‏إظهار الرسائل ذات التسميات الفانوس الأخضر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الفانوس الأخضر. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 11 أكتوبر 2026

كلام عن الفانوس الأخضر وبروباغاندا الأبطال الخارقين

 

انقطعت منذ سنوات عن متابعة أفلام ومسلسلات وقصص الأبطال الخارقين، مع استثناءات هنا وهناك. لعلّه كان "إرهاق الأبطال الخارقين" وضرورة متابعة عشرين فيلمًا وسبعة مسلسلات لتواكب الفيلم الجديد، ولعلّه كان مللًا من مستوى القصص المصوّرة التي لا هي متعة فارغة ولا هي أدب عميق، بين بين فلا تشبع المتعة ولا تغني عن جوع العُمق (ومن جديد ثمّة استثناءات). حين لا تعثر على ما يمتعك أو يشحذ ذهنك أو يطبطب على قلبك، فلا يبقى من العمل الذي تتفرّج عليه أو تقرأه سوى هدفه الاستهلاكي وطبيعته البروباغانديّة، لا تبقى إلا الإمبرياليّة!

 

Made For You and Me: Localizing Disney's Imperialism for an Egyptian  Audience | The Hooded Utilitarian

صلي عالنبي وانشر أيديولوجيا الإمبرياليّة الغربيّة مستسلمًا للغزو الثقافي المتوحّش! ديزني تحتل العالم منذ زمنٍ بعيد!

إلا أنني رضختُ في الأيام الماضية لرواج مسلسل Lanterns ولمدح الناس له. كان مسلسلًا ممتعًا، قصّته مشوّقة تُركّز على الألغاز والتحقيقات لا على خوارق الفانوس الأخضر، وبصراحة كان أداء الممثل كايل شاندلر دورَ شخصيّة هال جوردان ممتعًا جدًّا، وبالنسبة لي مثّل 90% من جاذبيّة المسلسل. مدح المسلسل ليس هنا مكانه، وقد لا أختلف معه بصفة عامة (لم تكن لدي إلا ملاحظتان أو ثلاث على بعض ما استغربته من أحداث شعرتُ بعدم اتّساقها).

Lanterns (TV Series 2026– ) - IMDb

لم تكن لدي معرفة كبيرة بالشخصيّة، سوى بعض التفاصيل المشهورة في عالم الكومكس، فبحثت عن توصيات بأبرز قصص الفوانيس وقرأتُ بعضها بين حلقات المسلسل.

من البداية لم أكن مرتاحًا تمامًا لشخصيّة "شرطي فضائي" يعمل مع سلطات فضائيّة "تضبط الأمن" في المجرّة. يعني قوات الأمن ورانا ورانا ولو وصلنا القمر. تحمل الشخصيّة الأمريكانيّة بطبيعة الحال كل صفات البروباغاندا الأمريكانيّة: بطل أمريكاني (فلا يوجد في الكوكب إلا الولايات المتحدة)، ضابط في قوات سلاح الجو (حلال عليهم تمجيد العنف العسكري حرام علينا بطبيعة الحال)، وشرطي ينقذ العالم أو الكون لنتذكر أنه لا بد من المؤسسات القمعيّة لنعيش في سلام واستقرار. وبالطبع لا بد أن تُخفّف حدّة هذه البروباغاندا بأن يُصوّر "البطل" على أنه متمرّد على السلطة ولديه خلافات ومشاكل مع رؤسائه، مع أنه سلاحهم الأساسي في قمع التمرّد وتثبيت سلطتهم! ولعلّ تمرّد "البطل" الأمريكاني على مؤسسة كونيّة من الحكماء الخالدين ليس تخفيفًا لحدّة البروباغاندا وإنما ترسيخًا لمروق الولايات المتحدّة عن أي سلطة جماعيّة وتمثيلًا لأوهام تفوقها الأخلاقيّ: هذا البطل الطريف المتمرّد الأمريكاني يعرف ما الصواب أكثر من باقي المجرّة.

هذه انطباعات تصدق على أغلب قصص الأبطال الخارقين الأمريكان، ولا تحتاج إلى أي معرفة بالشخصيّة. ومع ذلك صُدمت من تمادي قصص الفانوس الأخضر في هذه البروباغاندا حين قرأتها!

يشنُّ هال جوردان مع قوات الجو الأمريكيّة غارة قصف على مواقع "إرهابيين" شيشانيين، وتُسقط طائرته ويؤسر فيهوّن على نفسه باستذكار كلمات السياسي الأمريكي جون ماكين الذي بنى لنفسه سمعة "بطل حرب" لأنه أُسر في حرب الولايات المتحدة الإمبرياليّة على فيتنام! والأمر لا يتوقف عند هذه القصص التي تُرسّخ ضرورة حرب الولايات المتحدة ضد "الإرهاب"، بل يمتد إلى الجانب الأمني الداخلي، ففي أحد المشاهد نكتشف أن خواتم الفوانيس الخضر تُسجّل كلّ شيءٍ، وحين يتساءل السهم الأخضر عن ذلك واصفًا الخاتم بأنه "الأخ الأكبر"، يقول له هال بكل بطولة إن المذنبين وحدهم من يخشون رقابة الأخ الأكبر! لعل المشهد يرمز إلى الرقابة على الشرطة، فالسهم الأخضر يُشبّه الخاتم بالكاميرات في سيارات الشرطة، إلا أن السهم الأخضر يُذكّرنا أيضًا بأن الخاتم يُسجّل كل تفاصيل حياة جوردان ما دام يلبسه، فتصير الصورة أقرب إلى مراقبة الهواتف!

Hal Jordan's take on cops having to wear cameras while on duty [Green  Lantern #7 '06] : r/comicbooks

كما يقول المثل عندنا: "اللي يدير روحه قنطرة يتحمّل الدوس" وغيره من الأمثال التي نتحجج بها لاتهام ضحايا القمع بأنهم مسؤولون عما صار لهم!

يبدو تمرّد جوردان على حرّاس الكون في النهاية مجرّد تمرّد شكلي، فالرجل يُبرّر رقابتهم وينفّذ أوامرهم، ولا يكاد تمرّده يتجاوز مخالفة أوامر الحراس لغزو مناطق فضائيّة خارج نطاق صلاحياتهم أو تجاهل مصلحة الكون للبقاء في كوكب الأرض، بل في الولايات المتحدة، بل في مدينته وحمايتها!

في قصّةٍ أخرى، بعد نشوب حرب طاحنة مع قوات سينسترو الصفراء، يغيّر حراس الكون قواعدهم ويسمحون للفوانيس الخضر باستخدام "القوة القاتلة"، فقد كان القتل ممنوعًا ويجب اعتقال الأشرار وسجنهم. ينتصر الفوانيس الخضر الآن وقد صار بمقدورهم قتل خصومهم. من ناحية يقوّض هذا الموقف الليبرالي النابذ للعنف ظاهريًّا، لكنّه يوافق كذلك العنف الإمبريالي الذي يعد نفسه دائمًا عنفًا مشروعًا يمارسه الأخيار دفاعًا عن أنفسهم وعن العالم. وكم هو غريب أن مؤلفي القصص ورساميها ومحرريها ومنتجيها لم ينتبهوا إلى فداحة تشريع القتل لقوات الشرطة! لا سيما في الولايات المتحدة التي تُعدّ فيها قضية عنف الشرطة من المشاكل الكبرى في مجتمعاتهم. لكن يجب أن أوضّح هنا أنني لم أكمل قراءة تلك السلسلة، فلعل الخاتمة ستكون بنبذ ذلك واعتباره انحرافًا، لا سيما أن سنسترو سعيدٌ بهذا التغيير الذي أدت إليه حربه، ويعدّ دفعه حراس الكون إلى تبني العنف وبث الرعب في خصومهم انتصارًا له. ولنتوقف قليلًا مع سنسترو من باب النزاهة الأدبية (طالما كنت نزيهًا وقلتُ إنني لم أكمل القراءة). كان سنسترو "أعظم فانوسٍ أخضر"، ولكن هوسه بالنظام والأمن واستقرار الكواكب التي يحميها أوصله إلى السكر بالسلطة فتحوّل إلى ديكتاتور يؤمن بأهمية استخدام الخوف، الشعور الذي ينبذه حراس الكون ويحاربون ضده. هذا التحوّل لعلّه كان محاولة من الكتّاب ليشيروا إلى مخاطر هذه المؤسسات الأمنيّة الرقابيّة وسهولة تحوّلها إلى الاستبداد القمعي، وهو ما تعكسه قناعة سنسترو بأنه التطبيق المثالي لعقيدة الفوانيس الخضر في إقرار النظام والسلام، كل ما فعله أنه سار بها إلى نتيجتها النهائيّة.

حتّى إن سنسترو جعل من رمز الفوانيس الخضر رمز ديكتاتوريّته ولونهم الأخضر لونها (الكلام في الفقاقيع الصفراء يمدح سنسترو لأنه صادر من أحد أنصاره)

لكننا أمام بروباغاندا (واعيةً كانت أم لا) تسعى إلى تبرئة النظام، ولذلك لا بد أن يُقال لنا إن النظام قادرٌ على تصحيح الانحرافات، فيأتي البطل الجديد هال جوردان، الذي تتلمذ على يدي سنسترو، فيهزمه ويعتقله، والنظام عال العال ولا داعي لأي مشاكل! وثمّة شخصيّة أخرى من كوكب سنسترو، ترث خاتمه، وتتردد وتعترض بحكم أن ميراث الفوانيس الخضر في كوكبهم ميراث قمعٍ واستبداد، إلا أنها تقبل بالخاتم لأنها يجب أن تتحمل مسؤولية حماية الكوكب! وينتصر النظام من جديد بإثبات ضرورته.

في إحدى القصص ينقلب جوردان ذاته على حراس الكون ويدمر الفوانيس الخضر (يا لها من مفاجأة!)، ولكنهم يبررون ذلك بطبيعة الحال بأنه كان ممسوسًا بكيان مجرم، والمشكلة ليست في النظام! النظام عال العال يا جماعة!

مشكلة مثل هذه السلاسل القصصيّة أو ربما ميزتها أنها قصصٌ مستمرةٌ منذ عقود، يمر عليها كُتّاب ومحرّرون ورسّامون مختلفون، فتتطوّر الشخصيّات وتتغيّر. فلا غرابة لو واجه بعض الكتاب طبيعة الفانوس الأخضر "الفاشيّة" وانتقدوها، بينما اعتنقها آخرون وصوروها بصورة الخير الضروري. لكن مهما فعل الكُتّاب فسيبقى الفانوس الأخضر دائمًا شرطيًّا يمتلك سلطة هائلة وقوة فظيعة، وظيفته الأساسيّة الرقابة على الكون وقمعه حسب معايير حراس الكون أو حسب معاييره الشخصيّة.

فهل نجا المسلسل من بروباغاندا الفانوس الأخضر؟

نحن في سنة 2026، تزخر الثقافة الأمريكانيّة بنقد الفاشيّة ومعارضة حكم الجمهوريين اليميني، بلا شك المسلسل "واعٍ" woke، منتبهٌ لكلّ هذه المشاكل العميقة في الشخصيّة، أليس كذلك؟ بالطبع هذه الأسئلة ما هي إلا مقدمة إلى تنهيدة طويلة منهكة تليها زفرة طبعًا لا.

يُصوّر هال جوردان في المسلسل بصورة المتمرّد على الرؤساء. وفي الحقيقة، لا نرى فعلًا تمرّد هال على حراس الكون، فإن كانت المشكلة أن هال يُحقّق في جريمة تتعلّق بصيادي البشر Manhunters الذين صنعهم حراس الكون (قبل أن يتضح أنهم مجانين إبادة فاستبدلت قوات الفوانيس الخضر بهم)، فإن العبرة من جديد تلف وتدور حول قدرة النظام على إصلاح نفسه وتصحيح مساره: حراس الكون أخفقوا مع صيادي البشر، فأسسوا الفوانيس الخضر؛ تمرّد سنسترو أعظم فانوس أخضر، فاعتقله هال جوردان الذي صار أعظم فانوس أخضر؛ لم يعد هال جوردان يثق في حراس الكون وصار يتصرّف على مزاجه، فبدأوا يحضّرون بديلًا له يلتزم بالأوامر هو جون ستوارت، وإلخ. تطوير وتحديث، ولا يتغيّر شيء.

ربما يجيد المسلسل تناول شخصيّة جون ستوارت وعرض التجربة السوداء في الولايات المتحدة. لكن ستوارت ما هو إلا جندي آخر من المارينز، ينضم إلى قوات الأمن الفضائي التابعة لوزارة داخلية حراس الكون. يشرح لنا المسلسل سببًا من أسباب توتر علاقة ستوارت وجوردان (بعض الحرق، يمكن التجاوز للفقرة التالية): يُبعث ستوارت في مهمّة سريّة في بلاد أجنبيّة لاغتيال شخصٍ ما، يبقى لتسعة أشهر في الغابة يراقب قصر هدفه، وحين يأتي الرجل أخيرًا، يطير هال جوردان إلى الموقع ويعتقله ويأخذه إلى السلطات الأمريكيّة. تفضح الحادثة ستوارت وعمليات الجيش الأمريكي السريّة وتؤدي إلى مشاكل دبلوماسيّة، فيضطر الجيش إلى تسريح ستوارت "تسريحًا بلا شرف". المشكلة ليست عمليات الجيش الأمريكيّة العدائية في أراضٍ أجنبيّة، ولا في التدخّل العسكري السافر للفانوس الأخضر، المشكلة أنه عرقل مسيرة ستوارت المهنيّة في الجيش!

وعلى ما في شخصيّة جون ستوارت من تعقيد، لا سيما في علاقته بهال جوردان "المتمرّد" الذي يُقرّر ما الصواب على مزاجه، فإن ستوارت هو الآخر يُقرّر من يستحق القتل ومن يستحق العفو على جريمة قتل، ومن يستحق الخاتم ومن لا يستحقه، فهو في النهاية يمثّل البروباغاندا الأمريكانيّة ذاتها: عسكري أمريكاني آخر يعرف الصواب أكثر من الجميع وسيحرص على تحقيق الأمن والسلام رغمًا عن أنفهم. فحتى في حال تخيلنا انشقاق جوردان أو ستوارت عن حراس الكون، فإن ذلك سيؤدي في نهاية المطاف إلى النتيجة ذاتها: لا بد من الأمن القمعي، الخلاف فقط حول الشكل، مؤسسة كونيّة لها مجلس إدارة؟ أم بطلٌ منفرد يلبس في إصبعه سلاحًا نوويًّا؟

قد يغير الجزء الثاني من المسلسل مسار جون ستوارت، لكن طريقه مسدود في كلّ الحالات، فدون خاتم القوّة والفانوس السحري الأخضر لن يكون ستوارت الفانوس الأخضر، ولا أظن أن منتجي هذه المسلسلات سيقررون التخلي عن بطلهم الخارق وإنتاج مسلسل عن مهندس مدني. أما الانقلاب على مؤسسة حراس الكون ودمقرطة القوة الكونيّة فهو سيناريو أظن من المستحيل أن يتخيله كتّاب الفانوس الأخضر، مهاجمة حراس الكون نتيجتها عندهم أن يتحوّل البطل إلى ديكتاتور (سنسترو) أو مجنون ممسوس (جوردان). وبعدين كيف دمقرطة يعني؟ ألم أقل على مدى عشر صفحات إن العبرة ترسيخ المؤسسة الأمنيّة والتشديد على ضرورتها بما يضمن حماية النظام الرأسمالي القائم؟! حماية النظام القائم تعني حماية مصالح نخبة حاكمة، وليس توزيع السلطة أو الثروة أو القوة، بل حصرها في نخبة تحتاج إلى حماية وإقناعنا بأن هذه الحماية الحصريّة بطولة وسلام واستقرار.

 ما دامت بداية الفانوس الأخضر من أن هذه السلطة الكونيّة القاهرة ضروريّة، أن هذا تعبيرٌ عن البطولة وحفظٌ للسلام رغمًا عن أنف الكون ودون مشورة أهله، فلا يمكن للكتّاب والمخرجين تجاوز ذلك بكل النوايا الطيبة. لعلّ العبرة هنا، التي لا شيء جديد فيها (اسم المدونة!)، هي أن القصص والفن والثقافة لا تخلو من سياسة، حتى لو قلنا إن هذه قصص عن شرطة فضائيّة أحد منتسبيها سنجاب متحدّث والآخر كوكب اسمه موغو يحبونه لكنه ليس اجتماعيًّا وزياراته قليلة! ففي نهاية المطاف المواد الخام التي بُني منها هذا الخيال هي من عالمنا، بكل مشاكله، ما ظهر منها من شرور استبداد وجريمة وطمع، وما خفي منها من شرور مؤسسات قمعيّة ونخب رأسماليّة وتمييز عرقي وإلخ. لعلّ الحل في تغييرات جذريّة لمثل هذه القصّص. ماذا لو كانت منظمة الفوانيس الخضر منظمة ديمقراطيّة؟ انتخابات كوكبيّة، وممثلون، ومؤتمر فضائي عام، وتصويت. التكنولوجيا الخارقة التي صنعها حراس الكون ستذلّل الصعاب أمام تواصل الكواكب، وستسرّع العملية الديمقراطيّة، وقدرات الخاتم على انتقاء الناس الأنقياء ستساهم في تحديد المرشحين للانتخابات، وعملية التعليم والتوعية الكونيّة ستنتشر، وستتبادل الكواكب الخبرات والتكنولوجيا، وستُحلّ المشاكل، وستعم الرفاهية المجرة ويعيش الجميع في رخاء وسلام، وستنعدم النزاعات والصراعات وتضمحل مؤسسة الفوانيس الخضر، وستصير القصص مملة ولا يكون لها أي لزمة بطبيعة الحال!

نهاية طريفة، لكن أليس هذا هو الأمل البشري؟ مستقبل لا تعود فيه البروباغاندا ضروريّة؟

وهذا هذا.

6 أكتوبر 2026

Green Lantern Corps: DC Comics intergalactic police

إن الألوان الصفراء والحمراء والسوداء لا تبعث في الإنسان روح الأمل،

ولكنها ترمز إلى الخراب والدمار واليأس،

أما اللون الأخضر، فهو لون الأمل، لون الحياة

وحتّى الجنّة يُرمز لها باللون الأخضر!

(من نداء الراية، راية القذافي الخضراء، الذي كنا نُردّده في الطابور الصباحي أيام الجماهيرية العظمى)