‏إظهار الرسائل ذات التسميات الكتابة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الكتابة. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 6 نوفمبر 2019

شهر في سيينا لهشام مطر: نحن هنا نتعلم كيف نعيش.



منذ فترة اكتشفتُ أنني ارتكبتُ خطأً فادحاً. رواية "في بلاد الرجال" لهشام مطر صدرت سنة 2006، وأنا بكل حماقة تعطلتُ في قراءتها 11 سنة! خطأ فادحٌ فاضح في هذه الحياة التي لا وقت فيها لقراءة كل شيء ولذلك نتمنى أن نقرأ ما يستحق القراءة قبل أن تُغلق كل الكُتب. ولكنني حاولت تصحيح هذا الخطأ. قرأتُ "في بلاد الرجال" سنة 2017، بعد 11 سنة من صدورها، ولكنني قرأتُ كتاب "العودة" المدهش سنة 2017، هذه المرة سنةً واحدةً فقط بعد صدور الكتاب في 2016. تقدمٌ جيد، أليس كذلك؟ حسناً، لقد حرصت على أن أتقدم أكثر.

كتاب هشام مطر الجديد "شهر في سيينا" A Month in Siena صدر بتاريخ 17 أكتوبر 2019. لماذا أعرف تاريخ صدور الكتاب بهذه الدقة؟ لأنني لأول مرةٍ في حياتي أطلب كتاباً قبل صدوره، وقد وصلني عبر البريد بتاريخ 17 أكتوبر بالضبط. لقد حاولتْ الظروف أو الصروف أن تتواطأ ضدي وضد الكتاب، هذه مشاغل وهذه هموم وهذه صاحبة الفخامة الكآبة وهذه حوادثٌ مؤلمة، ولكن هذا التواطؤ لم ينجح إلا في تعطيلي أسبوعين أو ثلاثة فقط!

حين قرأت "في بلاد الرجال" صُدمت: كيف تعطلت لهذه الدرجة؟ كيف لم أنتبه لهذا الكتاب الممتاز ولهذه الرواية التي قد تكون إحدى أفضل الروايات اللاتي قرأتهن؟ وحين قرأت "العودة" لم أُصدم، بل فقط تأكدت أن هشام مطر كاتبٌ وشاعرٌ حقيقيٌّ جداً، وشعرتُ بأن "العودة" كتابٌ اقترب كثيراً من درجة الكمال. والآن وقد قرأت "شهر في سيينا" فها أنا ذا أزداد يقيناً فوق يقيني بأن هشام مطر من أفضل الكُتَّاب المعاصرين.

اللغة تشبه الذاكرة أليس كذلك؟ نستخدم كلمات من ذاكرتنا للتعبير عن شيء جديد أو بالأحرى لتذكير بعضنا بعضاً بشيء قديم لنفهم شيئاً جديداً. وأظن أن المقارنة كذلك نوعٌ من أنواع اللغة الذاكرية. ولذلك سأبدأ بهذا الاستذكار: لقد ذكرني الكتاب بإدوارد سعيد وخورخي لويس بورخيس وعبدالفتاح كيليطو. سنجد عقلانية وأناقة إدوارد الأكاديمية، وسنجد شغف بورخيس بالتفاصيل والأحلام والخيال، وسنجد فضول كيليطو وهو يحاول فك ألغاز الأعمال الفنية. ولكن هذا لا يعني أن هشام مطر ليس موجوداً، بل موجود، فالعقلانية عقلانيته والأناقة أناقته، والشغف شغفه وأحلامه وخياله، والفضول فضوله، واللغة لغته الرائعة المدهشة بدقتها. ولهذا السبب كذلك، لحضور هشام في كتابه الجميل هذا، فقد ذَكَّرني بكتاب "وليمة متنقلة" لهيمنغواي، ذلك الكتاب الصغير الذي أهديت منه نسخاً عديدة، والشيء بالشيء يُذكر فقد تحدثت وأوصيت وأعرت وأهديت كتابي هشام مطر "في بلاد الرجال" و"العودة" عدة مرات كذلك. وهذه الذكرى القديمة عن كتاب هيمنغواي الذي كتب فيه عن تجارب شبابه في باريس بجمالٍ حميميٍّ (أو ربما بروستي) مُدهش تقودني لوصف الذكرى الجديدة التي هي كتاب هشام هذا.

"شهر في سيينا" كتاب يتحدث فيه هشام عن شهرٍ أمضاه في مدينة سيينا الإيطالية بعد الانتهاء من تأليف كتابه "العودة". "العودة" كتابٌ جميلٌ ويقترب من درجة الكمال كما ذكرتُ سابقاً، ولكن جماله هو ذاك الجمال الشاعري، جمال قصائد الرثاء التي تتمكن بمعجزةٍ سليمانية من تذويب فضة الحزن وتشكيل الجمال منها. حين كتبت عن "في بلاد الرجال" قلت إنه كان كتاباً مرهقاً، "العودة" لم يكن مختلفاً في إرهاقه العاطفي الجميل. في كتاب "العودة" يذكر هشام عادته في الذهاب إلى المتاحف ليختار لوحةً ويقف أمامها لزمنٍ طويل يدرس كل تفاصيلها. هكذا قد نفهم لماذا قرر هشام أن يذهب إلى سيينا ليشاهد اللوحات السيينية الغامضة التي قال عنها:

"كانت تقف منفردةً، لا من العصر البيزنطي ولا من عصر النهضة، طفرة بين الفصول، مثل الأوركسترا تُدوزِن أوتارها في الاستراحة."

السبت، 2 مارس 2019

المدن غير الموصولة: وللعبقرية مفاتيح أيضاً.







هذا الكتاب الرشيق الأنيق تحمستُ له جداً عند صدوره. ركضتُ خلفه إنترنتياً حتى تمكنتُ من شرائه، والفضل في ذلك يرجع لناشري الكتاب: دار بلسم؛ فقد سألتهم مرة عن شراء الكتاب من خارج مصر، ولم ينسوني! بل تابعوا الموضوع معي وأشاروا علي بمحاولة شراء الكتاب من مكتبة ديوان. اشتريته فوراً، وبقيتُ لقرابة أسبوع أتفقد البريد كل يوم، مع أني من المفترض أن أعلم أن الموضوع قد يأخذ وقتاً، بريد دولي وما نحو ذلك، لكن كل يوم أُلقي نظرةً متشوقة على كومة البريد في المبنى. وحين وصل الكتاب، فوراً أخرجته من طرده وجلستُ أقرأه وبصراحة أنقذني من يومٍ آخر من الكآبة واللافائدة.

لماذا تحمستُ للكتاب كل هذا الحماس؟ حسناً... من أين نبدأ...

الكتابة: محمود قطب

هذا تقسيم غريب لهذه التدوينة، لكن أظنه مفيد. على كل حال، نعم، فلنبدأ بالكتابة. الكتاب مجموعةٌ من القصص القصيرة، تتفاوت ما بين بضعة أسطر إلى صفحتين أو ثلاث، في كتاب من القطع المتوسط، باللغة العربية. حتى الآن كل شيء طبيعي والأوضاع مستقرة، ولكن اسمحوا لي بأن "أدخل عليكم بالعرض" كما يُقال وأن أخبركم بأنها قصص ذكرتني بجبران خليل جبران وتولستوي وبورخيس! مفاجأة؟ حسناً، قد لا تكون مفاجأة لك أيها القارئ العزيز، ولكنها كانت مفاجأةً لي! وقبل أن يتحمس أحد ويقول لي هدي أعصابك وخف علينا، أرجو متابعة القراءة.

سأعترف بأن توقعاتي للكتاب كانت عالية قليلاً، لديَّ اطلاعٌ بسيط على كتابات المؤلف، وكنتُ متحمساً لإخراج الكتاب الذي سيجمع بين النصوص والرسومات. ولكني كنتُ أتوقع شيئاً مثل الكوميكس (القصص/الروايات المصورة)، ولم يخطر ببالي أن تدفعني نصوص الكتاب إلى استحضار عظماء مثل جبران وتولستوي وبورخيس! فكيف ذكرتني هذه القصص بهم؟ دعونا نطرح سؤالاً آخر قبل ذلك: ما تصنيف هذه القصة؟

أهي قصص أطفال؟
قصصٌ للنشء والمراهقين؟
أم قصصٌ للبالغين؟

بصفتي أنتمي إلى فئة البالغين (على الأقل وفق شهادة الميلاد) فإجابتي على هذا السؤال أن نصوص الكتاب نصوص "مُتجاوزِة" أو "مُخترِقة". ماذا تتجاوز وتخترق؟ التصنيفات العمرية أو الأدبية. هذه القصص تتجاوز وصفها بأنها قصص للأطفال، وتخترق وصفها بأنها للنشء، وتصل إلى البالغين وربما تتجاوزهم كذلك (ملحوظة عابرة: أتحدث الآن عن القصص، لكن هذا الكلام ينطبق على الكتاب كله!). لقد ذكرتني القصص بتولستوي مثلاً لأنني ربطتها بالقصص التي كتبها تولستوي للصغار، وأذكر قصصه للصغار ليس للانتقاص من قيمة "المدن غير الموصولة" بل لبيان شيء عبقري في الكتاب، فمن مظاهر عبقرية تولستوي (الذي هو تاج راسي وراسكم) اتقانه لكتابة أدب الأطفال والنشء (وحتى الأدب الوعظي الموجه للكبار) بحيث لا تقول القصة مباشرةً ما الدرس الذي يجب علينا تعلمه، ولكنها تعلمنا الدرس عن طريق الحكاية وحدها. مثال ذلك مثلاً قصة "تخيل مدينةً نصف مغمورة في البحر"، أو قصة "تخيل مدينة معلقة في الهواء"، أو قصة "تخيل مدينة يراها سكانها مستودع الحكمة"، أو كل القصص في هذا الكتاب الصغير الرائع! الفكرة تصلك بوضوح أيها البالغ المثقف ما شاء الله عليك! وإن كنتُ مراهقاً أو حتى طفلاً فإنك ستشعر بالدرس، ستفهمه. وهذه القدرة التعليمية لقصص هذا الكتاب هي من مفاتيح العبقرية الكامنة فيه.

ولكن، هذه القصص ليست فقط للأطفال أو المراهقين، فقد ذكرتني كذلك بجبران وقصصه الرمزية. قصص جبران الرمزية لا أظنها مكتوبة للأطفال، فهي فلسفية أكثر من أن يفهمها الصغار، ولكنها تحمل ذلك الطابع الطفولي والبسيط، وهنا سأستحضر تولستوي من جديد، لأقول بأن "البساطة" في الكتابة، سواءً لغوياً أو سردياً، ليست عيباً بل فناً لا يُتقنه كثيرون. وهذه الرمزية في قصص محمود قطب لا تتوقف عند الرمزية الفلسفية الجبرانية (لعل أبرز مثال عليها قصة "تخيل مدينةً نصف مغمورة في البحر" أو قصة "تخيل مدينةً بلا خريطة")، بل تصل أيضاً إلى مستويات الرمزية العجائبية البورخيسية، وهنا لا أحتاج لمثال لأن كل المتاهات التي تلف وتدور في مدن محمود قطب لا بد أن تستحضر للذهن بورخيس، ناهيك عن قصص السكان وعاداتهم الغريبة والعوالم العجيبة التي ابتكرها محمود قطب. فالقارئ البالغ عمرياً، ولو أن بلوغ بعض القراء عقلياً مشكوكٌ فيه، ولكيلا يزعل أحد فأنا أقصد نفسي! أين كنا... القارئ البالغ، الذي يُتوقع منه أن ينظر أبعد من مجرد حبكة أو خيال قد يشد الصغار، سيجد في هذه القصص الكثير من المعاني والحكم، ولعله سيُفكر مثلي: هذه قصة يمكن إسقاط معناها على أوضاع هذه البلاد أو تلك، وهذه قصة يمكن إسقاط معناها على هذا الخلاف الفكري، وهذه قصة يمكن إسقاط معناها على هذه الظاهرة الاجتماعية أو النفسية، إلخ إلخ إلخ. وهذا ثاني مفتاح من مفاتيح عبقرية هذا الكتاب: الرمزية البارعة. وأقول الرمزية "البارعة" لأنني فاشلٌ في الكتابة ولم أجد كلمة أصف بها الرمزية التي لا تكون واضحةً لدرجة الابتذال ولا تكون غارقةً في الغموض لدرجة الامتناع! فقلتُ أنها بارعة لأنها جاءت موزونةً توازناً بارعاً. يعني، برع الكاتب في الكتابة البارعة ببراعة. وصلت؟ تمام.

السبت، 20 مايو 2017

سوانح فتاة؟ أم كنوز امرأة عظيمة؟





القارئ العربي في الأغلب يعرف عباس محمود العقاد، ويعرف طه حسين، ويعرف جبران خليل جبران، وعلى الأرجح يعرف أيضًا مي زيادة. وإن سألته عن كتب العقاد؟ فربما يقول لك أشهر ما كتب العبقريات. طه حسين؟ سيرته الشهيرة الأيام. جبران؟ النبي. ومي زيادة؟ آه.. كانت رائدة وما إلى ذلك، وكان يحبها العقاد وجبران والرافعي وكل من كان يقرأ ويكتب من معاصريها! ألا تعرف شيئًا عن أعمالها؟ كانت.. أديبة مميزة، ومن الرائدات. قرأتَ لها يومًا؟ قرأتُ مقالات عن صالونها الأدبي وحب كل أولئك العباقرة العظماء لها. وهي؟ أين مي زيادة؟ يا عمي قلنا لك رائدة وأديبة! خلاص!

هذه في الأغلب كانت سوف تكون ردة فعلي أنا نفسي منذ فترة. كلنا نعرف أن مي زيادة رائدة، كلنا نعرف أن كثيرين من معاصريها ذابوا فيها عشقًا. كلنا نعرف أنها رائدة. رائدة. رائدة. فهل نعرفها هي؟ كلا. وهنالك مجال كبير للحديث عن الهيمنة الذكورية التاريخية وعن اقتران ذكر هذه المرأة بعلاقاتها مع الرجال! سيرتها تكاد تُختزل في أن رجالًا أحبوها، على الأقل في الذاكرة الجمعية لقُراء العربية ذوي الثقافة المتواضعة (مثل حالاتي).

وفي مقابل هذه الذكورية المقيتة (أحلى تحية للنسوية) فإننا نجد أن لمي زيادة من يدركون قيمتها ويدرسون أعمالها ويهتمون بنتاجها فعلًا، وليس فقط برسائل حب جبران لها، وبعلاقتها بالعقاد.

على كل حال، كنتُ أرغب في القراءة لها منذ زمن بعيد، وازدادت هذه الرغبة مؤخرًا (ربما بسبب الصديقة المهووسة بها، أو ربما هي فقط تلك الرحلة التائهة بين الكتب والبحث عن الكتاب التالي). وعلى كل حال وجدتني أقرأ كتابها سوانح فتاة – وهو متوفر مجاناً على موقع مؤسسة هنداوي (بصيغ pdf وepub وkindle)، بالإضافة إلى عدد من مؤلفاتها ومقالاتها. موقع مؤسسة هنداوي رائع على فكرة فيه كمية كبيرة من الكتب الرائعة.

لقد كانت تجربةً رائعة.. وقبل أن أتحدث عن الكتاب سوف أقول إنني أُوصي بقراءته لكلّ من لا يعرف أو تعرف مي زيادة أو لم تتعرّف أو يتعرّف على أعمالها بعد.



حسناً، ما هو سوانح فتاة؟ هو مجموعة نصوص كتبتها مي، خواطر، مقالات، تأملات، وربما حتى قصص (أو مقالة/خاطرة قصصية)، ومسرحية. ويبدو من التواريخ التي تحملها بعض النصوص أن مي كتبتها ما بين 1913 و1916، أي ما بين 26 و30 من عمرها تقريبًا (هذه ملاحظة مهمة جدًّا، فلنتذكرها جيدًا). حسنًا. هذا وصف عاديٌّ جدًّا للكتاب. أعني، ماذا أقول أيضًا؟ في الأغلب طُبع الكتاب على ورق، أنا قرأته إلكترونيًّا (الرابط موجود في الأعلى، لا تدعوا الفرصة تفوتكم!). آه، نعم، الموضوعات. كلا هذا ليس مهمًّا. سأتحدث عن الدهشة!

الجمعة، 14 أبريل 2017

أنا أهرب...


حسناً، لا أعلم من أين أبدأ وهذا ليس مهماً، ولم يكن مهماً على الإطلاق في أي يوم من الأيام. كل ما في الأمر أنني لاحظتُ شيئاً: يا إلهي كم أكتب كثيراً! أعني كميات كبيرة من الهراء! هذا الكتاب أكتب عنه 16 صفحة! ذلك الكتيب الصغير 11 صفحة! 7 صفحات! 6 صفحات! ما هذا؟! ألا أستطيع أن أكتب مثل أي إنسان طبيعي آخر صفحةً أو صفحتين؟ ألا أستطيع مثلاً أن ألتزم بعدد 750 كلمة، أو 1,200 كلمة؟ 

حسناً، هذه التدوينة ستكون فقط 1,200 كلمة. بالحرف! وباستثناء العنوان طبعاً. والتاريخ. فقط. استثناءان وحيدان. باقي النص سيكون 1,200 صفحة من الصراخ! بالطبع لا يمكن معرفة أنني أكتب بسرعة وكأنني أصرخ حالياً، ولكن هذا ما يحدث، لدرجة أن معدل تنفسي مرتفع! علامة تعجب أخرى لتوضيح الفكرة! علامة تعجب!

حسناً، أولاً، أعلم أن هذه ثالث فقرة أبدأها بكلمة "حسناً"، ثانياً، كلمة حسناً يبدو أنها تأتي مع كل نفس عميق أخذه محاولاً تهدئة نفسي. حسناً.. نفس عميق. استرخاء. اهدأ يا أنا. اهدأ.. فكر في شيء هادئ، شيء مُهدئ. ليس لدي شيء مُهدئ أفكر فيه، كل شيء سيثير حزني وحسب. ونعم، أنا مكتئبٌ جداً، ولعل هذا السبب الأول في كثرة قراءاتي وكثرة كتابتي مؤخراً.

أحاول الغرق..

ولا مشكلة في ذلك حقاً، الشخص الذي يحرق علبة سجائر من شدة القلق، والذي يسكب زجاجة خمرٍ كاملة في جوفه محاولاً إغراق واقعه بالنسيان، والشخص الذي يتشبث بالوسادة والفراش محاولاً تجاهل العالم الذي يقف عند رأسه بجوار السرير، لستُ مختلفاً عن كل هؤلاء في محاولات الهرب.. محاولات الغرق. وربما هذا سبب أنني أمتلك "نفساً طويلاً" في كتابة الكلام الفارغ الذي لا يأتي بجديد.

لا أقدم أفكاراً جديدة، لا أقدم معلومات حصرية، لا أكتب إبداعاً فنياً لا مثيل له، أو ربما له مثيل عظيم! لا أفعل أي شيء يُبرر أنني أجلس وأكتب على مدى 16 صفحة متواصلة عن رواية قرأتها وشعرتُ بأنها عادية! إن وجهات نظري التي أعبر عنها تجعل حجم هذا التعبير يبدو غريباً. كتاب أعجبني أكتب عنه 7 صفحات. كتاب أحسست أنه عادي وربما سيء أكتب عنه 16 صفحة. كيف يحدث ذلك؟ لا أعلم، إنه فقط يحدث.

وبصراحة لا توجد مشكلة حقيقية في ذلك، أنا لا أكتب لأحد، أكتب فقط لنفسي، لكي أتذكر، لكي أشعر بأنني فعلتُ شيئاً ما، لكي أخدع نفسي بإنجاز لا يعلم أحد بوجوده. أنا أمر بأزمة وجودية، وهذا شيء طبيعي مع الاكتئاب الذي أعاني منه. ولكن، إذا كان الأمر عادياً ولا مشكلة حقيقية فيه، فما المشكلة إذاً؟! المشكلة أن هنالك مشكلة وهمية في الموضوع: شعوري بأن هذا غير سليم.

من أين جاء هذا الشعور؟ ببساطة جاء من واقع أنك إذا أردت كتابة أشياء عادية (مثل المقالات والمراجعات والتدوينات)، وإذا أردت الكتابة بشكل محترف، فعليك أن تكتب ما بين 750 و1,200 كلمة. هذا إذا كنت تريد من الناس أن يقرأوا فعلاً! إما هذا أو أن تكتب بأسلوب يشد القارئ ولا يشعره بأنه يقرأ 25 صفحة من الهراء لدرجة أنه يصاب بجلطة في منتصف القراءة وتُضيف ضحية جديدة إلى مسيرتك بصفتك قاتلاً متسلسلاً يقتل ضحاياه بالملل والكلام الفارغ.

أنا الآن عند 475 كلمة. حسناً، يجب أن أركز. أن أختصر الكلام. أن أصل إلى الفكرة. أن أختار الأفكار المهمة فقط... على الأقل هذا ما يجب أن تفعله في حالة كنت تكتب لكي يقرأ الناس. ولكنني لا أريد ذلك، لا أريد موازنة كلماتي، لا أريد اختيار أفكار أقولها وأفكار أمحوها بألم، لا أريد أن أتوقف كل مرة أثناء كتابتي لكي أراجع ما كتبته، ولا أريد حتى أن أكتب مسودة ثم أراجعها. أحد الكتاب كانت لديه تعليقات لطيفة حول الكتابة. كان يقول بأنه يسمح لنفسه باستثناء واحد للاحتفاظ بفكرة أو جملة في المقالات التي يكتبها، يعني حين يراجع المقالات ويقوم بتحريرها. وكان يقول أيضاً بأن المراجعة/التحرير ليست فقط البحث عن أخطاء طباعية، ولكنه الهجوم على حشود الكلمات وتقطيعها إلى أن تُباد كل الكلمات الضعيفة ولا تنجو إلا الكلمات القوية! هذه مهنة الكاتب الحقيقي. الكاتب الذي يريد إيصال فكرة من الكتابة، ولا أعني هنا الكاتب الفنان، أي الأديب، ولكن الكاتب "غير الخيالي".

بصراحة اللغة العربية تحتاج لمواكبة التصنيفات الإنجليزية للأدب: fiction خيال، بمعنى أدب متخيل (قصص، روايات، مسرحيات، إلى آخره)، وnon-fiction ليس خيالاً، بمعنى أدب واقعي (مقالات، مذكرات، مراجعات، إلخ – ولا أعلم لماذا كتبت "إلى آخره" المرة السابقة! لقد زدتُ عدد الكلمات بلا فائدة! ومازلتُ أفعل ذلك! تباً!).

نعود إلى الموضوع في الفقرة ما قبل السابقة. الكاتب الذي يريد إيصال فكرة، عليه أن يعمل. ربما أتحدث من تجربة شخصية وربما أتحدث من تجربتي بصفتي قارئاً (لا أحد يعلم!)، ولكن الكاتب عليه أن يُنتج نصاً يوصل الفكرة، مهما كانت طريقة كتابة النص، قد يكتب مقالة قصصية، قد يكتب مقالة أكاديمية جداً، قد يتحدث عن موضوع مختلف تماماً ولكن فيه عبرة لن تضيع على القارئ. عليه أيضاً أن يختار كلماته بعناية. أن يختار الكلمة التي لا تكون صحيحة لغوياً وحسب، المعنى المعجمي لم يعد كل ما في الأمر، ولكن عليه أيضاً أن يختار كلمة لها معنى شعوري مناسب أيضاً، كلمة حين يقرأها القارئ سوف يتخيل شيئاً معيناً. حين تريد وصف شخص وظيفته الوقوف خارج مبنى مثلاً، فإن الأمر سيختلف تماماً، أعني الشعور الذي يراود القارئ، سيختلف تماماً ما بين كلمة "بواب" وكلمة "حارس".

الخلاصة، لأني الآن تجاوزت 800 كلمة، الخلاصة أن مثل هذه الكتابة الجادة، وأيضاً (مع الاعتذار على استخدام هذه الكلمة!) الهادفة، هي كتابة تحتاج للكثير من الانضباط والكثير من العمل. ولكن، لا يوجد أي انضباط عند الشخص الذي يدخن علبة سجائر كاملة، والشخص الذي يدلق زجاجة خمر كاملة، والشخص الذي ينام يوماً كاملاً، و.. و.. و... لا يوجد غرق منضبط. يوجد فقط استسلام كامل للأعماق.

وهذا ما أفعله. هذا ما أحاول الآن تبريره لنفسي، لكي أجعل المشكلة "الوهمية" تختفي من خاطري، وتبقى كتاباتي طويلة بلا أي مشكلة. أنا أهرب. ولا أهرب باتجاه أحد، لا أريد لأحد أن يفهم أو أن تصله فكرة، أو أي شيء. ربما أتمنى أن يقرأ بضعة أشخاص (يعدون على أصابع يد واحدة!)، ولكن هؤلاء ليسوا "ناساً"، هؤلاء لن يتفرجوا علي وأنا أهرب، هؤلاء يرونني أهرب، فيركضون معي، ونصل في نهاية الطريق إلى جدارٍ ما، وننهار على الأرض، ونبكي معاً.. ثم أراهم أنا يهربون، فأركض معهم، ونصل إلى جدارٍ آخر، أو حافة، أو نتوقف عن الركض ونمشي معاً... هنالك أشخاص يعتبرون استثناءً لكل شيء في الحياة.

967 كلمة.

قلتُ بأنني سألتزم في هذه التدوينة بعدد 1,200 كلمة. هل هنالك فكرة أريد إيصالها؟ من الأفضل لي أن أنتبه! أوه تكاد تنفد مني الكلمات! أوه علي مراجعة كلامي! أوه يجب أن أنضبط! أوه! أوه! فليذهب كل ذلك إلى الجحيم! أنا أهرب هنا، لا أريد الالتزام بكل تلك القواعد التي لها غاية نبيلة وتهدف إلى شيء مثالي يثير الغثيان.

أنا فقط أهرب. وسأهرب بعشرة صفحات، عشرين صفحة، أو مائة صفحة. هذا ليس مهماً. ولا داعي لأن أتساءل وأشكك في نفسي. حين يأتي وقتٌ أريد أن أكتب فيه مقالةً لتنشر في مجلة ثقافية معتمدة ضمن حدود 1,200 كلمة مع مراجعة مدقق لغوي ومحرر لهذا القسم من المجلة، حينها سوف أبذل مجهوداً في أداء "وظيفة". ولكن الآن.. وهنا.. الآن وهنا أنا أهرب. أركض، أو أمشي، أو أغرق، أو أتحدث بهدوء مع أحد الأشخاص المميزين مع كوب من القهوة.

الآن لا أحتاج للالتزام بأي شيء سوى الحرية... لا داعي حتى لقيد 1,200 كلمة.


1,120 كلمة.

5 أبريل 2017