّة، لكن ببعضٍ من التفاؤل
"يعرف أنها ستأتي إليه لاحقًا".
هل كانت
رحلة عبثيّةً للبحث عن الذات؟
لا بد
هنا أن نتوقف مع سليل ويليام أندروز وسميّه: ويليام ستونر.
التمسّك
بالذات في ردهات الجامعة وقاعاتها
يلزم
ستونر الجامعة والأدب، يبدأ الرواية وهو يعرف ذاته، معضلته مختلفة عن أندروز: يبحث
أندروز عن ذاته، يحاول ستونر التمسّك بها. من هنا قد نرى أن أندروز الحلقة الأولى،
الوعي بعبثيّة البحث عن الذات، وإدراك أنك أسير للحياة، وستونر الحلقة الثانية،
الآن وقد عرفت أنك أسير، فماذا ستفعل؟ قرأتُ أن ويليامز فكّر في استهلال الرواية
باقتباس لا يحضرني حرفيًّا لكنه يقول شيئًا مثل: البطل هو من يقدر أن يكون ذاته أو
نفسه. هذا مفتاح مهم لرواية "ستونر"، وأظنه يدعم تأويل عبثيّة
البحث عن ذات. أعلم أنني أقول إن ستونر وجد ذاته ولم يحتج إلى الذهاب في رحلة لصيد
البافلو أو حوت أبيض ضخم أو أكبر سمكة مارلن في كوبا، فربما الوهم ليس في رحلة
البحث عن الذات بالضبط، لكنه في الحرية التي نتوهم أننا سنكسبها بمعرفة الذات.
في رواية
"مفترق بوتشر" يعرف الصياد ميلر ذاته جيدًا، بل ربما يُعد في نظر أندروز
المثال الذي يتبعه ويرغب في التعلّم منه. لكننا ندرك منذ البداية أن شخصية ميلر
الجذّابة تسير وعلى كتفها نعشها. يعرف ذاته، أجل، آخر صيادي البافلو المستقلين
الحالمين. لكن أليس عصر اصطياد البافلو في أفول؟ يتمسّك ميلر بهويته، ويُصرّ على
رحلة الصيد تلك، يقبض على عالمه بكلتا يديه، والنهاية تراجيديّة، فالعالم الذي يتعلّق
به سقط لتوه من فوق الحافة. من هذه الزاوية يبدو ميلر أشبه بستونر من أندروز. يعرف
ستونر ذاته، وترتبط ذاته بعالم الجامعة والأدب الذي يتمسّك به. يرفض مغادرة
الجامعة للحرب ولا يهتم بتهم الجبن؛ يتخلّى عن حبيبته لكي لا يفقد مكانه في
الجامعة؛ يواجه الإدارة خشيةً من اختراق الجامعة من المدعين ويقاسي عواقب ذلك من
تهميش وعرقلة لتقدمه الوظيفي. لا يحصل ستونر على أي حلمٍ أراده، حياته صراع مع
عالمٍ يسلب منه كلّ شيء، لكنه يتمسّك بذاته. ستونر تطبيقٌ للدرس الذي تعلّمه
أندروز، الدرس الذي ينطق به ماكدونالد في أحد المشاهد:
"تُولد، وترضع الأكاذيب، ثم تُفطم على الأكاذيب، ثم
تتعلم أكاذيب من صنف أرقى في المدرسة. تعيش حياتك كلها على الأكاذيب، وربما عندما تكون
جاهزًا للموت، يتجلى لك الأمر: لا يوجد شيء، لا شيء سواك وما كان بمقدورك فعله.
لكنك لم تفعله، لأن الأكاذيب قالت لك ثمة شيء آخر سواه."
كذبة
العثور على ذاتك الحقيقيّة في البراري والتواصل مع الطبيعة؟ كذبة عيش "الحلم
الأمريكي" في رحاب الجامعة والأدب والحياة الزوجيّة السعيدة؟ كذبة آخر رحلة
صيد بافلو عظيمة؟ كذبات في ثياب أحلام؟ يُلخّص ماكدونالد الدرس لأندروز: "كان
لديّ حلمٌ أيضًا، ولأنه كان مختلفًا عن حلمك وحلم ميلر، سمحت لنفسي بأن أعتقد بأنه
ليس حلمًا. لكنني أعرف الآن، يا فتى. وأنت لا تعرف. وهذا الفرق."
ماذا
نفعل بالأحلام؟
لقد كنت
أرى أن رواية "ستونر" فيها رسالة عن كيفية تحويل الاستسلام لتيار العالم
إلى انتصار بمعرفة الذات، فستونر "استسلم للتيار ولم يعبأ
بالوجهة التي يحمله إليها لأنه يعرف نفسه، هذه بطولته وانتصاره" (يُنظر "حياة كاملة" و"ستونر": الانتصار
الهزيمة والدمار، وفي كلام آخر منذ
مدّة قريبة، ذكرتُ أن ستونر استطاع فعل ذلك بفضل الامتيازات التي منحتها له
الحياة، عند مقارنته بشخصيّة لم تمنحها الحياة إلا المعاناة، مايكل ك من رواية
كويتزي، يُنظر كلام عن الحماقة واللامبالاة والألغاز). لا أعلم إن كنت ما زلتُ سأستخدم كلمات مثل انتصار
وبطولة لوصف الاستسلام الستونري لتيار الحياة. بلا شك ثمة مقاومة أو صمود في معرفة
ذواتنا، فكرة "الوجهة غير مهمة ما دمت عرفت نفسك" ما زال فيها شيء من
حقيقة. لكن مع اختلاف الوصف، يبقى في حكاية ستونر نضج مقارنةً بأندروز الباحث الغر
وميلر المحكوم عليه بالإعدام مع عالمه وماكدونالد واستنارته المتأخّرة: أنت عالقٌ
في العالم الذي تعيش فيه، وإن لم تدرك ذلك وركضت وراء الأحلام فإما أن تضيع بحثًا
عن شكلٍ أصدق لذاتك وترافق أندروز في رحلته، أو أن تربط ذاتك بحياةٍ آفلة وتسقط
معها في زوالها مثل ميلر. الخيار الآخر أن تنهج نهج ستونر فتدرك أنك أسير هذا
العالم وأن الأحلام التي أقنعك العالم بالسعي وراءها صعبة المنال، بل كذبات خادعة،
لكن في داخلك حصنٌ لذاتك، يسلب العالم منك كلّ شيء لكن لا يمس ذاتك.
بالطبع
الخيار الستونري خيارٌ سلبيّ، على ما فيه من وعي بأن أحلامنا لا تختلف عن أحلام
الآخرين وأنها أحلام مسلوبة أو مستحيلة كيفما اتفق. لكن هل الأحلام حقًّا أوهام؟
لعلّ
المشكلة هي في نظرتنا للأحلام، نظرة المعادلة الحتميّة: إذا تواصلت مع الطبيعة في
البراري فستجد نفسك؛ إذا ذهبت في رحلة صيد أخيرة فستكسب مجدًا وثراءً؛ إذا جازفت
بأموالك في هذه البلدة المقطوعة فستصير رجل أعمالٍ ثريًّا. أ + ب = ج، وهذا كل ما
هنالك. هذه ليست صيغة حلم، هي صيغة كذبة هدفها إقناعك بأن تفعل كذا ولا تفعل كذا.
نهايتها المخيّبة منطقيّة. تغيّر أندروز ولم يكتشف نفسه. لم ينل ستونر شيئًا (لا
المهنة ولا الاعتراف ولا الحب ولا العائلة)، ولم يبق له سوى نفسه. أظن أن الأحلام
ليست لها معادلة بخطوات مُحدّدة مسبقًا. آه، نعم، لدينا نصائح كثيرة عن العمل
الجاد والإيمان بالنفس والمواظبة والتجلّد والشغف إلخ. لكن هذه نصائح عمل، ليست
نصائح حلم. لم يفعل ستونر أي شيء خاطئ تقريبًا في معادلة الحلم، لكن لم يتحقّق أي
شيءٍ يريده. ميلر وماكدونالد كلاهما لم يفعلا أي شيء خاطئ أيضًا، لكن أحلامهما
انهارت على كل حال. أعني بخاطئ هنا أنهم لم ينحرفوا عن "المخطط"، لم يخن
ستونر زوجته مثلًا لتنهار علاقتهما، لم يهمل عمله ليُهمش ويُقصى، لم يقامر
ماكدونالد برأس ماله ويغرق نفسه في الديون، لم يشتغل ميلر حدادًا ويتخلى عن الصيد
والطبيعة، إلخ. التزموا بمخطط الحلم. الخطأ الحقيقي الذي ارتكبوه هو أنهم صدقوا
الكذبة، فعلوا ما قيل لهم أن يفعلوه، وانتظروا أن يكافئهم العالم، ليسخر منهم
ويدير لهم ظهره.
الأحلام
ليست معادلات رياضيّة نتائجها حتميّة أو مخططات جاهزة نتبعها بإخلاص، ليست خريطة
كنز. هذا ما يوقعنا في الكارثة، حين نفعل ما يُقال لنا ونجلس وننتظر، لنتفاجأ بأن
العالم لم يعطنا ما أردنا، بل سلب منا ما كان عندنا أصلًا. يحضرني قول الشاعر:
رأيتُ سكوتيَّ متجرًا فلزمته *** إذا لم يُفد ربحًا فلستُ بخاسر. حلمٌ آخر بأنك لن
تخسر لو جلست صامتًا بهدوء. لا أذكر إن كان بلزاك أو باسكال أو أحد أولئك
الفرنسيين الذين يبدأ اسمهم بحرف الباء هو من قال إن العالم سيكون أفضل لو تعلّم
الناس الجلوس في غرفهم بهدوء. حلمٌ آخر عن تغيير العالم بالانتظار. أُخرج هذه
الاقتباسات من سياقاتها طبعًا، لكن ربما سياق الاعتزال يجب أن يُرفض بصفةٍ عامة،
أو أن يُثبت خطأه وخطأ الانتظار، خطأ أندروز وميلر وماكدونالد وحتّى ستونر. ربما
الأحلام لا يجب أن تكون معادلة ننتظر نتيجتها، لكن يجب أن تكون دافعًا لعدم انتظار
التغيير، عدم انتظار تحقّق الحلم. وربما هذا الخيار الذي يغيب عن روايتي ويليامز،
خيار الصدام مع العالم في سبيل الحلم.
لعلّ
الصدام لا يغيب حقًّا عن الروايتين؟ يتصادم أندروز مع عالمه ويغادره، وميلر قد
يُرى تمسّكه بالعالم القديم على أنه صدامٌ مع العالم الجديد الآتي، وستونر كانت
عنده تحدياته الصغيرة. لكن هذه النماذج الثلاثة تخدم في نهاية المطاف منهج
الاستسلام أو الصمود أو الانتظار: ينتهي صدام أندروز مع عالمه بخيبة ووعي بأنه كان
مخطئًا، يستمر في ضياعه؛ صدام ميلر نهايته تراجيديّة وتدميريّة لذاته، يضيع مع
عالمه؛ وصدامات ستونر تلحقها فورًا ثنائية الهزيمة (ضياع الأحلام) والصمود (معرفة
الذات)، يضيع كل شيء إلا نفسه.
ربما يجب
أن تقود الأحلام إلى صدام حقيقيّ، يرفض كذبة الانتظار تلك ومعادلاتها الوهميّة،
يرى حقيقة العالم وراء كلّ الدعايات الجذّابة: أحبب عملك ولن تشتغل يومًا واحدًا
في حياتك! اعمل بجدٍ واجتهاد وستصير مليونيرًا! البس هكذا وتمرّن هكذا وتعطّر هكذا
وقد هذه السيارة واشتري هذا الهاتف وسوف تجد حبّ حياتك! افعل كذا ستكسب كذا! لا
تعجبك الثقافة الاستهلاكيّة وأنت شخص زاهد في فتن الدنيا؟ لا تقلق، لدينا الحل،
تواصل مع الطبيعة بسلامٍ وطمأنينة، أحسن إلى الناس، تطوّع في ملاجئ خيريّة، تصدّق
على الفقراء، أعد تدوير زجاجات المياه البلاستيكيّة، وفر استهلاك الكهرباء، صوّت
في الانتخابات إن استطعت إليها سبيلا أو ادعم حكومة بلدك ومشاريعها التنمويّة،
وستغيّر العالم! راقب الإبادة بقلبٍ باكٍ، قاطع هذه المنتجات، سر بتحضّرٍ وانتظام
في المسيرات الاحتجاجيّة، ارفع أنفك على من لا يهتمون بأخبار غزّة ولا يدينون
الإبادة، اصبر وصابر فعلى الأقل ضميرك مرتاح وهذا أضعف الإيمان، وما دُمت لم تفقد
بوصلتك فأنت بخير بل أنت دليلٌ على أن العالم ما زال فيه الخير...
أظن أن
البحث عن الذات أو معرفة الذات أو التمسّك بالذات أحلام لها قابلية أن تصير كذبة
مشتّتة حين يصير البحث عن الذات أو معرفتها شاغلنا الوحيد أو عزاؤنا الوحيد في هذا
الزمن الأسود. ربما لا تكفي مراجعة التاريخ أو مراجعة المفاهيم الرومانسيّة، ولكن
يجب أيضًا مراجعة مفهومنا عن الأحلام.
وهذا هذا.
15 أغسطس 2026
ملحق رقم 1: من باب الالتزام
اليساري وإلخ، رواية "مفترق بوتشر" مادة ممتازة لقراءة ماركسيّة في نقد
الرأسماليّة: استنزاف الطبيعة وراء المكسب وإبادة البافلو والدمار البيئي الرأسمالي؛ اغتراب الإنسان عن ذاته وعن عمله
وقيمته (اغتراب الصيادين عن البيئة التي هي مصدر رزقهم وعملهم بتدميرها؛ اغتراب بعض
الصيادين/العمال عن بعض في رحلتهم بسبب قسوة الرحلة والتوترات التي تتولّد بينهم؛
اغترابهم عن عملهم ذاته الذي نراه في ميكانيكيّة ميلر الذي كان كلّ حديثه يفيض
شغفًا ثم تحوّل إلى رجل آلي فارغ)؛ فتشية السلعة أو تقديسها، والزعم بأن القيمة كامنة
في السلعة لا في العمل ولا تنبع من علاقات الإنتاج، وما يؤدي إليه ذلك من انهيار
حين تنتقل الرأسماليّة إلى سلعة أخرى (ما يؤكّد أن القيمة ليست في السلعة ذاتها).
ملحق رقم
2: في أحد مشاهد الرواية يُحدّث ميلر أندروز عن استخدام "الهنود" لعظام
البافلو، وأنهم كانوا يصنعون منها كلّ شيء، "من الإبرة إلى هراوة الحرب –
سكاكين حادة بمقدورها أن تقسمك نصفين. يلصقون قطعتين من العظام معًا بقطع من
القرون لصناعة قوس، ويستخدمون قطعةً أخرى مبرية رأسًا للسهم. لقد رأيت قلائد
منحوتة بجمال من قطعٍ صغيرة من هذه [العظام]، حتى قد تتصوّر أنها مصنوعة في سانت
لويس. ألعاب للصغار، أمشاط لشعر النساء، كل شيء من هذه العظام هنا." يعلّق
ميلر بهذا الكلام بعد أن يقول لأندروز أن مزارعًا ما سيمر ويجمع عظام البافلو
ليطحنها ويستخدمها سمادًا في الزراعة، فكأنه يأسف على أن هذه العظام تحوّلت من كلّ
تلك الصناعات إلى مجرّد سماد. أجلب هذه السيرة لأن من الموضوعات التي يمكن
مناقشتها بسبب غيابها في الكتاب (على عكس الموضوعات الحاضرة التي تقبل قراءة
ماركسيّة) موضوع الاستعمار والإبادة (وسلاح الرأسماليّة أيضًا) التي ارتكبها البيض
في الولايات المتحدة ضد سكان الأرض الأصليين "شعوب السفوح". لقد كانت
ثقافة السكان الأصليين مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالبافلو، حيث اعتبرته عدّة شعوب
منهم كائنًا مقدّسًا وهديةً من الخالق، فكانت حياتهم تستند في جانبٍ كبيرٍ منها
على قطعان البافلو الذي استفادوا من كلّ ما فيه دون تبذير، لحمًا ووبرًا وعظمًا، فيدخل
في طعامهم وملابسهم وخيامهم وأدواتهم وأسلحتهم وألعابهم وزينتهم وطقوسهم الدينيّة.
لذلك حين بدأت حملات صيد البافلو شجّعت الحكومة الأمريكيّة إبادته. لم تفعل ذلك من
باب دعم التجارة والصيد في عالم البيض وحسب، بل تجاهلت عمدًا اتفاقيات تحمي موارد
السكان الأصليين وتحظر الصيد في أراضيهم، وعارضت قوانين مقترحة لحماية البافلو، ودعمت
الصيادين البيض، ورفضت التدخل، وصرّح بعض القادة العسكريين بأن إبادة البافلو تعني
قمع السكان الأصليين ونهايتهم، إنهاء مصدر أساسي من مصادر حياة السكان الأصليين،
تقتلهم بالجوع والبرد والحاجة، تخضعهم للتبعيّة والاعتماد على كرم الحكومة
الأمريكيّة، وتكسر ثقافتهم وهويتهم. ليس الحرمان من مقومات الحياة اختراعًا جديدًا
في أساليب الإبادة.
من فنون
السكان الأصليين في أمريكا الشماليّة، رسمة على جلد بافلو تسجّل رحلة صيد ناجحة
للبافلو، يلاحق فيها السكان الأصليون البافلو ويصطادونه ويسلخونه (حوالي سنة 1875)
(المصدر Buffalo Bill Center of the West)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق