‏إظهار الرسائل ذات التسميات ليو تولستوي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ليو تولستوي. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 26 يوليو 2020

السعداء لا يكتبون



مررتُ على اقتباسٍ يقولُ إنّ السعداء لا يكتبون. وعندي مشكلة، أو مشكلتان، أو أكثر مع الفكرة!

أوّل ما استدعته ذاكرتي مقابلةً أجراها بلال فضل مع هشام مطر؛ لا أتذكّر تفاصيلها حرفيًّا، وأنا بصراحة أكسلُ من أن أعودَ إليها (ولكنّني لستُ أكسل من أن أُحضر رابطيْ المقابلة! رابط الجزء الأوّل، رابط الجزء الثاني). بعيدًا عن كسلي، وبالالتفات إلى ذاكرتي التي قد تكون أنشط من كسلي (بطبيعة الحال!)، فإنّني أتذكّر أنّ هشام مطر تحدّث عن اكتئابٍ يُصيبه حين لا يكتب، عن تناقصٍ في متعة الحياة وقيمة الوقت، وعن أنّه ليس مُحصّنًا ضدّ المشاعر السوداء. علّق بلال فضل قائلًا إن هذا أمرٌ مفهوم ومتوقّع نسبةً إلى الحياة التي عاشها هشام! ضحك الاثنان، ثم روى هشام قصةً طريفة عن شخصٍ التقى به. كان الشخص مُعجبًا بأعمال هشام وراغبًا في لقائه، ولكنهما حين التقيا أخيرًا وتحدّثا لفترةٍ من الزمن، كان في هيئة الشخص تشنّجٌ يشي بعلامة استفهام، كما يصفه هشام. فجأةً انفلت الشخص وقال له بصراحة إنّه توقّع أن يكون هشام شخصًا جادًّا ومتحفّظًا، فإذا به يلتقي بإنسانٍ طبيعيّ، رجلٍ يتحدّث بأريحية ويضحك!

هل لنا أن نلومَه على توقّعه ذاك؟ إن كان قد قرأ روايتي هشام "في بلاد الرجال" و"تشريح اختفاء"، فلا يُلام أبدًا على ما تشكّل في ذهنه من صورة كئيبةٍ وسوداويّة لمؤلّف تلك الروايتين المؤلمتين!

أمرٌ آخر خطر ببالي، يتعلّق بكاتبٍ آخر، شيخي تولستوي (كما توقعتم بالضبط!). لم أقابله شخصيًّا بالطبع، (أرجو من المشتغلين على ابتكار آلة للسفر عبر الزمن أن يُسرعوا قليلًا)، ولكنني تعرّفت على الشيخ بتدرّجٍ اعتيادي. بدأ شغفي به بقراءةٍ في أعماله الأدبيّة، ثم ما لبثتُ أن شُغفت بالأعمال الفكريّة أيضًا. كنتُ قد وقعتُ في الحب، ولكن صورة تولستوي عندي كانت صورةً افتراضية نمطيّة، كوّنتها كما كوّن ذلك الشخص صورته عن هشام مطر: تخيلتُ تولستوي شيخًا جليلًا جادًّا وكئيبًا. مُبدع هذه الأعمال العميقة، المُفكّر الجادّ الملتزم الناشط في قضاياه الفكريّة والاجتماعيّة، المُصلح الاجتماعي والواعظ الدينيي، كيف كان لي أن أتخيّله إلا وقورًا؟ الوقار بالمعنى المنقوص المعتاد، المعنى الذي يسلب من الرجال والنساء بعض صفاتهم الإنسانية (الضعف، الفكاهة، المتعة، السعادة، إلخ) مقابل صفات مُترفّعة. بعد ذلك، بعد وقوعي في الحبّ جدًّا، شرعتُ أقرأ أكثر في سيرة الشيخ. وصُدمت! نعم، لقد كان شيخًا وقورًا، مُصلحًا ملتزمًا بقضاياه، بل حتى مُفكّرًا وأديبًا مكتئبًا وحزينًا ويزعم أنّه لم يعرف السعادة يومًا في حياته (وهو زعمٌ رفض تشيخوف تصديقه، ربّما لرِقة قلبه ورِقة صداقته بتولستوي، بينما صدّقه غوركي المتشائم دون تشكيك). ولكنّني وجدتُ شيئًا آخر، بل أشياء أخرى، وجدتُ إنسانية تولستوي الكاملة: الأب الذي يلعب مع أطفاله، بل والذي يتآمر مع أطفاله في إعداد مقالب لضيوف المنزل؛ الزوج الذي يعاني مشاكل حادّة مع زوجته؛ الأب المُقرّب روحانيًا وفكريًّا من بناته؛ الشخصية الشهيرة الخجولة التي لا تحب المحافل والاحتفاء؛ الصديق الذي يتحدّث بأريحية وبألفاظٍ سوقية (يقول غوركي: حين كان تولستوي يتلفّظ بها، كانت تكتسب جمالًا عجيبًا!)؛ الصديق الذي يُمازح أصدقاءه وضيوفه ويحرجهم (غوركي راح ضحيّة مشاغبات وأسئلة مُحرجة!)؛ الناقد الساخر الذي يمزّق كتابًا رديئًا بجملةٍ واحدة؛ الشيخ الذي يُحبّ المشي والتجوال والذي يُصفّر مع الطيور في جولاته، أو يقفز ويلاحق أرنبًا بريًّا بمتعةٍ طفولية، أو يتوقّف ليتحدّث مع سحليةٍ تتشمّس في الطريق!

الصور التي نُكوّنها عادةً ما تكون محكومةً بمفاهيم تقليديّة لا شيء يُبرّرها سوى الجهل؛ وأعني هنا الجهل بالآخرين. هذا الجهلُ قد ينتجُ عن تقدير، مثل حال ذاك الشخص المعجب بهشام مطر، وحالي أنا مع تولستوي. وهذا التقدير قد يؤدي إلى صناعة صورة رومانسية مثاليّة (أي رمسنة أو رمنسة، مش مهم)، تغفلُ عن كثيرٍ من الصفات بينما تضخّم أخرى تتّسق مع الصورة النمطيّة تلك، مثل الجديّة والحزن والكآبة. وهكذا تصير السعادة والفكاهة والمتعة أشياء عابرة وتافهة، والأدهى من ذلك أنّها تصير أشياء غير معينةٍ على الخلق والإبداع؛ فالسعداء لا يكتبون!

وجودُ تجربة واحدة لا ينفي وجود تجارب أخرى، مثلما أنّ وجود صفة إنسانيّة واحدة لا ينفي وجود صفات إنسانيّة أخرى (وقار تولستوي لا ينفي فكاهته، وأسى كتابات هشام مطر لا ينفي المرح في شخصيّته). المشكلة في خلقِ صورٍ مُطلقة: صورة الكاتبة السوداوية المنعزلة، صورة الشاعر المتهوّر المكتئب، صورة الشيخ الوقور حدّ الملل، صورة الكاتب المُعذّب بماضيه أبد الدهر. الرمسنة تأليهٌ لصورٍ معيّنة تُلغي إمكانية وجود تجارب مختلفة.

تجربتي مختلفة (نعم، سأتحدّث عن نفسي). ثمة كُتاب وكاتبات وشاعرات وشعراء يكتبون ألمًا وحزنًا. تجربتي لا تنفي تجربة غيري، ولكنها قد تكشفُ اختزاليّة الرمسنة. أول خطوة لمواجهة التنميط هي الاعتراف باختلاف تجارب المكتئبين والمكتئبات. فلعلّنا نُميّز بين طريقتين في التعامل مع الاكتئاب: الخوض في الألم، أو الهروب من الألم. قد أكون ممن يهربون ويهربن بالكتابة. بعض تدويناتي على هذه المدوّنة تبدأ بالحديث عن الكآبة ومحاولاتي للهروب منها. وأعرف أنّ بعض التدوينات الأخرى كُتبت في أوقاتٍ صعبةٍ جدًّا من حياتي، فحتى إن لم أذكر فيها أنّني أفرّ فزعًا من الكآبة، فأنا أعرف أن هذا ما كنتُ أفعله. الفرار من الكآبة يجعلها "مكانًا"، يعني أنني كنتُ أفرّ إلى مكانٍ آخر، فما هو هذا المكان؟ لا بدّ أنّه السّعادة، أو ربّما النسيان المؤقّت. حجبٌ مؤقّتٌ للكآبة، لكنّه يسمح برؤية السّعادة التي كانت قبل ذلك محجوبة؛ ولكنّ الهاربين والهاربات إلى السّعادة لا يكتبون؟

الصور النمطيّة لا تتوقف عند تجاهل اختلاف التجارب، ولا عند التشكيك في تجاربنا الشخصية التي لا تطابق تلك الصور. مشاكلي كما ذكرتُ في البداية كثيرة! الصور النمطيّة لا بدّ أن يكون فيها تجاهلٌ للحالات النفسيّة التي نعيشها. إنّها تنتقي تجارب معيّنة وترمي بأخرى حتى تصل إلى نتيجة نمطيّة؛ نتيجة خاطئة في أغلب الأحيان، ولكنّها خفيفة ظريفة وسهلة الهضم: السعداء لا يكتبون.

فمن الذي يكتب؟ من ليس سعيدًا.
لماذا تكتب التي تكتب؟ لأنّها ليست سعيدة.
متى يكتب الرجال والنساء؟ حين لا يكونون ولا يكنّ سعداء وسعيدات.

هل تتضمّن هذه الإجابات الثلاث كلّ الاحتمالات الممكنة؟ لا، بالطبع. وكذلك إجابة أو قاعدة السعداء لا يكتبون لا تتضمّن كلّ الاحتمالات الممكنة. وهذا ما قد يدفعنا إلى قلب هذه القاعدة إلى سؤال، مثلما نفعل (أو يجدر بنا أن نفعل) مع كل المسلّمات التي نرمسنها ونتداولها دون تشكيك.

السعداء لا يكتبون؟
يمكننا الردّ على السؤال بطرح أسئلة أخرى: ماذا نفعل بكلّ النصوص التي كُتبت بسبب تجارب سعيدة؟ ماذا نفعل بكلّ الكُتّاب والكاتبات الذين يقولون إنّهم لا يشعرون بالسعادة إلّا حين يكتبون؟ لستُ مبدعًا أو كاتبًا على سنّ ورمح، ورغم أنّني أعاني من الكآبة، إلّا إنّني كتبتُ وأكتب وأنا سعيد. حين رحمني الله بالحبّ وأنقذني من الظلمات بنور حبيبتي، حين صرتُ سعيدًا حقًّا لأوّل مرّةٍ في حياتي؛ صرتُ أنشط، أكتب وأقرأ وأعمل أكثر. فكيف حدث هذا إن كان السعداء لا يكتبون؟

السعداء لا يكتبون؟
طريقةٌ أخرى للإجابة عن السؤال، ليس بطرح أسئلة، ولكن بإجابة طويلة فيها عشرون كلمة متشابهة: السعداء لا يكتبون ويكتبون، والسعيدات لا يكتبن ويكتبن، والمكتئبات يكتبن ولا يكتبن، والمكتئبون يكتبون ولا يكتبون. هذه ليست إجابة، صح؟ يعني، قلتُ فيها كلّ شيء، الجميع يفعلون ويفعلن ولا يفعلون ولا يفعلن في ذات الوقت! كيف؟! ببساطة لأن هذه إجابة تُوضّح عبثية السؤال، فنحن إن أردنا التحدّث عن "الجميع" فلا بدّ أن نتحدّث حقًّا عن الجميع، وهذا يعني أن نرمي في القمامة تلك الصور الرومانسية النمطيّة، التي تحاول اختزال "الجميع" في اقتباسٍ شاعريّ يتحدّث عن تجربةٍ واحدة.

صياغة أخرى للقاعدة: الجميع يعيشون ويعشن تجاربَ متنوّعة.

تحدٍّ أخير للسؤال العبثي: أنا سعيد، في قمّة السعادة، وكتبتُ هذا التدوينة. علّل!

26 -7- 2020

الأحد، 15 يوليو 2018

تولستوي وصوفيا: بين الحقائق والأوهام


مقدمة

في الأيام الماضية أثير نقاش حول علاقة ليو تولستوي بزوجته صوفيا آندرييفنا... للمرة الألف بعد المليون يُثار نفس النقاش. زواجهما كان بلا شك معقداً ومن أشهر الزيجات التعيسة في تاريخ الأدباء والمفكرين. وبالرغم من أن هذا النقاش يُثار طوال الوقت لدرجة أنني أكاد أكتسب مناعة ضد الصرع الذي يصيبني به الموضوع بسبب خلط الناس بين الموضوعية وبين التحيز (لا توجد موضوعية في الاستناد إلى كلام صوفيا وحدها ونقد وشتم تولستوي دون الاطلاع على كل الوقائع! إنه ذلك الخطأ الشهير الذي يفترض بأن النقد يعني الذم وبأن الموضوعية تعني أن تشتم العظماء!)، بالرغم من ذلك فإنني هذه المرة أريد التعليق ببعض التفصيل على الأمر والرد على بعض ما قيل ويُقال عن الأمر. السبب الأول أنني دائماً أدافع عن تولستوي حين يقتضي الأمر الدفاع عنه، والسبب الثاني أن النقاش الذي أُثير في الأيام الماضية ارتبط أيضاً بالحديث عن ترجمة عربية لسيرة ذاتية كتبتها صوفيا سوف تُنشر عما قريب.

أريد أن أتوقف هنا لحظة، وأتساءل: هل من العدل أن تُنشر مذكرات صوفيا المليئة بعواطفها المتحيزة وكلامها الدفاعي ونقدها لزوجها دون أن تُنشر أيضاً مذكرات تولستوي التي تسجل معاناته؟ بل هل من الأولوية أن تتُرجم وتنشر المذكرات والمراسلات قبل أن تُترجم وتُنشر كتب سيرة جادة وموسعة عن تولستوي؟ ناهيك عن أن أعمال تولستوي الفكرية مازالت المكتبة العربية تفتقر لها. هنالك اختلالٌ حاد في أولويات دور النشر، ولا غرابة في ذلك، مذكرات تولستوي المتحفظة والمليئة بالتأملات والأفكار الأدبية والفلسفية والدينية لن تجذب القراء (والمُشترين!) بنفس الدرجة التي ستجذبهم بها مذكرات صوفيا التي (يا لهوي!) سوف تفضح هذا الرجل العظيم!

ولهذا قررتُ أن أحاول الكتابة عن الموضوع ببعض التفصيل، للرد على بعض الأخطاء والأوهام المتداولة وأيضاً لنشر نص أو بحث أو مقالة، بمراجع موثقة، تحاول عرض القصة كاملة، أو على الأقل تحاول بيان موقف تولستوي والدفاع عنه. العالم يُجن بسبب مقالة هنا أو فقرة في كتاب هناك، وينطلق البعض متحمسين لفضح تولستوي وكشف حقيقته الصادمة! فماذا سيحدث حين تُنشر مذكرات صوفيا؟! أظن أن كثيرين سيستمرون في فعل نفس الشيء: سيظنون أن الموضوعية والإنصاف تعني تصديق كل كلام صوفيا ووجهات نظرها وإدانة تولستوي وشتمه دون أن يتعبوا أنفسهم بالاطلاع على وجهة نظره. ولذلك، لعل هذا الكلام يُسقط الضوء على بعض التفاصيل التي يتجاهلها كثيرون.

ولأن الموضوع كبير وطويل ومعقد، ولأنني بصراحة أحب تولستوي جداً ومستعد لتأليف كتاب كامل عنه! وأيضاً لأن المراجع كثيرة وكبيرة ويمكن تحليلها بالتفصيل الممل (وهو ما لا يفعله جماعة: فضيحة تولستوي الصادمة!)، فإنني سأحاول الرد على بعض النقاط التي أُثيرت الأيام الماضية وبعض المراجع التي تم الاستناد إليها، وسأحاول قدر الإمكان توفير مراجع لما أقوله وذكر مصادر معلوماتي عن تولستوي – بعض المعلومات مشهورة ومنتشرة ولكن يكون هناك داعٍ لذكر مراجع لها، يعني لازم أحترم كسلي قليلاً!

وفي هذا السياق أود أن أذكر ملحوظتين: غالبية مراجعي (إن لم تكن كلها) باللغة الإنجليزية، والاقتباسات التي سترد في ما سأكتبه هي من ترجمتي الشخصية (حقوق النشر محفوظة!)، كما أنني سوف أستخدم أسلوب الإشارة للمراجع ضمن النص نفسه عوضاً عن إدراجها في الهوامش، وسوف أكتب الإشارة بصيغة مختصرة (عنوان مختصر، الصفحة)، فمثلاً كتاب Autobiography of Countess Tolstoy سأسميه اختصاراً "سيرة صوفيا"، فتكون الإشارة له (سيرة صوفيا، ص150)، وفي نهاية الكتابة سوف أضع قائمة بالمراجع وتفاصيلها.

الخميس، 17 أغسطس 2017

نوفيلا "السند المزيف" لتولستوي والدعاية المزيفة.



في الأيام الماضية أرسل لي بعض الأصدقاء الذين يعرفون حبي لتولستوي (بعبارات أخرى: الذين صدعتهم بهوسي بتولستوي!) خبراً حول نشر ترجمة جديدة لنوفيلا "السند المزيف" لتولستوي (السند المزيف. ليف تولستوي. ترجمة: نبيل يوسف. مراجعة: أنور إبراهيم. سلسلة الجوائز التابعة للهيئة المصرية العامة للكتاب. 2017).

سعدتُ قليلاً بهذا الخبر (قليلاً لأن الحذر دائماً واجب!) وطفقتُ أقرأ المزيد عن هذه الترجمة الجديدة.

دينا مندور، رئيسة تحرير سلسلة الجوائز الناشرة لهذه الترجمة الجديدة، ذكرت في تصريحات منشورة على موقع "مبتدا" بتاريخ 19 أبريل 2017 أن "السند المزيف" رواية "لم يسبق نقلها من قبل إلى العربية".

وفي صحيفة "الدستور"، بتاريخ 10 مايو 2017، يُنسب لدينا مندور أنها "أكدت... اكتشاف نص أدبي للأديب الروسي ليو تولستوي، لم ينشر من قبل، مشيرةً إلى أنها وفريق عمل سلسلة الجوائز، قاموا ببحث متواصل للتأكد من ذلك، ولم يعثروا على معلومة تؤكد نشره مسبقاً، باستثناء أنه قد يكون نُشر في المدارس الكاثوليكية". كما أضافت دينا مندور بحسب الصحيفة أن النص "كتبه تولستوي قبل وفاته بوقت قصير، وربما يرجع عدم نشره إلى أنه تسبب له في مشاكل مع عائلته، لأنه يضم جزء من حياته".

أما هيئة تحرير سلسلة الجوائز، فقد نشرت مقالةً في "أخبار الأدب"، بتاريخ 17 يونيو 2017، جاء فيها أن هيئة تحرير سلسلة الجوائز قد عثروا "على درة تولستوي "السند المزيف" التي كتبها كآخر أعماله ونشرت بعد وفاته ولم تنشر باللغة العربية قبل اليوم". كما تضيف هيئة التحرير أن "السند المزيف" هي "بمثابة وصية تولستوي الأخيرة، التي نفذها هو نفسه في نهاية حياته، وكأنما كانت الرواية هي التجلي الروائي لتلك الوصية، أو هي مذكرة إيضاح فنية تقدم رؤيته للحياة والعالم".

وفي تصريحات خاصة لصحيفة "اليوم السابع"، بتاريخ 23 يوليو 2017، نُسب إلى دينا مندور قولها عن "السند المزيف" بأنها "صدرت في روسيا بعد وفاة تولستوي، وذلك لأنها تسببت في مشاكل كثيرة له مع أهل بيته، لأن أحداثها كانت تدور من داخل منزله".

كل ما سبق كلام جميل... لولا أنه مليء بالمعلومات الكاذبة!

السبت، 12 أغسطس 2017

تولستوي وجائزة نوبل.



في التدوينة السابقة (عن رواية زرايب العبيد) أشرتُ إلى أن الجوائز الأدبية لا تُعبِّر فعلاً عن رأي الأدباء ولا حتى عن الرأي العام، واستشهدت بأول جائزة نوبل للأدب مُنحت سنة 1901 والتي تجاهلت فيها اللجنة ترشيح تولستوي، أبرز عظماء الأدب في ذلك الزمن. من وجهة نظري لجنة جائزة نوبل لم تمنحه الجائزة لأن أعضاءها أغبياء؛ فقد ذكر رئيس اللجنة في تقريره لأكاديمية نوبل أنه معجبٌ بلا شك بالأعمال الخالدة الحرب والسلام وآنا كارينينا، ولكنه لا يستطيع أن يوافق على نظريات تولستوي الاجتماعية والسياسية، ولا محاولته (يقصد تولستوي) لإعادة كتابة العهد الجديد بطرية نصف روحانية ونصف عقلانية، وأخيراً استنكر رئيس اللجنة قيام تولستوي بإنكار ما وصفه بأنه حق الدول والأفراد في الدفاع عن أنفسهم. هذا يدل على غباء هذه اللجنة، لأن أفكار تولستوي مثلاً حول المقاومة السلمية (أو اللامقاومة) مهدت الطريق لغاندي ولمارتن لوثر كينغ اللذان تركا بصمتهما على القرن العشرين وعلى العالم كله. تولستوي اليوم من الممكن أن يستحق جائزة نوبل للسلام على كتاباته هذه! ولكن، هذا التقرير يوضح شيئاً أهم من غباء اللجنة: الحمد لله أن تولستوي لم يُمنح هذه الجائزة الحمقاء.

إن التقرير يوضح بأن جائزة نوبل للأدب هي منذ البداية جائزة متحيزة سياسياً وفكرياً. كلام تولستوي في ذلك الوقت ونقده الاجتماعي والسياسي لم يكن يعجب الأوروبيين الذين يريدون الحفاظ على المجتمع منقسماً طبقياً كما هو ويريدون الحفاظ على الممالك والحكومات كما هي، وبلا شك لم يكن يعجب تلك القارة الغارقة في الحروب والاحتلال أن تُنتقد حروبها هذه. وبالتالي، وبكل صراحة وقحة، صرَّح رئيس اللجنة بأنهم تجاهلوا أعمال تولستوي الأدبية واختاروا أن يحكموا عليه بأعماله الفكرية والاجتماعية والسياسية (وحتى الدينية!). وهذا ديدن كل الجوائز في كل مكان في العالم منذ بدء التاريخ. جائزة نوبل مشهورة بتحيزها (وغبائها) السياسي في جائزتي السلام والأدب، كل الجوائز الأدبية الأخرى كثيراً ما يتضح في اختياراتها التحيز السياسي أو الفكري أو الاجتماعي، التحيز للقضايا والأفكار والتيارات السائدة على حساب العمل الأدبي الفني والقيم الإنسانية.

وهكذا، نعود ونقول: الحمد لله أن تولستوي لم يُمنح جائزة نوبل، ولم يتلطخ اسمه بهذه التفاهة. تولستوي أكبر وأعظم...

والجدير بالذكر في هذا السياق أن تولستوي طُرح اسمه للترشح لجائزة نوبل في سنوات 1901، 1902، 1903، 1904، 1905، 1906، و1909 (تُوفي تولستوي سنة 1910). ولكن أظن أنه بعد السنة الأولى أصبح من غير الممكن منح الجائزة لـتولستوي بعد ما أثارته رسالة الكُتاب والفنانين والنُقاد السويديين من انتقادات، وبعدما أوضح تولستوي في رده بأنه يُفضل أن لا ينال الجائزة. وفي الحقيقة، فإن تولستوي علم بترشيحه سنة 1906 (أظن أنه لم يعلم بالسنوات الأخرى، وربما علم سنة 1906 لأن اسمه طُرح للترشح من قِبل أكاديمية روسية)، وقد راسل تولستوي صديقاً له، وهو كاتبٌ فنلندي، وطلب منه أن يسعى بكل ما يستطيع إن كان له أصدقاء في السويد لكي يحولوا دون منح الجائزة لــتولستوي، وقد ذكر في رسالته لصديقه الفنلندي أنه سيكون من المُحرج أن يرفض الجائزة إذا مُنحت له فالأفضل أن لا تُمنح له. من غير المعروف إذا ما كانت تلك الرسالة وذلك الصديق الفنلندي قد كان لهما دور في عزوف لجنة جائزة نوبل عن منح الجائزة لـــتولستوي، ولكن المثير للاهتمام أن أرشيف ترشيحات الجائزة، أي ترشيحات تولستوي الموجودة على الموقع الرسمي، تحمل في بعض الأحيان ملاحظة أن تولستوي ذكر أنه لا يريد الجائزة وسيرفضها إذا منحت له، فيبدو أن الأمر قد دخل رسمياً إلى اعتبار وسجلات جائزة نوبل.

على كل حال، بعد التدوينة السابقة التي ذكرتُ فيها الأمر، راودتني رغبة في ترجمة رسالة "السويديين" لــتولستوي وفي ترجمة رده عليهم... إنه شيء غبي، فأنا لا أعلم إن كانت هذه النصوص مترجمة للعربية، وهي في الأغلب مترجمة، كما أن هذه المدونة مجهولة ولا أريد نشرها (إلى الآن!). ولكن! سوف أسجلها في فضاء الإنترنت! لحاجةٍ في نفس يعقوب في الأغلب.. لا داعي للغموض، لأني أُقدس تولستوي، هذا كل ما هنالك! وبدون المزيد من المقدمات، فيما يلي رسالة السويديين لــتولستوي، يليها رد تولستوي.

رسالة الكُتَّاب والفنانين والنُقاد السويديين إلى تولستوي

إلى ليو تولستوي:

فيما يخص منح جائزة نوبل للأدب لأول مرة، فنحن المؤلفون والفنانون والنقاد الموقعون أدناه نرغب في التعبير عن إعجابنا بك. وعلى وجه الخصوص نحن نرى في شخصك ليس فقط الأب الأكثر إجلالاً لأدب اليوم، ولكنك أيضاً بالنسبة لنا أعظم وأعمق شاعر، والذي كان في رأينا الأجدر بأن يكون أول من يجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار، حتى وإن لم تكن أنت نفسك قد سعيت أبداً لمثل هذا النوع من الجوائز. نحن نشعر بأننا ملزمون جداً بأن نُعلمك بأننا نعتبر أن المؤسسة التي تمتلك زمام السيطرة على الجائزة المقصودة، ونتيجةً لأعضائها الراهنين، لا تعكس رأي الفنانين ولا الرأي العام. يجب أن لا ينطبع في أذهان الدول الأخرى أن الفن الذي يأتي من المفكرين الأحرار والأشخاص المبدعين بحرية، حتى بين مواطنينا القاطنين بعيداً، لا يُقدر بصفته الأفضل جودةً والأعظم مكانةً من بين كل البقية.

توقيع:
George Nordensvan
Gustaf Janson
August Strindberg
P. Staaff
Per Hallström
Axel Lundegård
Oscar Levertin
Gustaf af Geijerstam
Karl-Erik Forsslund
Hilma Angered-Strandberg
Ellen Key
Hellen Lindgren
Nils Kreuger
Anders Zorn
Acke Andersson
Karl Nordström
Robert Thegerström
Albert Engström
Carl Larsson
Andreas Hallén
Wilhelm Peterson-Berger
Selma Lagerlöf (مُنحت جائزة نوبل للأدب سنة 1909)
Otto Sylwan
Sven Söderman
Tor Hedberg
Klas Fåhraeus
Verner v. Heidenstam (مُنح جائزة نوبل للأدب سنة 1916)
Henning Berger
Hjalmar Söderberg
Daniel Fallström
Henning v. Melsted
Edv. Alkman
Georg Pauli
Richard Bergh
Christian Eriksson
Oscar Björck
Eugène Jansson
Gustaf Wickman
Bruno Liljefors
Emil Sjögren
Wilh. Stenhammar
Tor Aulin

لن أترجم أسماء الموقعين للعربية، لا أستطيع أصلاً قراءتها!

رابط الرسالة على موقع جائزة نوبل بالإنجليزية:

رد تولستوي

أيها السادة،

واقع أن جائزة نوبل لم تُمنح لي أسعدني لسببين: أولاً، لأن ذلك أنقذني من الضرورة المؤلمة للتعامل بطريقةٍ أو بأخرى مع المال، الذي يعتبر عادةً شيئاً ضرورياً ومفيداً، ولكني أعتبره مصدر كل أنواع الشر. وثانياً، لأن ذلك منح أشخاصاً أحترمهم الفرصة ليعبروا عن تعاطفهم معي، الأمر الذي أشكركم جميعاً عليه من كل قلبي.

رابط الرد على موقع wikisource بالإنجليزية:



ملاحظة: قيمة الجائزة سنة 1901 كانت تقريباً 17,000 دولار، أي بما يعادل مبلغ 936,000 دولار تقريباً في الزمن الحالي (حسب فرق التضخم لسنة 2013، وفق ما نشرته جائزة نوبل حول قيمة الجائزة، وحسب فرق الصرف الحالي بين العملة السويدية والدولار الأمريكي، الرقم قد يكون مختلفاً! ولكن هذا حدي في المحاسبة والاقتصاد!). الرجل سعيد بتفادي كسب ما يعادل 900 ألف دولار، يعني مليون إلا 100 ألف! تاج راسكم يا ناس، تاج راسكم!

رابط جدول جائزة نوبل حول قيمة الجائزة بالمقارنة مع سنة 2013:



23 مايو 2017