الأحد، 11 نوفمبر 2018

قصة قصيرة عن شيء ما...



وضعتُ مُخططاً لهذا اليوم. القليل من القراءة هنا وهناك، بعض الأعمال المنزلية، ربما بعض العمل، أشياء متفرقة، محاولة لمنح يومي هيكلاً يمكنني الالتزام به والبقاء ضمن حدوده الآمنة لكي لا أنزلق خارجه وأقع في أحراش الكآبة. خطيرةٌ هي براري الكآبة يا ابني، ولا أعلم من أنت ولا لماذا قلتُ لك "يا ابني"، ربما يجدر بي أن أقول لكِ "يا ابنتي"، ولكن هذه كلها حذلقة، وللمزيد من الحذلقة سأقول ما كل ما يتمنى الفئران والرجال يدركونه، والمخطط السابق انهار فوراً (تقريباً بعد نصف ساعة فقط!)، وها أنا ذا في براري الكآبة! أشرع في كتابة قصة!

ولكنني لستُ كاتباً ولا شيء من هذا القبيل، مجرد قارئ يتطفل بين الحين والآخر على عالم المترجمين (آسف يا سيداتي وسادتي الكرام!)، ومع ذلك أظن أنني أستطيع كتابة قصة بالقراءة والترجمة وحدهما... كسل؟ ربما. سرقة أدبية؟ احتمالٌ كبير. زيرو إبداع؟ بلا شك. لماذا إذن؟ لأن الكآبة. والآن يجب رمي كل الأسئلة في كومة وإشعال النار فيها لنجلس حولها ونتدفأ ونسمع، حسناً أقصد نقرأ، لا لا، أقصد نسمع (خلاص، بدأنا بالخيال، نكمل بالخيال!)، لنسمع في حلقتنا الدافئة هذه القصة.

تبدأ قصتنا في حدود القرن السادس الميلادي...


1
هيونينغ

الشيخ هيونينغ هو الأب السادس (أو: البطريرك السادس)، أو ربما الإمام السادس لمذهب التشين في فرقة الماهايانا في الديانة البوذية. كلامٌ مُعقَّد. نبدأ من جديد: هيونينغ هو أحد أبرز رموز الديانة البوذية، يُوصف بأنه "الأب السادس"، وكانت له مساهمة كبيرة في فلسفات التأمل والوصول للاستنارة البوذية، ولد ومات ما بين سنتي 638-713م. وفي أحد الأيام (بلا شك بين سنتي ولادته ووفاته، منطق يعني) ألقى درساً من دروسه العميقة.

الريح كانت ترفرف عَلَم المعبد فبدأ راهبان مجادلة. يقول الأول العَلَم يتحرك، ويقول الثاني إن الريح تتحرك. تجادلا جيئةً وذهاباً ولكن لم يتوصلا إلى نتيجة. صادف أن الأب السادس كان يمر بجوارهما، فقال لهما: "ليست الريح ولا العلم، العقل هو الذي يتحرك".

فهل حققتم الاستنارة؟ همممم... أظن أنكم تظنون أنكم حققتم الاستنارة، فدعونا نسمع باقي القصة...

الثلاثاء، 25 سبتمبر 2018

لماذا يجب أن نقرأ لإدوارد سعيد؟


اليوم، 25 سبتمبر، ذكرى وفاة إدوارد سعيد، الذي غادر عالمنا سنة 2003. إدوارد سعيد مُفكرٌ مدهش، مثقفٌ مُلتزم، رجلٌ شجاع، مُحللٌ بارع، باحثٌ دقيق، ويمكنني أن أتظاهر بأنني اليازجي وأكتب فصلاً كاملاً من أوصاف المدح والتقدير تحت عنوان "مترادفات إدوارد سعيد"! ولكنني أرغب في أن تكون هذه كتابة قصيرة (أمر شبه مستحيل معي! ولكني سأحاول)، مجرد محاولة للتشجيع على قراءة إدوارد سعيد.

لماذا يجب أن نقرأ لإدوارد سعيد؟

إذا كنا من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (وهو ما سأشير له بأنه "الشرق" من باب الاختصار لا الإقرار)، فإن إدوارد سعيد سوف يساعدنا على إزالة الصور الوهمية التي رسمها لنا الغرب (مصطلح آخر للاختصار) والتي – للأسف – يساهم بعض أهل الشرق في إعادة رسمها والحفاظ عليها. سوف يكشف لنا إدوارد سعيد وجود مؤسسة الاستشراق، وسوف يوضح لنا منهجية نقدية بحثية دقيقة لدراسة علاقات الهيمنة والخضوع والصراعات الثقافية المتخيلة، وسوف يفعل ذلك بشجاعة مدهشة والتزام صامد بمواقفه.

ولكن، ما هي مؤسسة الاستشراق؟
حين نقرأ لإدوارد سعيد سنُدرك وجود مؤسسة الاستشراق، التي لا يُقصد بها مؤسسة حقيقية، مبنى وشركة ومدير عام وموظفين! ولكن هذا وصف مجازي يُشير إلى ظاهرة موجودة ومستمرة، بالتحديد في تعامل الغرب مع الشرق من الناحية المدنية (الأكاديمية، الثقافية، الفنية، إلخ) ومن الناحية السياسية (السياسات الحكومية، الدبلوماسية، العلاقات الدولية، إلخ) (باستعارة مفاهيم غرامشي التي يستخدمها إدوارد سعيد كثيراً). ولكي نعطي مثالاً يُقرب الفكرة، يمكننا مقارنة مؤسسة الاستشراق بمؤسسة البطريركية (الأبوية)، أي ظاهرة الهيمنة الذكورية في العالم: لا يوجد شخص واحد أو جهة واحدة وراءها، ولكنها ظاهرة منتشرة وأفكارها النمطية التعميمية متغلغلة في كل جوانب الحياة؛ المرأة ضعيفة، المرأة ليست ذكية، المرأة لا تستطيع فعل هذا أو ذاك، المرأة تسيطر عليها عواطفها، إلخ إلخ إلخ، والنتيجة العملية أن المرأة بالرغم من كونها تمثل نصف المجتمع إلا أنها لا تؤدي دوراً في المجتمع يتوافق مع ذلك، فهي مثلاً لا تتولى نصف المناصب السياسية أو الإدارية في المجتمعات (في العالم كله، وليس في الشرق فقط، مع استثناءات هنا وهناك). هذا تأثير مؤسسة البطريركية التي رسخت مكانة الرجل العليا ورسخت صورة وهمية للمرأة تضعها في مستوى أدنى. نفس الشيء تفعله مؤسسة الاستشراق فيما يخص الشرق، من حيث نشر صور نمطية تعميمية وهمية عن الشرق، تؤدي إلى نتائج عملية في التعامل المدني والسياسي مع الشرق؛ فنرى صور الشرقيين في الأفلام والمسلسلات مثلاً دونية ونمطية وعبيطة، ونرى سياسات الدول الغربية تجاه الشرق (وبالأخص الشرق المسلم) عدوانية ودفاعية وتجريمية.

الأحد، 16 سبتمبر 2018

في ذكرى استشهاد عمر المختار الذي لم يستسلم


اليوم 16 سبتمبر، ذكرى استشهاد شيخ الشهداء أسد الصحراء الشيخ عمر المختار رحمه الله، أحد أبرز قادة الجهاد الليبي ضد الاحتلال الإيطالي، والذي أعدمه الاحتلال في مثل هذا التاريخ سنة 1931.

أريد في هذه التدوينة التحدث عنه قليلاً.



صورة يظهر فيها عمر المختار (أقصى اليسار) من بعض المفاوضات التي لم تنجح مع الإيطاليين (لرفض المجاهدين السلام مع الاحتلال).


قد يكون فيلم "أسد الصحراء" من إخراج الراحل مصطفى العقاد المرجع الوحيد (والأكثر شهرة!) لكثير من الناس. إنه بلا شك فيلم رائع بمعايير هولودية كبرى وفيه بعض أبرز نجوم هوليود في ذلك الوقت. ومع ذلك، في الفيلم أخطاء تاريخية كثيرة. لن أناقشها كلها، ولكن سأناقش ثلاثة منها.


قائد المقاومة الأوحد

أول تصوّرٌ خاطئ هو ظن البعض أن عمر المختار كان قائد المقاومة الليبية كلها. هذا بالطبع غير صحيح، عمر المختار رحمه الله كان من أبرز قادة الجهاد، وربما من آخر (إن لم يكن بالفعل آخر) من صمدوا في مواجهة الاحتلالولكنه لم يكن الوحيد.

كان عمر المختار في شرق ليبيا، وكان في جنوب وغرب ليبيا أيضاً مقاومة وقادة مثل الباروني والفكيني والسويحلي وسيف النصر وغيرهم. وحتى في الشرق لم يكن عمر المختار الوحيد، فكان يوجد غيره مثل يوسف بورحيل وعبدالحميد العبار.

الأحد، 15 يوليو 2018

تولستوي وصوفيا: بين الحقائق والأوهام


مقدمة

في الأيام الماضية أثير نقاش حول علاقة ليو تولستوي بزوجته صوفيا آندرييفنا... للمرة الألف بعد المليون يُثار نفس النقاش. زواجهما كان بلا شك معقداً ومن أشهر الزيجات التعيسة في تاريخ الأدباء والمفكرين. وبالرغم من أن هذا النقاش يُثار طوال الوقت لدرجة أنني أكاد أكتسب مناعة ضد الصرع الذي يصيبني به الموضوع بسبب خلط الناس بين الموضوعية وبين التحيز (لا توجد موضوعية في الاستناد إلى كلام صوفيا وحدها ونقد وشتم تولستوي دون الاطلاع على كل الوقائع! إنه ذلك الخطأ الشهير الذي يفترض بأن النقد يعني الذم وبأن الموضوعية تعني أن تشتم العظماء!)، بالرغم من ذلك فإنني هذه المرة أريد التعليق ببعض التفصيل على الأمر والرد على بعض ما قيل ويُقال عن الأمر. السبب الأول أنني دائماً أدافع عن تولستوي حين يقتضي الأمر الدفاع عنه، والسبب الثاني أن النقاش الذي أُثير في الأيام الماضية ارتبط أيضاً بالحديث عن ترجمة عربية لسيرة ذاتية كتبتها صوفيا سوف تُنشر عما قريب.

أريد أن أتوقف هنا لحظة، وأتساءل: هل من العدل أن تُنشر مذكرات صوفيا المليئة بعواطفها المتحيزة وكلامها الدفاعي ونقدها لزوجها دون أن تُنشر أيضاً مذكرات تولستوي التي تسجل معاناته؟ بل هل من الأولوية أن تتُرجم وتنشر المذكرات والمراسلات قبل أن تُترجم وتُنشر كتب سيرة جادة وموسعة عن تولستوي؟ ناهيك عن أن أعمال تولستوي الفكرية مازالت المكتبة العربية تفتقر لها. هنالك اختلالٌ حاد في أولويات دور النشر، ولا غرابة في ذلك، مذكرات تولستوي المتحفظة والمليئة بالتأملات والأفكار الأدبية والفلسفية والدينية لن تجذب القراء (والمُشترين!) بنفس الدرجة التي ستجذبهم بها مذكرات صوفيا التي (يا لهوي!) سوف تفضح هذا الرجل العظيم!

ولهذا قررتُ أن أحاول الكتابة عن الموضوع ببعض التفصيل، للرد على بعض الأخطاء والأوهام المتداولة وأيضاً لنشر نص أو بحث أو مقالة، بمراجع موثقة، تحاول عرض القصة كاملة، أو على الأقل تحاول بيان موقف تولستوي والدفاع عنه. العالم يُجن بسبب مقالة هنا أو فقرة في كتاب هناك، وينطلق البعض متحمسين لفضح تولستوي وكشف حقيقته الصادمة! فماذا سيحدث حين تُنشر مذكرات صوفيا؟! أظن أن كثيرين سيستمرون في فعل نفس الشيء: سيظنون أن الموضوعية والإنصاف تعني تصديق كل كلام صوفيا ووجهات نظرها وإدانة تولستوي وشتمه دون أن يتعبوا أنفسهم بالاطلاع على وجهة نظره. ولذلك، لعل هذا الكلام يُسقط الضوء على بعض التفاصيل التي يتجاهلها كثيرون.

ولأن الموضوع كبير وطويل ومعقد، ولأنني بصراحة أحب تولستوي جداً ومستعد لتأليف كتاب كامل عنه! وأيضاً لأن المراجع كثيرة وكبيرة ويمكن تحليلها بالتفصيل الممل (وهو ما لا يفعله جماعة: فضيحة تولستوي الصادمة!)، فإنني سأحاول الرد على بعض النقاط التي أُثيرت الأيام الماضية وبعض المراجع التي تم الاستناد إليها، وسأحاول قدر الإمكان توفير مراجع لما أقوله وذكر مصادر معلوماتي عن تولستوي – بعض المعلومات مشهورة ومنتشرة ولكن يكون هناك داعٍ لذكر مراجع لها، يعني لازم أحترم كسلي قليلاً!

وفي هذا السياق أود أن أذكر ملحوظتين: غالبية مراجعي (إن لم تكن كلها) باللغة الإنجليزية، والاقتباسات التي سترد في ما سأكتبه هي من ترجمتي الشخصية (حقوق النشر محفوظة!)، كما أنني سوف أستخدم أسلوب الإشارة للمراجع ضمن النص نفسه عوضاً عن إدراجها في الهوامش، وسوف أكتب الإشارة بصيغة مختصرة (عنوان مختصر، الصفحة)، فمثلاً كتاب Autobiography of Countess Tolstoy سأسميه اختصاراً "سيرة صوفيا"، فتكون الإشارة له (سيرة صوفيا، ص150)، وفي نهاية الكتابة سوف أضع قائمة بالمراجع وتفاصيلها.

الخميس، 17 أغسطس 2017

نوفيلا "السند المزيف" لتولستوي والدعاية المزيفة.



في الأيام الماضية أرسل لي بعض الأصدقاء الذين يعرفون حبي لتولستوي (بعبارات أخرى: الذين صدعتهم بهوسي بتولستوي!) خبراً حول نشر ترجمة جديدة لنوفيلا "السند المزيف" لتولستوي (السند المزيف. ليف تولستوي. ترجمة: نبيل يوسف. مراجعة: أنور إبراهيم. سلسلة الجوائز التابعة للهيئة المصرية العامة للكتاب. 2017).

سعدتُ قليلاً بهذا الخبر (قليلاً لأن الحذر دائماً واجب!) وطفقتُ أقرأ المزيد عن هذه الترجمة الجديدة.

دينا مندور، رئيسة تحرير سلسلة الجوائز الناشرة لهذه الترجمة الجديدة، ذكرت في تصريحات منشورة على موقع "مبتدا" بتاريخ 19 أبريل 2017 أن "السند المزيف" رواية "لم يسبق نقلها من قبل إلى العربية".

وفي صحيفة "الدستور"، بتاريخ 10 مايو 2017، يُنسب لدينا مندور أنها "أكدت... اكتشاف نص أدبي للأديب الروسي ليو تولستوي، لم ينشر من قبل، مشيرةً إلى أنها وفريق عمل سلسلة الجوائز، قاموا ببحث متواصل للتأكد من ذلك، ولم يعثروا على معلومة تؤكد نشره مسبقاً، باستثناء أنه قد يكون نُشر في المدارس الكاثوليكية". كما أضافت دينا مندور بحسب الصحيفة أن النص "كتبه تولستوي قبل وفاته بوقت قصير، وربما يرجع عدم نشره إلى أنه تسبب له في مشاكل مع عائلته، لأنه يضم جزء من حياته".

أما هيئة تحرير سلسلة الجوائز، فقد نشرت مقالةً في "أخبار الأدب"، بتاريخ 17 يونيو 2017، جاء فيها أن هيئة تحرير سلسلة الجوائز قد عثروا "على درة تولستوي "السند المزيف" التي كتبها كآخر أعماله ونشرت بعد وفاته ولم تنشر باللغة العربية قبل اليوم". كما تضيف هيئة التحرير أن "السند المزيف" هي "بمثابة وصية تولستوي الأخيرة، التي نفذها هو نفسه في نهاية حياته، وكأنما كانت الرواية هي التجلي الروائي لتلك الوصية، أو هي مذكرة إيضاح فنية تقدم رؤيته للحياة والعالم".

وفي تصريحات خاصة لصحيفة "اليوم السابع"، بتاريخ 23 يوليو 2017، نُسب إلى دينا مندور قولها عن "السند المزيف" بأنها "صدرت في روسيا بعد وفاة تولستوي، وذلك لأنها تسببت في مشاكل كثيرة له مع أهل بيته، لأن أحداثها كانت تدور من داخل منزله".

كل ما سبق كلام جميل... لولا أنه مليء بالمعلومات الكاذبة!

السبت، 12 أغسطس 2017

تولستوي وجائزة نوبل.



في التدوينة السابقة (عن رواية زرايب العبيد) أشرتُ إلى أن الجوائز الأدبية لا تُعبِّر فعلاً عن رأي الأدباء ولا حتى عن الرأي العام، واستشهدت بأول جائزة نوبل للأدب مُنحت سنة 1901 والتي تجاهلت فيها اللجنة ترشيح تولستوي، أبرز عظماء الأدب في ذلك الزمن. من وجهة نظري لجنة جائزة نوبل لم تمنحه الجائزة لأن أعضاءها أغبياء؛ فقد ذكر رئيس اللجنة في تقريره لأكاديمية نوبل أنه معجبٌ بلا شك بالأعمال الخالدة الحرب والسلام وآنا كارينينا، ولكنه لا يستطيع أن يوافق على نظريات تولستوي الاجتماعية والسياسية، ولا محاولته (يقصد تولستوي) لإعادة كتابة العهد الجديد بطرية نصف روحانية ونصف عقلانية، وأخيراً استنكر رئيس اللجنة قيام تولستوي بإنكار ما وصفه بأنه حق الدول والأفراد في الدفاع عن أنفسهم. هذا يدل على غباء هذه اللجنة، لأن أفكار تولستوي مثلاً حول المقاومة السلمية (أو اللامقاومة) مهدت الطريق لغاندي ولمارتن لوثر كينغ اللذان تركا بصمتهما على القرن العشرين وعلى العالم كله. تولستوي اليوم من الممكن أن يستحق جائزة نوبل للسلام على كتاباته هذه! ولكن، هذا التقرير يوضح شيئاً أهم من غباء اللجنة: الحمد لله أن تولستوي لم يُمنح هذه الجائزة الحمقاء.

إن التقرير يوضح بأن جائزة نوبل للأدب هي منذ البداية جائزة متحيزة سياسياً وفكرياً. كلام تولستوي في ذلك الوقت ونقده الاجتماعي والسياسي لم يكن يعجب الأوروبيين الذين يريدون الحفاظ على المجتمع منقسماً طبقياً كما هو ويريدون الحفاظ على الممالك والحكومات كما هي، وبلا شك لم يكن يعجب تلك القارة الغارقة في الحروب والاحتلال أن تُنتقد حروبها هذه. وبالتالي، وبكل صراحة وقحة، صرَّح رئيس اللجنة بأنهم تجاهلوا أعمال تولستوي الأدبية واختاروا أن يحكموا عليه بأعماله الفكرية والاجتماعية والسياسية (وحتى الدينية!). وهذا ديدن كل الجوائز في كل مكان في العالم منذ بدء التاريخ. جائزة نوبل مشهورة بتحيزها (وغبائها) السياسي في جائزتي السلام والأدب، كل الجوائز الأدبية الأخرى كثيراً ما يتضح في اختياراتها التحيز السياسي أو الفكري أو الاجتماعي، التحيز للقضايا والأفكار والتيارات السائدة على حساب العمل الأدبي الفني والقيم الإنسانية.

وهكذا، نعود ونقول: الحمد لله أن تولستوي لم يُمنح جائزة نوبل، ولم يتلطخ اسمه بهذه التفاهة. تولستوي أكبر وأعظم...

والجدير بالذكر في هذا السياق أن تولستوي طُرح اسمه للترشح لجائزة نوبل في سنوات 1901، 1902، 1903، 1904، 1905، 1906، و1909 (تُوفي تولستوي سنة 1910). ولكن أظن أنه بعد السنة الأولى أصبح من غير الممكن منح الجائزة لـتولستوي بعد ما أثارته رسالة الكُتاب والفنانين والنُقاد السويديين من انتقادات، وبعدما أوضح تولستوي في رده بأنه يُفضل أن لا ينال الجائزة. وفي الحقيقة، فإن تولستوي علم بترشيحه سنة 1906 (أظن أنه لم يعلم بالسنوات الأخرى، وربما علم سنة 1906 لأن اسمه طُرح للترشح من قِبل أكاديمية روسية)، وقد راسل تولستوي صديقاً له، وهو كاتبٌ فنلندي، وطلب منه أن يسعى بكل ما يستطيع إن كان له أصدقاء في السويد لكي يحولوا دون منح الجائزة لــتولستوي، وقد ذكر في رسالته لصديقه الفنلندي أنه سيكون من المُحرج أن يرفض الجائزة إذا مُنحت له فالأفضل أن لا تُمنح له. من غير المعروف إذا ما كانت تلك الرسالة وذلك الصديق الفنلندي قد كان لهما دور في عزوف لجنة جائزة نوبل عن منح الجائزة لـــتولستوي، ولكن المثير للاهتمام أن أرشيف ترشيحات الجائزة، أي ترشيحات تولستوي الموجودة على الموقع الرسمي، تحمل في بعض الأحيان ملاحظة أن تولستوي ذكر أنه لا يريد الجائزة وسيرفضها إذا منحت له، فيبدو أن الأمر قد دخل رسمياً إلى اعتبار وسجلات جائزة نوبل.

على كل حال، بعد التدوينة السابقة التي ذكرتُ فيها الأمر، راودتني رغبة في ترجمة رسالة "السويديين" لــتولستوي وفي ترجمة رده عليهم... إنه شيء غبي، فأنا لا أعلم إن كانت هذه النصوص مترجمة للعربية، وهي في الأغلب مترجمة، كما أن هذه المدونة مجهولة ولا أريد نشرها (إلى الآن!). ولكن! سوف أسجلها في فضاء الإنترنت! لحاجةٍ في نفس يعقوب في الأغلب.. لا داعي للغموض، لأني أُقدس تولستوي، هذا كل ما هنالك! وبدون المزيد من المقدمات، فيما يلي رسالة السويديين لــتولستوي، يليها رد تولستوي.

رسالة الكُتَّاب والفنانين والنُقاد السويديين إلى تولستوي

إلى ليو تولستوي:

فيما يخص منح جائزة نوبل للأدب لأول مرة، فنحن المؤلفون والفنانون والنقاد الموقعون أدناه نرغب في التعبير عن إعجابنا بك. وعلى وجه الخصوص نحن نرى في شخصك ليس فقط الأب الأكثر إجلالاً لأدب اليوم، ولكنك أيضاً بالنسبة لنا أعظم وأعمق شاعر، والذي كان في رأينا الأجدر بأن يكون أول من يجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار، حتى وإن لم تكن أنت نفسك قد سعيت أبداً لمثل هذا النوع من الجوائز. نحن نشعر بأننا ملزمون جداً بأن نُعلمك بأننا نعتبر أن المؤسسة التي تمتلك زمام السيطرة على الجائزة المقصودة، ونتيجةً لأعضائها الراهنين، لا تعكس رأي الفنانين ولا الرأي العام. يجب أن لا ينطبع في أذهان الدول الأخرى أن الفن الذي يأتي من المفكرين الأحرار والأشخاص المبدعين بحرية، حتى بين مواطنينا القاطنين بعيداً، لا يُقدر بصفته الأفضل جودةً والأعظم مكانةً من بين كل البقية.

توقيع:
George Nordensvan
Gustaf Janson
August Strindberg
P. Staaff
Per Hallström
Axel Lundegård
Oscar Levertin
Gustaf af Geijerstam
Karl-Erik Forsslund
Hilma Angered-Strandberg
Ellen Key
Hellen Lindgren
Nils Kreuger
Anders Zorn
Acke Andersson
Karl Nordström
Robert Thegerström
Albert Engström
Carl Larsson
Andreas Hallén
Wilhelm Peterson-Berger
Selma Lagerlöf (مُنحت جائزة نوبل للأدب سنة 1909)
Otto Sylwan
Sven Söderman
Tor Hedberg
Klas Fåhraeus
Verner v. Heidenstam (مُنح جائزة نوبل للأدب سنة 1916)
Henning Berger
Hjalmar Söderberg
Daniel Fallström
Henning v. Melsted
Edv. Alkman
Georg Pauli
Richard Bergh
Christian Eriksson
Oscar Björck
Eugène Jansson
Gustaf Wickman
Bruno Liljefors
Emil Sjögren
Wilh. Stenhammar
Tor Aulin

لن أترجم أسماء الموقعين للعربية، لا أستطيع أصلاً قراءتها!

رابط الرسالة على موقع جائزة نوبل بالإنجليزية:

رد تولستوي

أيها السادة،

واقع أن جائزة نوبل لم تُمنح لي أسعدني لسببين: أولاً، لأن ذلك أنقذني من الضرورة المؤلمة للتعامل بطريقةٍ أو بأخرى مع المال، الذي يعتبر عادةً شيئاً ضرورياً ومفيداً، ولكني أعتبره مصدر كل أنواع الشر. وثانياً، لأن ذلك منح أشخاصاً أحترمهم الفرصة ليعبروا عن تعاطفهم معي، الأمر الذي أشكركم جميعاً عليه من كل قلبي.

رابط الرد على موقع wikisource بالإنجليزية:



ملاحظة: قيمة الجائزة سنة 1901 كانت تقريباً 17,000 دولار، أي بما يعادل مبلغ 936,000 دولار تقريباً في الزمن الحالي (حسب فرق التضخم لسنة 2013، وفق ما نشرته جائزة نوبل حول قيمة الجائزة، وحسب فرق الصرف الحالي بين العملة السويدية والدولار الأمريكي، الرقم قد يكون مختلفاً! ولكن هذا حدي في المحاسبة والاقتصاد!). الرجل سعيد بتفادي كسب ما يعادل 900 ألف دولار، يعني مليون إلا 100 ألف! تاج راسكم يا ناس، تاج راسكم!

رابط جدول جائزة نوبل حول قيمة الجائزة بالمقارنة مع سنة 2013:



23 مايو 2017

الاثنين، 22 مايو 2017

زرايب العبيد لنجوى بن شتوان: قليلاً (أو كثيراً!) من الصراحة.



وجاءت جائزة الرواية العربية ومضت، وكانت ليبيا مُمثلة هذه السنة من قِبل نجوى بن شتوان وروايتها زرايب العبيد. سأكون صريحاً جداً وأقول إنني لم أهتم كثيراً بالرواية حين صدرت، أعني أثار فضولي صدور رواية لكاتبة ليبية من إحدى أشهر دور النشر العربية (دار الساقي)، ولكنني لم أهتم كثيراً.

ترشح الرواية لجائزة البوكر العربية منحها دفعة كبيرة، وشجع الكثيرين على قراءتها. حتى ولو كانت الجائزة قد أثبتت تدني مستواها أحياناً، وحتى وإن أثارت جدلاً كبيراً بتحولها إلى جائزة لدور النشر، فهنالك من تلفت انتباهه هذه الترشيحات فيقرأ. هؤلاء القُراء كانت تعليقاتهم في الأغلب إيجابية. يمدحون الرواية كثيراً، ويقولون إنها تستحق الجائزة (كانت حماسة القُراء الليبيين بالأخص كبيرة!). لم أستطع تجاهل الرواية بعد كل هذه الضجة، وقرأتها. وبما أن الجائزة قد جاءت ومضت كما قلنا، فأظن أننا هدأنا قليلاً ونستطيع الحديث عن الرواية بصراحة.

وبكل صراحة سوف أقول بأن الرواية لا تستحق جائزة. أي جائزة.

وأظن أنني يجب أن أوضح هنا نقطتين: الأولى أن الجوائز الأدبية ليست معياراً أصلاً، فهي في النهاية تمثل الرأي الضيق للجنة التحكيم فقط، وحتى أشهر جائزة أدبية في العالم (جائزة نوبل للأدب) يقال عنها كثيراً إنها لا تمثل الرأي العام للأدباء ولا الرأي العام للقراء، بل إن ذلك قيل عنها في أول سنة مُنحت فيها الجائزة! مُنحت الجائزة سنة 1901 للشاعر الفرنسي سولي برودوم، بعد أن تم تجاهل ترشيح تولستوي عمداً لأسباب سياسية (أولاد الكلب... تولستوي تاج راسهم!)، بعد أن وقعت هذه.. هذه الجريمة الفاضحة! بعث 42 كاتباً وناقداً وفناناً سويدياً رسالة إلى تولستوي يخبرونه فيها بأنهم لا يتفقون مع قرار لجنة الجائزة وأنهم يعتبرون أن المؤسسة التي تسيطر على الجائزة "لا تعبر لا عن رأي الفنانين ولا عن الرأي العام". منذ البداية كانت حقيقة الجوائز الأدبية معروفة. النقطة الثانية أن جائزة البوكر العربية تحولت إلى جائزة لدور النشر، وليس للكُتَّاب، شروط التقدم للجائزة تهتم بدور النشر فتضع شروطاً مثل أن يكون عمر دار النشر سنتين، وإذا سبق لها الفوز تستطيع تقديم كتابين، ولا أعلم، كلام كثير غريب هكذا. وبالتالي الفوز بالجائزة من عدمه ليس معياراً لقيمة أي عمل أدبي، أو بالأحرى ليس تقييماً لا يمكن انتقاده، وإنما هو تقييم تحكمه اعتبارات تجارية وسياسية وغيرها. ولكننا نعتبر أن الجائزة تعني أن العمل الأدبي قد حقق مستويات عالية من الإبداع والاتقان استحق عليها إشادة لجنة متخصصة، وإن كان هذا ما نفكر فيه حين نتحدث عن استحقاق الجوائز، فإن زرايب العبيد لا تستحق أي جائزة.

هل هي رواية سيئة لهذا الحد؟ كلا، عدم استحقاقها لأي جائزة سببه أن الرواية عادية – وهذه وجهة نظري الشخصية، فلا داعي للتحمس! وجهة نظري الشخصية هي أن الرواية عادية ومليئة بالعيوب لدرجة أنه من المُدهش أن تُمدح الرواية لهذه الدرجة. وهذا المدح لم يصدر من القُراء وحسب، بل صدر عن نُقاد وأدباء وتناقلته مواقع مشهورة وصحف عربية مشهورة، يعني بصراحة كانت فضيحة من وجهة نظري! أن يمدح بعض القراء على تويتر روايةً معينة لأنهم مثلاً استمتعوا بها ولم يهتموا بعيوبها شيء، وأن تُمدح الرواية على مستوى كُتاب وشعراء وأدباء وصحف معتبرة شيء آخر تماماً وفضيحة!

دعونا نتحدث عن هذه العيوب قليلاً.